القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ
القديس يوحنا المعمدان
السابق الصابغ
دكتورة وداد عباس توفيق
2022م
اسم الكتاب : القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ
إعداد : دكتورة وداد عباس توفيق
الطبعة الإلكترونية : الأولى 2022م
©
فهرس
القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ
1 - لقبه ومكانته في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
· أصل ومعنى مصطلح "الصابغ"
· تكريم ووضع القديس المعمدان في الكنيسة
- رفات القديس يوحنا المعمدان
2 - سر عظمة القديس يوحنا المعمدان بشهادة السيد المسيح
أولاً: كان الصوت الصارخ في البرية والملاك الذي يعد الطريق للرب
ثانيًا: كان نبي الله
ثالثًا: كان قديسًا وناسكًا
رابعًا: كان جريئًا في انتقاده للخطية والرياء
3 - شهادة يوحنا المعمدان عن السيد المسيح وأهميتها
أولاً: شهد لأزلية السيد المسيح
ثانيًا: شهد أنه حمل الله
ثالثًا: شهد أنه ابن الله
رابعًا: شهد لعظمة وقوة السيد المسيح
خامسًا: شهد أنه يعمِّد بالروح القدس
4- معمودية يوحنا ومعمودية السيد المسيح، معمودية العهد الجديد
معمودية يوحنا المعمدان
نزول السيد المسيح لهذه المعمودية
معمودية السيد المسيح، معمودية العهد الجديد وفاعليتها
⸭
لقبه ومكانته في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
القديس يوحنا المعمدان من أهم الشخصيات المحورية في تاريخ الخلاص ..
هو ابن زكريا الكاهن والقديسة أليصابات، ولد ببشارة لأبيه أن طلبتهما أن يكون لهما ابن قد تحقَّقت ... وحين تشكك أبيه في كلام الملاك لاستحالة ذلك بالنسبة للعقل البشري، عوقب بالصمت حتى ولادته ... تكلَّمت عنه النبوات وشهد له السيد المسيح شهادة رائعة .. جاء بعد فترة امتنعت فيها النبوة لنحو 400 عامًا، لذلك اعتبر الجسر بين العهدين ..
دُعي السابق لأنه سبق السيد المسيح بستة أشهر: "وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله .... إلى عذراء مخطوبة .... وقال لها .... وهوذا أليصابات نسيبتك هي أيضًا حبلي بابن في شيخوختها وهذا هو الشهر السادس لتلك المدعو عاقرًا" (لو 1: 26، 36).
ودُعي الصابغ لأنه جاء ليعمد، معمودية توبة، ليعد الناس لمجيء المسيّا. هي معمودية، أو صبغة، كما جاءت الكلمة في اللغة العربية لأنها تحوِّل الشخص المعمَّد إلى شخص آخر نقي وتعطيه سمة أخرى .. لهذا جاءت الكلمة على لسان السيد المسيح في اللغى العربية أنها "صبغة" (مت 20: 22).
هنا يجدر أن نعرف أًصل ومعنى الكلمة، ولماذا جاءت في اللغة العربية بمعنى "صبغة":
- الكلمة في اللغة الإنجليزية "baptism" كما وردت في (متى 20: 22، 23):
- الأصل هو المصطلح اليوناني وقد احتفظت به اللغة الإنجليزية ولم تترجمه، فلفظ baptizo اليوناني أصبح الفعل baptize، ولفظ baptizma أصبح الاسم baptism. وحسب القواميس اليونانية اللفظ يعنى "تغطيس، صبغة، تحوُّل":
- “Baptizo”: to make a thing dipped or dyed. To immerse for a religious purpose” [1]
- “Consisting of the process of immersion, submersion and emergence” [3]
- وفي تفسير غربي: “baptize/baptism” تعني “identification”"هوية". فالقماش المصبوغ يُعرف بلونه. هكذا المسيحيون المعمدون أو المغطسون يعرفون بهويتهم المسيحية وأتباع المسيح يسوع. وهذا واضح من الصيغة التي أعطاها المسيح لتلاميذه: "وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" ... هذه هوية المسيحي الجديدة بعد التغطيس.[4]
- من أصل الكلمة نعرف أن المعمودية بالتغطيس وليس بالرش. لأن هذا هو المعنى الأصلي للفظ. وهذا بالطبع غير الممارسات في الكنيسة الأولى التي تؤكد ذلك.
تكريم ووضع القديس يوحنا المعمدان في الكنيسة القبطية
تضعه الكنيسة في مرتبة أعلى من كل القديسين والأنبياء بعد القديسة العذراء مريم مباشرة. وتعتبره آخر وأعظم الأنبياء، والجسر بين العهدين، إذ يعلن المجيء الفعلي للمسيا، وأنه حمل الله الذي يرفع خطايا العالم، ويمهد لمجيئه بمعمودية التوبة. يظهر هذا التكريم في صلوات الكنيسة وليتورچيتها:
† تحتفل الكنيسة له بخمسة أعياد:
2 توت (11 سبتمبر) تذكار استشهاده بقطع رأسه.
26 توت (5 أكتوبر) تذكار البشارة لأبيه زكريا بميلاده.
30 أمشير (8 مارس) ظهور رأسه في حمص بالشام برؤيا للأسقف مرتيانوس أواخر القرن الراب
2 بؤونة (8 يونيو) ظهور جسده وجسد إليشع النبي بالأسكندرية أيام يوليانوس الجاحد حيث أخذهما المسيحيون إلى القديس أثناسيوس الذي قرر بناء كنيسة على اسمه شيدها خلفه القديس ثاؤفيلس.
30 بؤونة (6 يوليو) تذكار ميلاده (وهو أمر غير مألوف لأن المعتاد الاحتفال بنياحة أو استشهاد القديس وليس ميلاده – باستثناء العذراء القديسة مريم).
· تذكره الكنيسة في صلوات القداس الإلهي في أعياده:
o في الهيتينيات تطلب شفاعاته
o في مرد ال إبركسيس
o في مرد الإنجيل
o في مجمع القديسين في القداس الإلهي يُذكر بعد القديسة العذراء مباشرة وحتى قبل مارمرقس وباقي القديسين العظماء.
o في قسمة للآب تُذكر قصة ميلاده وحياته ومعموديته تقال في أعياده وفي عيد الغطاس
o له قسمة خاصة به
· وفي التسبحة:
o له أكثر من إبصالية آدام وأخرى واطس عن استشهاده نتشفع به عند ربنا يسوع المسيح.
o له أكثر من ذكصولوجية تحكي أنه أعظم من ولدته النساء وأفضل نبي ويُدعى صديق الختن حمل الله الذي شهد للنور الحقيقي، ونطلب شفاعته.
o في أرباع الناقوس نعطيه السلام وندعوه السابق العظيم، الكاهن نسيب عمانوئيل.
o له مديح يقال في أعياده.
تذكره الكنيسة بألقاب كثيرة في التسبحة والذكصولوجيات تصف شخصيته ورسالته، مثل:
- كاهن الرب .. الغالب .. العظيم .. صاحب الحكمة ..
- الصوت الصارخ .. ابن الموعد .. البار .. المبارك ..
- نبي وأفضل من نبي .. نسيب المسيح عمانوئيل .. القمر المنير .. الشاهد الأمين ..
- صديق السيد .. المعمِّد للتوبة .. حلاوة الثمرات .. حركة الأغصان .. زهرة الأشجار في أرض السوسن .. مصباح النور في بريد الأردن ..
- شهيد الحق.
رفات القديس يوحنا المعمدان:
تزعم دول كثيرة أن لديها رفات أو رأس أو يد أو أصبع القديس يوحنا المعمدان:
من بين هذه الدول (باختصار) حمص بسوريا؛ كنائس كاثوليكية؛ كنيسة في روما؛ كاتدرائية في فرنسا؛ صربيا يوغوسلافيا؛ كنيسة رسولية أرمينية في الهند، ودير أرميني في تركيا ؛ بلغاريا ؛ روسيا ؛ مدينة هاليلفاكس في انجلترا ؛ في متحف بأمريكا ؛ وحتى في الجامع الأموي بدمشق، وجامع النبي يحي في نابلس بفلسطين .. وفي مصر.
بالنسبة لوجود الرفات في مصر:
اكتشف سرداب ورفات مذكورين في مخطوطات القرن 11-16م واكتشفا في عام 1969م أثناء ترميم كنيسة في دير القديس مقاريوس الكبير في الإسقيط بمصر. واكتشف هناك أيضًا جسد النبي إليشع.
وهكذا تعدَّدت مزاعم وجود الرفات أو جزء منه بين العديد من البلدان .. فلتكن رفاته أينما تكون، ولكن الأمر المؤكد، أن الجميع في كل مكان يطلب شفاعة هذا القديس العظيم.
(2)
سر عظمة القديس يوحنا بشهادة رب المجد يسوع المسيح
ترجع عظمة القديس يوحنا المعمدان لعدة أسباب ارتبطت بشخصيته وأكدها رب المجد ذاته:
أولاً: كان الصوت الصارخ في البرية والملاك الذي يعدّ الطريق للرب
يبدأ تاريخه من العهد القديم، إذ ذكرته النبوات، وأعلن هو عن نفسه:
· في (إشعياء 40: 3): أنه الصوت الصارخ في البرية: "صوت صارخ في البرية: أعدو طريق الرب. قوِّموا في القفر سبيلاً لإلهنا ... فيُعلن مجد الرب ويراه كل بشر جميعًا، لأن فم الرب تكلَّم".
· في (ملاخي 3: 1): أنه الملاك الذي يعد الطريق أمام الرب: "هأنذا أرسل ملاكي فيهيء الطريق أمامي".
فكان القديس يوحنا المعمدان هكذا بالحقيقة، تحققت فيه النبوات ..
يذكر القديس متى البشير بدء كرازة يوحنا المعمدان ودعوته الشعب للتوبة مذكِّرًا إياهم بنبوة إشعياء النبي عنه، قائلاً: "توبوا، لأنه قد اقترب ملكوت السماوات. فإن هذا هو الذي قيل عنه بإشعياء النبي القائل: صوت صارخ في البرية، أعدّوا طريق الرب. اصنعوا سبله مستقيمة" (مت 3: 3 ؛ إش 40: 3) ..
ويذكر القديس مرقس نفس النبوة عن القديس يوحنا المعمدان يقول: "كما هو مكتوب في الأنبياء: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي، الذي يهيء طريقك قدَّامك. صوت صارخ في البرية، أعدّوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة" (مر 1: 2-3 ؛ ملا 3: 1 ؛ إش 40: 3).
والقديس لوقا كذلك يذكر هذه النبوة أيضًا، يقول: "كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البرية، فجاء إلى جميع الكورة المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا، كما هو مكتوب سفر أقوال إشعياء النبي القائل: ’صوت صارخ في البرية: أعدّوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة" (لو 3: 2-6).
وأيضًا يقول القديس لوقا عنه في (لو 1: 17): "... ويرد كثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم. يتقدَّم أمامه بروح إيليا وقوته ... لكي يهيء للرب شعبًا مستعدًّا".
هو ذاته كان يدرك هذه النبوات عنه، ويدرك رسالته ..
هكذا قال في بدء كرازته (مت 3: 3)، وفي (يو 1: 22، 23)، عندما سأله الكهنة واللاويين المرسلين من اليهود: "من أنت، لنعطي جوابًا للذين أرسلونا؟ ماذا تقول عن نفسك؟" .. أجابهم مذكِّرًا إياهم بنبوة إشعياء: "أنا صوت صارخ في البرية: قوموا طريق الرب، كما قال إشعياء النبي" ..
وهذا ما أكده أيضًا السيد المسيح ذاته وهو يكلِّم الجموع عن يوحنا في (مت 11: 10) قائلاً: "فإن هذا هو الذي كُتب عنه: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك" ..
ثانيًا: القديس يوحنا المعمدان كان أيضًا نبي الله
النبي يتكلَّم دائمًا بروح الله لذلك امتلأ القديس يوحنا من بطن أمه من الروح القدس، كما قال الملاك لزكريا أبيه عنه (لو 1: 15)،. وبهذا الروح عرف السيد المسيح وهو في بطن العذراء فارتكض بابتهاج عند سلام القديسة مريم لأمه وهو في بطنها ..
تنبأ عنه أبوه أنه نبي، فعندما تكلَّم بعد الصمت الذي أصابه أمتلأ هو نفسه من الروح القدس، وقال عنه بعبارات واضحة: "وأنت أيها الصبي نبي العلي تدعى، لأنك تتقدم أمام وجه الرب لتعد طرقه، لتعطي شعبه معرفة الخلاص ... " (لو 1: 76، 77) ..
والسيد المسيح نفسه شهد له أنه نبي، كما شهد أنه الصوت الصارخ، وأيضًا أنه أعظم من ولدته النساء. وهو يحدث الجموع عنه قال: "ماذا خرجتم لتنظروا؟ أنبيًا؟ نعم، أقول لكم، وأفضل من نبي" ثم يصفه بعبارات رائعة، قائلاً: "لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان" (مت 11: 9، 11). ثم بـكثر تحديد أنه أعظم الأنبياء، يقول: "إنه بين المولودين من النساء ليس نبي أعظم من يوحنا المعمدان" (لو 7: 28) ..
والناس أيضًا كانوا ينظرون إليه على أنه نبي، حتى أن هيرودس بعد أن سجنه لأنه وبخه كان يخاف أن يقتله، لأنه كان عند الشعب مثل نبي (مت 14: 5)، وأيضًا رؤساء الكهنة والشيوخ حين سألهم الرب يسوع عن معمودية يوحنا من أين كانت من السماء أم من الناس يقول الإنجيل في (لو 20: 6) أنهم خافوا لو قالوا كانت معموديته من الناس فجميع الشعب يرجمونهم لأنهم واثقون أنه نبي ..
ويشرح القديس كيرلس الأورشليمي هذا، مقارنًا إياه بقديسين عظماء آخرين، قائلاً:
كان حقًا أعظم من كل الأنبياء، حتى من إيليا الذي اختطف إلى السماء، وحتى من أخنوخ الذي نقل، بل حتى موسي الذي أعطى الناموس، كلهم لم يكونوا أعظم من يوحنا كما أعلن الرب يسوع[5] ..
ثالثًا: القديس يوحنا المعمدان كان قديسًا ناسكًا
عاش حياة زهد وتجرُّد من شهوة المقتنيات:
هكذا قال عنه السيد المسيح أنه "جاء لا يأكل ولا يشرب" (مت 11: 18 ؛ لو 7: 33). وكان لباسه من وبر الإبل، ومنطقة من جلد، وكان طعامه جرادًا وعسلاً بريًا ... (مت 3: 4 ؛ مر 1: 6) ..
وقد علَّق القديس كيرلس الأورشليمي على هذا بقوله:
[ترون كم هو عظيم ذلك الإنسان الذي اختاره الله ليكون أول خادم لهذه النعمة. إنسان لا يملك شيئًا، محبٌ للبرية، ولكن لا يكره البشر. يأكل جرادًا بينما نفسه تحلِّق نحو السماء. يقتاب على العسل، وشفتاه تنطقان بأشياء أكثر حلاوة وفائدة من العسل. لباسه وبر إبل ويبدو بمظهر هو نموذج لحياة النسك. تقدَّس بالروح القدس وهو لم يزل في بطن أمه. إرميا تقدَّس (إر 1: 5)، لكنه لم يتنبأ وهو في البطن. أما يوحنا فارتكض بابتهاج (لو 1: 44). فرغم أنه لم ير بعيون الجسد، لكنه عرف سيده بالروح.][6]
ولم يكن قديسًا في الظاهر فقط، وإنما أيضًا سلك حياة بر واستقامة:
شهد السيد المسيح بذلك، إذ قال عنه موبِّخًا رؤساء الكهنة والشيوخ في الهيكل: "يوحنا جاءكم في طريق الحق فلم تؤمنوا به" (مت 21: 32) ؛ "هو شهد للحق" (يو 5: 33).
حتى أعداؤه كانوا يعلمون استقامته، لذلك كان هيرودس يخاف منه ولم يكن يريد أن يقتله.
علَّم تلاميذه الالتزام بالصوم والصلاة، كما يظهر من انتقاد الكتبة والفريسيين للسيد المسيح: أن تلاميذ يوحنا يصومون كثيرًا ويقدمون طلبات، وكذلك تلاميذ الفريسيين أيضًا، أما تلاميذه فيأكلون ويشربون، فكان رد السيد المسيح بأنهم لا يصومون لأن العريس معهم وحين يرفع عنهم حينئذ يصومون (لو 5: 33-35) .. إذًا كان يعلِّم تلاميذه أن ينفِّذوا وصايا الناموس.
ربما هذا جعل البعض يتشككون في السيد المسيح، لذلك حين كان يوحنا في السجن وسمع بأعمال المسيح والمعجزات التي يصنعها أراد لهم أن يتأكدوا بأنفسهم حتى لا يُعثروا، فأرسل إليه تلميذين يقولان: "أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟" .. يا له من سؤال غريب بعد شهادته وتحققه بنفسه من قبل أنه هو الآتي وهو ابن الله الذي من فوق! .. ولكنه كان يريد أن لا يشك تلاميذه ويعثروا حين يرون تصرفات يعتبرها الفريسيون مخالفة للتقليد من أكل وشرب فأرسلهم ليسمعوا منه هو ذاته .. لذلك قال السيد المسيح لتلميذي يوحنا: "اذهبا واخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران: العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يُطهَّرون، والصم يسمعون، والموتي يقومون، والمساكين يبشرون. وطوبى لمن لا يعثر فيَّ" (مت 11: 2-6).
وأيضًا كان زاهدًا في السلطة:
رغم علمه بأهمية رسالته لم يتطلع أن يكون هو المسيح، بل إنه أكد لمن سألوه "لست أنا المسيح"، ووجَّه أنظارهم إليه ووصفه بصفات الألوهة مشجعًا الجميع أن يذهبوا إليه .. كان كل اهتمامه هو تحقيق رسالته: تمهيد الطريق للمسيح لأنه هو الذي يرفع الخطايا، وإعداد الناس بالتوبة ..
يظهر عدم تطلعه لسلطة أو حب ظهور حين أخبره تلاميذه أن السيد المسيح الذي شهد له هو يعمد والجميع يأتون إليه (يو 3: 26) .. وأن الفريسيون أيضًا سمعوا أن يسوع يعمد تلاميذ أكثر من يوحنا – مع أن يسوع نفسه لم يكن يعمد بل تلاميذه (يو 4: 1، 2) ..
لم يهتم بكل هذا، بل قال لهم: "من له العروس فهو العريس، وأما صديق العريس الذي يقف ويسمعه، فيفرح فرحًا من أجل صوت العريس. إذًا فرحي هذا قد كمل" (يو 3: 29) .. لقد أدرك أن السيد المسيح هو العريس الذي له العروس كنيسته وكان راضيًا أن يكون صديق العريس الذي يقف ويسمع صوته ويفرح به، ويكمل بقوله: "ينبغي أن ذلك يزيد وأني أنا أنقص"(يو 3: 30) ... لم يتطلع أن يكون هو العريس محور الاهتمام، ولكنه يفرح لفرح العريس!!! والأكثر أن يقول ينبغي أن ذاك (العريس) يزيد وهو نفسه (يوحنا المعمدان العظيم الذي جاء برسالة عظيمة هي إعداد شعب كامل) هو نفسه ينبغي أن ينقص!!!
رابعًا: كان القديس يوحنا جريئًا في انتقاده للخطية والرياء
في قداسته كان يكره الشر ويحاربه بقوة:
ولأن رسالته كانت أن يُعدّ شعبًا مستعدًا للرب. لذلك بدأ بدعوتهم للتوبة: "توبوا، لأنه قد اقترب ملكوت السموات" (مت 3: 2؛ لو 3: 3) .. ثم في جرأة وبخ الرؤساء الدينيين الأقوياء .. وبخ الفريسيين والصدوقيين بشدة، قائلاً لهم: "فاصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة. ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم: لنا إبراهيم أبًا. لأني أقول لكم: أن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم. والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجرة، فكل شجرة لا تصنع ثمرًا جيدًا تقطع وتلقى في النار" (متى 3: 7-10) ..
كان شجاعًا في الحق معارضًا للخطية أينما وجدت:
لم يخش هيرودس ولكن في جرأة وبَّخه بسبب جميع الشرور التي كان يفعلها وبسبب أنه أخذ هيروديا امرأة فيلبس أخيه قائلاً له: "لا يحلّ أن تكون لك" (لو 3: 19؛ مت 14: 3، 4؛ مر 6: 17، 18) .. لم يستطع أن يصمت تجاه خطية كبيرة لإنسان حتى ولو في سلطة دينية أو سياسية، ولم يخش الموت. وبالفعل قتله هيرودس بإيعاز من هيروديا.
وفي شهادته عن نفسه حين أرسل له اليهود يسألونه، أولاً أقر أنه ليس المسيح (يو 1: 20) .. وأيضًا أنه ليس إيليا (يو 1: 21) ..
وهذا يوضح لنا بشارة الملاك لزكريا أبيه "أنه يتقدَّم أمامه (أمام المسيح) بروح إيليا وقوته" (لو 1: 17) وبهذا المعنى قال عنه السيد المسيح أنه إيليا المزمع أن يأتي (مت 11: 14) وأيضًا قول الرب في نبوة ملاخي : "هأنا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب العظيم والمخوف" (ملا 4: 5) .. ولما سأله تلاميذه لماذا يقول الكتبة أن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً، أجابهم "إن إيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء" ثم أضاف "إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه، بل عملوا به كل ما أرادوا" (مت 17: 10، 11) .. في كل هذه الآيات كان السيد المسيح يؤكد بشارة الملاك أن يوحنا يأتي بروح إيليا وقوته، وأن رسالته أن يرد كل شيء وهذا ما فعله يوحنا بمعمودية التوبة.
وكان يوحنا بالطبع من بين الذين خلَّصهم وحرَّرهم السيد المسيح حين نزل إلى الجحيم.
يقول في ذلك القديس كيرلس الأورشليمي:
[أصاب الفزع الموت حين رأى الزائر الذي نزل إلى الجحيم دون أن تكبِّله سلاسل ذلك المكان. فلماذا يا بوابو الجحيم ارتعبتم لرؤيته؟ أي خوف غير مألوف تملَّك عليكم. الموت هرب وهروبه كشف جُبنه. الأنبياء هرعوا إليه: موسى معطي الناموس، وإبراهيم وإسحق ويعقوب. داود أيضًا وصموئيل وإشعياء، ويوحنا المعمدان الذي شهد له .. كل الأبرار الذين كان الموت قد ابتلعهم تحرروا من الأسر، لأنه كان لابد أن الملك الذي بشروا به يصير مخلِّصًا لمبشريه النبلاء.][7]
(3)
شهادة يوحنا المعمدان عن السيدالمسيح وأهميتها
الواقع أن السيد المسيح لم يكن يحتاج إلى شهادة من بشر، كما قال بنفسه: "وأنا لا أقبل شهادة من إنسان، ولكني أقول هذا لتخلصوا أنتم" (يو 5: 34) .. لأن الآب نفسه شهد له أنه ابنه وأنه موضع مسرته، إذ جاء صوت من السماوات في عماده قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت" (متى3: 17، لو 3: 22) ومرة أخرى في التجلي شهد له وطالب الكل أن يسمعوا له، قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب. له اسمعوا" (مر 9: 7، لو 9: 35) ..
أما عن شهادة يوحنا ثم شهادة الآب له، فقال السيد المسيح: "الذي يشهد لي هو آخر، وأنا أعلم أن شهادته هي حق. أنتم أرسلتم إلى يوحنا فشهد للحق ... وأما أنا فلي شهادة أعظم من يوحنا ... الأعمال بعينها التي أنا أعملها هي تشهد لي أن الآب قد أرسلني. والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي" (يو 5: 32-37) ..
ولكن أهمية شهادة القديس يوحنا المعمدان ترجع إلى أنها إثبات لألوهية السيد المسيح، وتوضيح للغرض منها: "ليُظُهر لإسرائيل" (يو 1: 31) لكي يؤمنوا به. كانت هذه رسالته التي أرسله الله لأجلها كما يقول القديس يوحنا: "كان إنسان مرسل من الله اسمه يوحنا. هذا جاء للشهادة ليشهد للنور، لكي يؤمن الكل بواسطته. لم يكن هو النور، بل ليشهد للنور. كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم" (يو 1: 6-9) ..
فماذا كانت شهادة يوحنا المعمدان للسيد المسيح؟ خمس شهادات قوية شهد بها:
أولاً - شهد لأزلية السيد المسيح: قال أنه يأتي بعده لكنه كان قبله (يو 1: 15، 27، 30) ... حقيقى كان قبله لأنه من الأزل، خارج الزمن، لكنه في ملء الزمان حين شاء أن يحل بيننا جاء بعد يوحنا المعمدان بستة أشهر كما أعلن الملاك للعذراء مريم: "وهوذا أليصابات نسيبتك هي أيضًا حبلى بابن في شيخوختها، وهذا هو الشهر السادس لتلك المدعوَّة عاقرًا" (لو 1: 36).
ثانيًا - شهد أنه حمل الله الذي يرفع خطية العالم: قالها مرتين، الأولى: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم!" (يو 1: 29) .. ومرة ثانية حين كان يوحنا واقفًا مع اثنين من تلاميذه ونظر يسوع ماشيًا، فقال: "هوذا حمل الله!" (يو 1: 36) .. وبما أنه يرفع خطية العالم فهذه شهادة أنه هو الله لأن لا أحد من البشر يمكن أن يرفع أو يغفر خطية إنسان. الله وحده الذي يغفر الخطايا. وقد رأيناه يقول للمفلوج والمرأة الخاطئة وغيرهما: "مغفورة لك خطاياك" .. فبروح النبوة رآه القديس يوحنا المعمدان أنه هو الحمل الذي سيسفك دمه ليرفع خطايا البشر، الحمل الذي أشار إليه القديس بطرس بعد ذلك قائلاً: "بل بدم كريم، كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح" (1 بط 1: 19) .. هو الشاه التي تساق إلى الذبح التي أنبأ عنها إشعياء النبي (إش 53: 7) الخروف الذي ذُكر في (رؤ 5: 6) القائم كأنه مذبوح في وسط العرش والحيوانات الأربعة والشيوخ .. رأى القديس يوحنا كل هذا فشهد أنه "حمل الله الذي يرفع خطية العالم" .. وماذا أيضًا؟
ثالثًا - شهد صراحة أنه ابن الله، قال: "وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله" (يو 1: 34) .. ثم شهد أيضًا أنه من السماء لذا فهو فوق الجميع، ويختم بتعليم هام جدًا: "الآب يحب الابن وقد دفع كل شيء في يده. الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية، والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله" (يو 3: 35، 36) .. شهادة واضحة وصريحة أنه ليس أي ابن مثلما يدعى البشر أبناء الله، ولكنه الابن الذي أعطاه الآب كل شيء .. والذي ينبغي أن يؤمن الكل به .. والذي يؤمن به ينال الحياة الأبدية، ومن لا يؤمن به لن يرى حياة بل ينال غضب الله!!! ما هذا؟؟ إنها شهادة الرجل المفتوح العينين كما قيل عن بلعام (عد 24: 15) .. رأي كل شيء في السيد المسيح وشهد له شهادة حق ..
رابعًا – شهد المعمدان أيضًا لعظمة وقوة السيد المسيح: ورغم أن يوحنا كان عظيمًا أمام الرب حسب بشارة الملاك لأبيه (لو 1: 15)، إلا أنه قال عن ذاته أنه غير مستحق أن يحل سيور حذائه (يو 1: 27) .. وأنه أقوى منه لأنه سيعمد بالروح القدس ونار (لو 3: 16) .. ثم يشرح السبب الذي يدركه بالروح، أن: "الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع، والذي من الأرض هو أرضي، ومن الأرض يتكلم. الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع" (يو 3: 31) .. فرغم النبوات عن يوحنا المعمدان ورسالته السامية، لكنه في النهاية يعلم أنه من الأرض، أرضي، مخلوق، ويتكلم بالأرضيات!! فهو وإن كان نبيًا لكنه يتكلم بما يوحي له به الروح القدس الذي امتلأ به من بطن أمه .. أما المسيح فيشهد أنه الذي أتي من السماء، الذي نزل إلينا من عند الآب، فهو سماوي .. لذلك هو فوق الجميع، لأنه الكلمة ذاته، فلا يحتاج لوحي ليتكلم ..
خامسًا - شهد أيضًا أنه يعمِّد بالروح القدس: (يو 1: 31-33) بل يقول أنه لم يكن يعرفه .. بالطبع هو يعرفه كقريب له، لكن لم يكن يعرف أنه هو الذي جاء ليعد له الطريق .. لذلك جاءه إعلان إلهي، كما يقول: "الذي أرسلني لأعمد بالماء، ذاك قال لي: الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه، فهذا هو الذي يعمِّد بالروح القدس" ..هو إذًا لم يكن يعرف أنه هذا الشخص بالذات، قريبه، لذلك أُعطي له علامة .. ثم يؤكد أنه رأى بالفعل الروح نازلاً مثل حمامة واستقر عليه (يو 1: 32) .. فيقول: "وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله" (يو 1: 34) .. مؤكدًا أنه ابن الله الآتي من السماء، لأن أحدًا من الذين عمدهم لم ينزل عليه الروح القدس ويستقر، لذلك هو الوحيد الذي حدث معه ذلك وقد سبقه الإعلان .. ثم يذكر الغرض الذي من أجله أتي يعمد بالماء: "ليُظهر لإسرائيل لذلك جئت أعمِّد بالماء" (يو 1: 31) .. أي أن معموديته كانت لإظهار السيد المسيح حين يأتي إليه ويحدث الإعلان الإلهي من السماء بصوت الآب .. ويؤمن إسرائيل.
(4)
معمودية يوحنا ومعمودية السيد المسيح
معمودية العهد الجديد
معمودية يوحنا المعمدان
أولاً: كانت معمودية بالماء فقط، في الأردن، كما رأينا في (مر 1: 8؛ يو 1: 26؛ لو 3: 16) حيث يسجل القديس يوحنا المعمدان هذا الفارق الأول قائلاً: "أنا عمدتكم بالماء، وأما هو فسيعمدكم بالروح القدس" .. والمعمودية بالماء فقط تعطي تنقية خارجية رمز للتنقية الداخلية والاستعداد لتغيير الهدف والتوجه بالفكر إلى الله ..
ثانيًا: كان الغرض منها إعداد الطريق للرب وإظهاره للناس، ليعرفوه أنه ابن الله الأزلي الآتي من السماء لذا فهو فوق الجميع .. وأنه الأقوى من يوحنا .. وأنه يعمِّد معمودية مختلفة: "أنا أعمدكم بماء، ولكن يأتي من هو أقوى مني .. هو سيعمدكم بالروح القدس ونار" (لو 3: 16) .. فبينما كانت معمودية يوحنا بالماء، كان هنا شيء أكبر: النار ..
هذه العبارات تظهر ألوهية السيد المسيح، لأنه يكمل قائلاً: "الذي رفشه في يده، وسينقي بيدره، ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ" (مت 3: 11، 12) .. هذا يعني أنه صاحب البيدر .. هو الخالق لكل النفوس، وهو الذي يميز القمح من التبن، الخراف من الجداء، ويأتي بكل منها إلى الموضع الذي يستحقه .. سواء المخزن أي الملكوت، أو النار التي لا تطفأ ..
ثالثًا: كانت معمودية توبة لمغفرة الخطايا (لو 3: 3) .. لأنها كانت تُعد الشعب لطريق الرب، فتدعوهم للتوبة: "توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات" (مت 3: 2) .. كان يريدهم أن يتنقوا من الأفعال الشريرة وأيضًا أن يثمروا في أعمال البر. لذلك حين سأله الجموع ماذا نفعل؟ طلب منهم أن يعملوا أعمال رحمة .. والعشارين الذين جاءوا ليعتمدوا منه سألوه أيضًا ماذا نفعل، فطلب منهم أن لا يستوفوا أكثر مما فرض لهم .. والجنود أيضًا طلب منهم أن لا يظلموا أو يتهموا أحد باطلاً ويكتفوا بأجورهم (لو 3: 10-14) .. كان يريد لهم أن يسلكوا بالبر ..
ولأنها معمودية لمغفرة الخطايا، كان يلزم لها اعتراف، تنقية .. فخرج إليه أورشليم وكل اليهودية وجميع الكورة المحيطة بالأردن "واعتمدوا منه في الأردن، معترفين بخطاياهم" (مت 3: 5-6) ..
وماذا عن نزول السيد المسيح نفسه هذه المعمودية؟
هل كان في حاجة أن يعتمد معمودية التوبة هذه؟ بالطبع لا، لأن ليس فيه خطية تحتاج لتطهير ومغفرة، ولكنه نزل إلى المعمودية لأكثر من غرض:
الغرض الأول كان لتتميم كل ما يعتبر برًا .. فباعتباره الله الظاهر في الجسد كان يعلم رسالة يوحنا المعمدان وأن المعمودية هي الطريق إلى معرفة الخلاص وإظهاره لإسرائيل ليؤمنوا، لذلك سمح بها. يتضح هذا حين أراد يوحنا أن يمنعه قائلاً: "أنا محتاج أن اعتمد منك، وأنت تأتي إليَّ!" .. قال له الرب: "اسمح الآن، لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر" (مت 3: 14، 15) ..
الغرض الثاني كان لكي يعلِّمنا أن المعمودية تكمل كل بر للمؤمن ..
والغرض الثالث كان لتقديس مياه نهر الأردن كرمز للعبور للعهد الجديد كما كان في العهد القديم للعبور لأرض الموعد...
وهناك تأمل لطيف للقديس كيرلس الأورشليمي يربط فيه بين عماد السيد المسيح في الأردن ومزمور (114: 3-6) يقول: قبل ظهور الرب في الجسد البحر رأه فهرب، الآردن رجع إلى خلف ... لذلك أخذ لنفسه جسدًا لكي يحتمل البحر هذا المشهد، والأردن يستقبله دون خوف!!!
والغرض الرابع والأهم أن نزوله للمياه للعماد كان لتأسيس سر المعمودية واعتماد الماء كوسيلة للمعمودية بالتغطيس لمغفرة الخطايا..
هذا عن معمودية يوحنا المعمدان، فماذا عن معمودية السيد المسيح التي قال عنها المعمدان، معمودية العهد الجديد؟
معمودية السيد المسيح، معمودية العهد الجديد، وفاعليتها
معمودية العهد الجديد هي السر الذي أسسه السيد المسيح بقبوله معمودية يوحنا بالتغطيس في الأردن وننال نعمته في العهد الجديد كأول الأسرار الكنسية التي أسسها السيد المسيح ..
هذه المعمودية كما وصفها القديس يوحنا المعمدان أنها بالروح القدس ونار، وليست بالماء فقط كما كانت معمودية يوحنا أو الآخرين.
هي بالفعل بالروح القدس الذي يحل على مياه المعمودية فيحوِّلها إلى رحم يلد أبناء للمسيح وكنيسته .. فبصلوات تقديس المياه لا تعود مياه عادية وإنما تأخذ طبيعة جديدة بعمل الروح القدس فيها، ولذلك يتمم الكاهن صلوات أخرى لإعادة المياه لطبيعتها ليمكن تصريفها .. ونار الروح القدس الذي ظهر به في شكل ألسنة يوم الخمسين تحرق الخطية الجدية وكل الخطايا السابقة للمعمَّد ..
فماذا عن فاعلية هذه المعمودية ؟ بإيجاز شديد:
هي معمودية الخلاص .. كما قال السيد المسيح: "من آمن واعتمد خلص" (مر 16: 16)، هذا لأنها قائمة على دم المسيح .. وتعطي مغفرة للخطايا بدم المسيح ..
هي شرط لدخول الملكوت، بل حتى لرؤية الملكوت، لأنها من فوق وبالماء والروح كما قال السيد المسيح لنيقوديموس: "إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله" (يو 3: 3) .. "إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو 3: 5) ..
هي معمودية تمنح من يعتمد عطية الروح القدس وقوة منه .. "ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لي شهودًا ..." (أع 1: 8) .. لذلك يتبعها سر المسحة مباشرة .. هكذا قال القديس بطرس يوم الخمسين حين سألوه ماذا نفعل: "توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لمغفرة الخطايا لتنالوا عطية الروح القدس" (أع 2: 38) .. فالسران مرتبطان معًا .. هذه العطية تعطي قوة داخلية لمقاومة الخطية، لحياة بر، وقوة في الخدمة .. ولكن لا تعطي عصمة. فهي لا تلغي حرية الإرادة للمعمَّد ..
هي معمودية تكميل البر للمؤمن .. كما قال السيد المسيح ليوحنا المعمدان: "لأنه هكذا يليق بنا أن نكمِّل كل بر" (مت 3: 15) .. فمن جهة كانت لتتميم وتنفيذ وصية إلهية، إذ نعرف من كلمات يوحنا المعمدان في شهادته للسيد المسيح أن الله أرسله لإتمام هذه المعمودية: "الذي أرسلني لأعمِّد بالماء، ذاك قال لي: الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه، فهذا هو الذي يعمِّد بالروح القدس" (يو 1: 33) .. ومن جهة أخرى لتعليمنا أن تنفيذ الوصايا إتمام للبر. هكذا نحن حين نجتاز هذه المعمودية ننفذ الوصايا ونكمل البر، بدءًا من إعلان الإيمان ومغفرة الخطايا فنخرج منها أنقياء ولنا قوة تعيننا لنكمل مسيرة حياتنا في بر، باختيارنا.
هي معمودية على اسم الثالوث القدوس وإعلان الإيمان به .. كما قال السيد المسيح لتلاميذه قبل صعوده: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس ... " (مت 28: 19). وهذا رد على من ينكر أن الثالوث ذُكر في العهد الجديد. فهذا احد الأدلة ..
هي معمودية تعطي للمؤمن موت ودفن وقيامة مع المسيح .. وبالطبع لم تكن معمودية يوحنا فيها شيء من هذا لأن السيد المسيح لم يكن قد صُلب ومات وقام ليعطي فاعلية للمعمودية لأن كل الأسرار قائمة على فاعلية دم السيد المسيح .. لذلك كانت المعمودية التي يعمدها تلاميذ المسيح هي نفسها معمودية التوبة التي كان يتممها يوحنا، ولكنها كانت تعني اعتماد لطقس التغطيس بالماء للتوبة والمغفرة تمهيدًا لمعمودية السيد المسيح الخلاصية .. أما نحن فندفن معه بالمعمودية للموت .. على شبه موته، ونقوم معه .. ونؤمن أننا سنحيا أيضًا معه (رو 6: 3-8) .. فيها يُصلب إنساننا العتيق ... فيها نشترك في آلامه نتشبه فيها بموته (في 3: 10).
هنا نختم بتوضيح هام من القديس كيرلس الأورشليمي لهذه النقطة ربما يكون فيه الرد على من يعتقد أننا صلبنا مع المسيح ومتنا معه بالفعل .. يقول:
[ يا لغرابة الأمر الذي لا يصدق! نحن لم نمت حقيقة، ولم ندفن حقيقة. لم نصلب ونقوم ثانية ولكن مشابهتنا كانت مجازية، أما خلاصنا فحقيقة. المسيح صُلب بالفعل ودُفن بالفعل وقام ثانية حقًا. وكل هذه الأشياء وُهبت لنا مجانًا لكي إذ نشترك في آلامه مشابهة ننال الخلاص حقيقة ... يا لمحبته الفائقة! المسيح قبل المسامير في يديه وقدميه التي بلا دنس، أما بالنسبة لي فدون ألم أو تعب بشركة آلامه منحنا الخلاص مجانًا.] [8]
بركة وشفاعة هذا القديس العظيم يوحنا المعمدان تكون مع جميعنا
⸭
Comments
Post a Comment