خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

 

 

 

     

 

خميس العهد

عهد جديد بدم الحَمَل

 

 

 

دكتورة وداد عباس توفيق

 

2022م

 

 

 

 

اسم الكتاب  :   خميس العهد – عهد جديد بدم الحَمَل

إعداد         :   دكتورة وداد عباس توفيق

الطبعة       :   طبعة أولى الكترونية – 2022 ©


 


 

فهرس

Contents

مقدمة. 3

متى؟ ... 4

لفظ الفصح ... 4

أين؟ ... 4

التوقيت ... 4

ثانيًا – غسل أرجل التلاميذ. 6

(يو 13: 4 - 17) 6

غسل الأرجل يعلِّمنا به الرب درسيْن ... 6

ثالثًا – صنع الفصح. 7

لماذا صنع الفصح؟ ... 7

كيف صنع الفصح؟ ... 7

رابعًا – الإنباء عن خيانة يهوذا ومصيره. 8

نهاية يهوذا وتحقق النبوة 9

خامسًا – تأسيس السيد المسيح سر الإفخارستيا 10

هذا هو العهد الجديد بدمه ... 10

سادسًا – إنباء السيد المسيح بإنكار بطرس له ثلاث مرات.. 12

سابعًا – الحوار الوداعي مع التلاميذ. 14

ثامنًا - الصلاة في جثسيماني. 16

هل كان السيد المسيح محتاجًا أن يصلّي؟ ... 17

تاسعًا – قبلة يهوذا لتتميم الخيانة والقبض على السيد المسيح. 19

عاشرًا – المحاكمة. 21

قداس خميس العهد. 23

 


خميس العهد الجديد بدم الحَمَل
                                                                                                                                                          د. وداد عباس توفيق

أسبوع آلام مخلِّصنا هو أكثر أيام السنة روحانية وقداسة. نعيش فيه الأحداث التي رسمها ونفَّذها مخلِّصنا الصالح من أجل خلاص كل من يؤمن به .. تتابع الأحداث يومًا بيوم وساعة بساعة، نتبع فيها المخلِّص إلى أن نبلغ إلى ذروة الأحداث المؤلمة في جمعة الصلبوت نعيش فيها مع الرب الذي قبل الآلام والصلب بدلاً منا ولأجلنا، بقراءات وصلوات عميقة رتبتها الكنيسة، بطقوسٍ وألحان تلائم الحدث العظيم، وتأملات وتفاسير عديدة ترفعنا بها إلى عمق الروحانية. نردد كل ساعة صباحًا ومساءً تسبحة البصخة (ثوك تي تي جوم ...) نمجِّد فيها مخلِّصنا الصالح: (لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين عمانوئيل إلهنا وملكنا ..). تنتهي ساعات يوم الجمعة بالدفن، نغادر بعدها في حزنٍ ممزوج بالرجاء، في انتظار قيامته المجيدة منتصرًا على الموت والشيطان لتتبدل أحزاننا إلى أفراح لا تنتهي.

وسط هذه الأيام يوم يتميِّز بأحداثٍ عميقة، "يوم خميس العهد"، حيث تقع من بدايته أهم الأحداث على طريق الخلاص، وتنتهي بالمحاكمة من منتصف الليل حتى صباح الجمعة:

-         الإعداد للفصح ..
-         غسل أرجل التلاميذٍ ..

-         صنع الفصح ..

-         إعلان السيد المسيح عن خيانة يهوذا ومصيره ..

-         تأسيس السيد المسيح سر الإفخارستيا ..

-         إنباء السيد المسيح لبطرس بإنكاره له ثلاث مرات ..

-         الحوار الوداعى مع التلاميذ ..

-         الصلاة فى جثسيمانى ..

-         قبلة يهوذا لتتميم الخيانة والقبض علي السيد المسيح ..

-         المحاكمة ..


أولاً – الإعداد للفصح

(مت 26: 17) (مر 14: 12) (لو 22: 7، 8) (يو 13: 1)

متى؟ ...

قبل الفصح بيومين، في أول أيام الفطير، الذي كان ينبغي أن يُذبح فيه الفصح في المساء. هذا اليوم هو 14 من نيسان الذى كان فيه اليهود يكفون عن الشغل ويُخرجون كل مختمِر من البيوت (خر 12: 15- 17) . ثم بين العشائين (العصر والغروب) (لا 23: 5) يذبحون خروف الفصح. وكان هذا اليوم الرابع عشر الذي تتم فيه الاستعدادات يُدعى (اليوم الأول للفطير). وهو العيد العظيم عند اليهود حسب أمر الرب لهم بعمله (خر 12) .. كان العيد سبعة أيام يبدأ من مساء اليوم الرابع عشر من نيسان فيحسب اليوم الخامس عشر، وينتهي في الواحد والعشرين منه (لا 23: 6) وخلال هذه الفترة لا يأكلون سوى الفطير (خر 12: 15).

لفظ الفصح ...

يعني "العبور" إشارة إلى عبور الملاك المُهلك عن بني إسرائيل عند قتل أبكار المصريين بشرط أن يضعوا الدم على الأبواب على العتبة والقائمتين، وكان هذا رمز للصليب المقدَّس الذي به، بدم المسيح المسفوك عليه يخلص شعب الله من الهلاك وينالوا الخلاص.

أين؟ ...

في علية كبيرة مفروشة معدَّة. فقد أرسل اثنين من تلاميذه، بطرس ويوحنا حسب رواية القديس لوقا (لو 22: 8). وكان السيد المسيح قد حدَّد كيف سيتم الإعداد: أنهما سيقابلان إنسان حامل جرة ماء، فيتبعاه إلى أن يصلا إلى البيت فيطلبا من رب البيت مكان يصنع فيه المعلِّم الفصح وسوف يريهما العلية ويتم بالفعل عمل الفصح فيها. وبحسب التقليد كانت العُليِّة في بيت مريم أم مارمرقس الرسول، وأنه هو الشاب حامل جرة الماء.

التوقيت ...

لماذا يوم الخميس بعد ثلاث سنوات من خدمته؟ ...

تتميمًا للنبوات .. كما قال هو ذاته لرؤساء الكهنة وقواد جند الهيكل والشيوخ ساعة القبض عليه: "كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصيّ! إذ كنت معكم كل يوم في الهيكل لم تمدّوا عليَّ الأيادي" (لو 22: 52، 53)، وفي (مت 26: 55، 56) "كل يوم كنت أجلس معكم أعلِّم في الهيكل ولم تمسكوني. وأما هذا كله فقد كان لكي تكمُل كتب الأنبياء"  .. وكما قال بوضوح حين كان يعلِّم في الهيكل وقرأ من سفر إشعياء: "روح الرب عليّ لأنه مسحني ..." وقال تعليقًا على هذه النبوة: "إنه اليوم قد تمَّ هذا المكتوب في مسامعكم" (لو 4: 16 – 21) أي تمت النبوات بشأنه ..

أيضًا لم تكن الساعة المحددة في الخطة الإلهية قد أتت بعد .. الساعة التي كان يعلمها تمامًا السيد المسيح "وهو عالم أنه ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب ..." (يو 13) .. وكما قال أيضًا لفيلبس وأندراوس: "قد أتت الساعة ليتمجَّد ابن الإنسان" (يو 12: 22، 23). وأيضًا بعد صلاته في جثسيماني، إذ وجد التلاميذ نائمين، قال لهم: "قد أتت الساعة!ّ هوذا ابن الإنسان يسلَّم إلى أيدي الخطاة. قوموا لنذهب! هوذا الذي يسلِّمني قد اقترب!" (مر 14: 41، 42؛ مت 26: 46) .. كان كل شيء بترتيب كما أنبأ من قبل في الكتب بالوحي الإلهي.

أيضًا التوقيت في عيد الفصح .. لكي يحلّ الفصح الجديد محل القديم، فينتهي الرمز بمجئ المرموز إليه، كقول القديس بولس: "لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذُبح لأجلنا" (1كو 5: 7).

وكان لابد خلال ثلاث سنوات أن يختار التلاميذ ويسلِّمهم الإيمان ويُعدَّهم قبل أن يترككهم .. وأن يعطيهم الوعود التي تنتظرهم .. كما كان لابد أن يتمم العمل لأجل الخلاص الذي سيصنعه، يمهِّد القلوب والعقول بدءًا من الميلاد؛ المجيء إلى مصر والعودة منها؛ سكنه في الناصرة؛ يوحنا المعمدان الذي يعد له الطريق؛ النمو في الحكمة والقامة أمام عيونهم ليتأكدوا إنه إنسان مثلهم؛ التجربة لكي يعلمنا الانتصار؛ دخوله المجمع وتعليمه كل سبت إلى أن وصل لنبوة إشعياء وأشار صراحة "إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم" (لو 4: 16-21) .. كان كل شيء يسير في طريق تحقيق النبوات .. وأيضًا ما صنعه من معجزات شفاء أمراض، إخراج شياطين، مغفرة للتائبين، دعوة للجميع .. ثم أن يعرِّفهم بنفسه لكي يثبتوا فيه، فقال لهم بوضوح أنه الخبز النازل من السماء وتحدَّث عن فاعلية هذا الخبز، وعن ملكوت السموات، وعلامات الدهر، ومصير الأبرار والأشرار ..

  

سبق ذلك أن رؤساء الكهنة والكتبة كانوا يطلبون كيف يقتلون الرب يسوع. فدخل الشيطان في يهوذا فتآمر معهم ليسلِّمه لهم مقابل فضة فوعدهم وكان يطلب فرصة أن يسلِّمه لهم (لو 22: 1 – 6). ثم في جرأة ذهب إلى العشاء! وتقدم مع باقي الاثني عشر ليغسل الرب رجليه وقلبه غير نقي!

وبالفعل قام السيد عن العشاء وغسل أرجلهم ومسحها بالمنشفة التي كان مئتزرًا بها.

غسل الأرجل يعلِّمنا به الرب درسان ...

الدرس الأول الاغتسال يعني التطهير وهو شرط ليكون لنا نصيب مع السيد المسيح، كما قال لبطرس حين رفض أن يغسل له رجليه. فكان كلام الرب له: "إن كنت لا أغسلك فليس لك معي نصيب" (يو 13: 8) .. والتطهير يبدأ بالمعمودية حيث نغتسل من الخطية الموروثة .. ثم نحتاج إلى غسل أرجلنا، إشارة إلى التعامل مع العالم، أي سلوكنا في الحياة .. فنحتاج إلى أن نتطهَّر ونتنقَّي بالتوبة. لهذا قال لبطرس: "الذي قد اغتسل (المعمودية) ليس له حاجة إلا إلى غسل رجليه (التطهير بالتوبة)، بل هو طاهر كله" (يو 13: 10). وكل ذلك قبل العشاء الرباني والتقدم للتناول من السر. لهذا تمَّم السيد المسيح غسل الأرجل قبل تأسيس السر .. وأشار أيضًا أول مرة إلى خيانة يهوذا بقوله: "وأنتم طاهرون ولكن ليس كلكم" لأنه عرفه من سيسلِّمه (يو 13: 10، 11) ..

والدرس الثاني مباشر، وهو التواضع وأخْذ الرب كمثال في غسل الأرجل، تواضع الكبير للصغير: "فإن كنت وأنا السيد والمعلِّم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض، لأني أعطيتكم مثالاً، حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا" (يو 13: 13-15) ..


بعد الإعداد وغسل الأرجل اتكأ السيد المسيح مع تلاميذه ليصنعوا الفصح ..

لماذا صنع الفصح؟ ...

لكي يتمِّم كل بر الناموس .. كما فعل حين اعتمد من القديس يوحنا المعمدان الذي لم يكن يريد، ولكن الرب قال له "اسمح الآن، لأنه هكذا يليق بنا أن نكمِّل كل بر" (مت 3: 15). وكما قال بعد ذلك: "لا تظِّنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمِّل ... إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (مت 5: 17، 18). هذا لأنه هو الواضع الناموس، والناموس جاء ليتكلَّم عنه ويشير إليه ..

وأيضًا لكي لا يحرمهم من فرحة العيد وهو معهم .. رغم ما كان يعلمه أنه مقبل على خيانة وآلام! هذا لأنه يحبهم محبة أبدية، كما قال القديس يوحنا: "أما يسوع قبل عيد الفصح، وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى ..." (يو 13: 1). بل قال لهم بشكل مباشر: "شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم، لأني أقول لكم: إني لا آكل منه بعد حتى يكمل في ملكوت الله" (لو 22: 14-16) .. هكذا قام وغسل أرجلهم واحتفل بالفصح معهم ..

كيف صنع الفصح؟ ...

كان الفصح القديم يصنعونه وهم وقوف، أحقاؤهم مشدودة، وأحذيتهم في أرجلهم، وعِصيُّهم في أيديهم، ويأكلونه بعجلة (خر 12: 11) .. أما الفصح الجديد فأكلوه وهم متكئون! هكذا كان الرب ينقلهم من الفصح القديم الذي كانوا يأكلونه في عجلة لأن الملاك المهلك كان سيجتاز في نفس الليلة، فلكي ينجوا، أما الفصح الجديد فالمخلِّص ذاته معهم ينقلهم إلى حالة جديدة سماوية في مجد بوجودهم معه، حالة تليق بالعهد الجديد الذي سيمنحه لهم .. وفي حوار محبة وتعزية ووصايا هامة ..

  

يهوذا الخائن يمضي إلى رؤساء الكهنة ليسلِّمه إليهم مقابل ثلاثين من الفضة ويطلب فرصة لكي يسلِّمه  .. (مت 26: 14 – 16؛ مر 14: 10، 11) بذلك تتمّ النبوة والثلاثين من الفضة هي قيمة العبد في العهد القديم (خر 21: 32) .. والنبوة الواضحة في (زك 11: 12، 13) "فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة. فقال لي الرب: ألقها إلى الفخاري، الثمن الكريم الذي ثمَّنوني به" ..

أنبأ السيد المسيح التلاميذ عن خيانة يهوذا بوضوح وعن مصيره، في تحذير متكرِّر له ...

(مت 26: 21 – 25): "إن واحدًا منكم يسلِّمني .. الذي يغمس يده معي في الصحفة هو يسلِّمني! إن ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوبٌ عنه، ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يُسلَّم ابن الإنسان. كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد! فأجاب يهوذا مسلِّمه وقال: ’هل أنا هو يا سيدي؟‘ قال له: ’أنت قلت‘".

(مر 14: 18 – 21): "إن واحدًا منك يسلِّمنى. الآكل معي! .. هو واحد من الاثني عشر، الذي يغمس معي في الصحفة. إن ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوبٌ عنه، ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلَّم ابن الإنسان. كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد".

(لو 22: 21، 22): "هوذا يد الذي يسلِّمني هي معي على المائدة. وابن الإنسان ماضٍ كما هو محتومٌ، ولكن ويل لذلك الإنسان الذي يسلِّمه!".

(يو 13: 21): "إن واحدًا منكم سيسلِّمني! .. هو ذاك الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه! فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الإسخريوطي".

هكذا بعد أن أخذ اللقمة دخله الشيطان (يو 13: 27) .. هذه المرة الثانية .. المرة الأولى أوحي له بأفكار فمضى إلى رؤساء الكهنة وتآمر معهم وعاد ليجد فرصة ليسلِّمه .. والمرة الثانية استحوذ عليه الشيطان كلية فنفَّذ الخطة الخسيسة بمجرد أن أخذ اللقمة فمضى سريعًا للتنفيذ رغم كل تحذيرات الرب ..

هل تناول يهوذا الجسد والدم؟ ...

الراجح أنه لم يتناول السر، رغم أن بعض القديسين يؤيدون أنه تناول معهم السر، اعتمادًا على عبارة القديس لوقا أنه قال: "ولكن هوذا يد الذي يسلِّمني هي معي على المائدة ..." (لو 22: 17-21) .. ولكن ما قاله القديس متى والقديس مرقس أن يهوذا كان يغمس الصحفة مع السيد المسيح، وهذا لا ينطبق على سر الإفخارستيا ..  بل إن عبارة القديس لوقا أن يد يهوذا مع الرب على المائدة، هذا أيضًا لا ينطبق على سر الجسد والدم. لكن في ترتيب الأحداث عند القديس لوقا وضع هذا القول بعد تأسيس سر الإفخارستيا وهذا ما جعل البعض يقول بأن يهوذا تناول من السر ..

نهاية يهوذا وتحقق النبوة ...

"لتكن أيامه قليلة ووظيفته ليأخذها آخر ..." (مز 109: 8). وقد ذكرها القديس بطرس الرسول في حديثه للتلاميذ المئة والعشرين وأوضح نهايته، بقوله: "كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود، عن يهوذا الذي صار دليلاً للذين قبضوا على يسوع، إذ كان معدودًا بيننا وصار له نصيب في هذه الخدمة. ويقول القديس متى أن يهوذا ندم حين رأي أن السيد المسيح قد دين، ورد الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلاً قد أخطأت إذ سلَّمت دمًا بريئًا .. ولكنهم رفضوا فطرح الفضة في الهيكل وانصرف  ومضى وخنق نفسه (مت 27: 3-5) .. وفي سفر الأعمال يقول القديس لوقا عنه: "إن هذا اقتنى حقلاً من أجرة الظلم، وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط، فانسكبت أحشاؤه كلها .. لأنه مكتوب في سفر المزامير: لتصر داره خرابًا ولا يكن فيها ساكن. وليأخذ وظيفته آخر" (أع 1: 16-20) .. وهذا ما حذَّره منه السيد المسيح حين قال له: "ويل لذلك الرجل الذي به يسلَّم ابن الإنسان. كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد!" (مت 26: 24) ..

 

(مت 26: 26 – 28) (مر 14: 22 – 24) (لو 22: 14 – 20) (يو 6: 25 – 58)

بعد صُنع الفصح القديم صنع الرب يسوع المسيح العشاء الرباني الذي فيه سلَّمهم جسده ودمه المقدسين تأسيسًا لهذا السر بحضوره الفعلي ..

(مت 26: 26-28): "وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز، وبارك وكسَّر وأعطى التلاميذ وقال: ’خذوا كلوا. هذا هو جسدي‘. وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: ’اشربوا منها كلكم، لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا‘"..

(مر 14: 22-24): "خذوا كلوا، هذا هو جسدي .. هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، الذي يُسفك من أجل كثيرين"  ..

(لو 22: 19، 20): "وأخذ الخبز وشكر وكسَّر وأعطاهم قائلاً: ’هذا هو جسدي الذي يُبذل عنكم. اصنعوا هذا لذكري‘. وكذلك الكأس أيضًا بعد العشاء قائلاً: ’هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يُسفك عنكم‘" ..

(يو 6: 53-58): في الإنجيل بحسب القديس يوحنا يورد كلمات السيد المسيح عن الخبز الحي النازل من السماء، وأنه قال ذلك في المجمع وهو يعلِّم في كفرناحوم: "والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم ... من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير، لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق. من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه ..." ..

(1 كو 11: 23-25): يروي القديس بولس الرسول ما تسلَّمه من الرب ذاته: "إن الرب يسوع في الليلة التي أُسلِم فيها، أخذ خبزًا وشكر فكسًّر، وقال: ’خذوا كلوا هذا هو جسدي المكسور لأجلكم ...‘ كذلك الكأس أيضًا بعما تعشّوا، قائلاً: هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي...‘" ..     

هذا هو العهد الجديد بدمه ...

يعلن لهم السر صراحة:

-         أنه الخبز الحي النازل من السماء.

-         من يأكله يحيا به إلى الأبد، ليس كالمن الذي أكله آباؤهم وماتوا.

-         هذا الخبز هو جسده الذي يبذله من أجل حياة العالم.

-         والكأس هو دمه الذي يُسفك عنا، ليكون هو العهد الجديد بالدم لمغفرة الخطايا.

-         من يأكل الجسد ويشرب الدم ينال حياة أبدية وقيامة في اليوم الأخير وثبات فيه.

-         جسده مأكل حق ... جسد حقيقي، ودمه مشرب حق ... دم حقيقي ... وليس رمز أو مثال ... حتى أن من لا يأكل منه ليس له حياة فيه.

 

كما أنبأ الرب عن خيانة يهوذا أنبأ أيضًا عن إنكار بطرس له ثلاث مرات .. حين قال لهم أنهم كلهم يشكون فيه في تلك الليلة، ولكن بطرس الرسول أكَّد أنه لو شك فيه الجميع فهو لن يشك أبدًا، حينئذ أخبره أنه سينكره ثلاث مرات قبل أن يصيح الديك في تلك الليلة، وكأنه يعلِّمه عدم الاندفاع في الرد (مت 26: 31 – 35 ؛ مر 14: 27 – 31 ؛ لو 22: 31 - 34) ..

وأيضًا في الإنجيل بحسب القديس يوحنا، حين قال بطرس للرب: "إني أضع نفسي عنك!" عندئذ قال له الرب: "أتضَع نفسك عنّي؟ الحق الحق أقول لك: لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرات" (يو 13: 37، 38) ..

وقد تم ذلك بالفعل، فقد أنكر القديس بطرس أنه يعرفه أمام جاريتين ثم أمام آخرين، وبعدها صاح الديك. حينئذ تذكَّر كلام الرب فخرج خارجًا وبكى بكاءً مرًا (مت 26: 69 – 75 ؛ مر 14: 66 – 72 ؛ لو 22: 54 – 62 ؛ يو 18: 16 – 27) ..

وأيضًا أشار الرب إلى نهاية بطرس .. حين قال له: "لا تقدر الآن أن تتبعني، ولكنك ستتبعني أخيرًا" (يو 13: 36) ..

وفي نفس المناسبة أيضًا أعلن لهم قيامته .. ليطمأنهم أنه رغم أن كلهم سيشكون فيه لكنه بعد فيامته سيسبقهم إلى الجليل! (مت 26: 31، 32؛ مر 14: 27، 28) ..

وأيضًا حديث السيد المسيح للتلاميذ عن الاتضاع .. إذ ورد في الإنجيل بحسب القديس لوقا أنه حدثت مشاجرة بين التلاميذ من منهم أكبر .. فأعطاهم درسًا أن هذا من أمور العالم التي يجب أن يرتفعوا عنها، قائلاً: "ملوك الأمم يسودونهم، والمتسلطون عليهم يدعون محسنين. وأما أنتم فليس هكذا، بل الكبير فيكم ليكن كالأصغر، والمتقدم كالخادم. لأن من هو أكبر: الذي يتكئ أم الذي يخدم؟ أليس الذي يتكئ؟ ولكني أنا بينكم كالذي يخدم" (لو 22: 24-27).

ورغم ذلك يعدهم وعدًا كبيرًا .. "وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتًا، لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي، وتجلسوا على كراسي تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر" (لو 22: 29، 30) .. بالطبع ليس الملكوت أكلاً وشربًا وإنما هو دليل على الامتياز والسلطان .. وأيضًا إدانة الأسباط ليس بمعنى الحكم لأن الدينونة لله وحده، وإنما هم بإيمانهم وسلوكهم البار يكونون سبب تبكيت لإسرائيل لجحودهم وإثمهم ..  

ثم حديث الرب عن الكيس والمزود والسيف وفهمهم الخاطئ له .. "الآن من له كيس فليأخذه ومزود كذلك. ومن ليس له فليبع ثوبه ويشتر سيفًا" (لو 22: 35) .. الكيس والمزود يعنيان الاستعداد والجهاد الروحي .. والسيف هو سيف الإيمان .. والسيفان هما كلمة الله في العهد القديم والعهد الجديد ..

 
سابعًا – الحوار الوداعي مع التلاميذ

بعد هذه الأحداث تكلَّم معهم السيد المسيح في حوار وداعي يطمئنهم ويوصيهم ويعدهم بإرسال الروح القدس. يرد هذا الحوار بالتفصيل في (يو 13 – 16) ..

† الإعلان عن محبة الرب لخاصته الذين في العالم "أحبهم إلى المنتهى" (يو 13: 1) .. وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب ..

† وصية المحبة: "وصية جديدة أنا أعطيكم. أن تحبوا بعضكم بعضًا. كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضًا بعضكم بعضًا. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي: إن كان لكم حب بعضًا لبعض" (يو 13: 34، 35)؛ "بهذا أوصيكم حتى تحبوا بعضكم بعضًا" (يو 15: 17) ..

    ثم يبدأ الحديث بعبارة "لا تضطرب قلوبكم ..." (يو 14: 1) لطمأنة التلاميذ ..

 أنه ماضٍ ليعد لهم مكانً ثم يأتي ليأخذهم ليكونوا حيث يكون هو (يو 14: 2، 3) ..

    ثم التصريح أنه الطريق الوحيد للآب: "أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي" (يو 14: 6) ..

    إعلان لاهوته وأنه واحدٌ مع الآب، ردًا على قول فيلبس الرسول أن يريهم الآب وكفى: "الذي رآني فقد رأى الآب ... أني في الآب والآب فيَّ" (يو 14: 9، 10) .. وأيضًا قدرته الإلهية الظاهرة في الأعمال التي عملها: "الآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال. صدقوني أني في الآب والآب فيَّ، وإلاّ فصدقوني لسبب الأعمال نفسها"، ثم يصرِّح: "ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله ليتمجد الآب بالابن. إن سألتم شيئًا باسمي فإني أفعله" (يو 14: 11-14) ..

† التعليم بأن الدليل على المحبة له هو حفظ وصاياه (يو 14: 15) ... وأنه بحفظ هذا الوصايا نثبت في محبته: "إن حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي" وهو يريد من ذلك: "لكي يثبت فرحي فيكم ويكمَل فرحكم" (يو 15: 10، 11) ..

    أنه الكرمة ونحن الأغصان، لابد أن نثبت فيه ونكون مثمرين وإلاّ فإننا نقطع مثل الغصن الذي يأتي بثمر. أما الذي يثمر ولو كان ثمر ضعيف فإنه ينقيه ليأتي بثمر أكثر. وأن الغصن لا يأتي بثمر من ذاته ولكن بالثبات فيه (يو 15: 1-6) ..

 الوعد بإرسال الروح القدس المعزِّي روح الحق الذي يمكث معهم ويكون فيهم (يو 14: 16، 17) .. وأنه من عند الآب ينبثق  ويرسله هو وأنه يشهد له (يو 15: 26) ..

       توضيح لعمل الروح القدس المعزّي: يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة: "أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون به، وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضًا، وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين" (يو 16: 8-11) .. وأيضًا أنه روح الحق الذي يرشد إلى جميع الحق، ويمجد السيد المسيح (يو 16: 13) .. هو الذي يعلِّمهم لأن هناك أمور كثيرة يريد أن يقولها لهم ولكنهم لا يستطيعوا أن يحتملوا الآن (يو 16: 12) ..

    السلام الذي يعطيه مختلف عن السلام الذي يعطيه العالم (يو 14: 27) ..

 الوصية بالثبات فيه "الذي يثبت فيَّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير، لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 15: 5) ..

 الوصية بأن يحبوا بعضهم بعضًا كما أحبهم هو (يو 15: 12، 17) ..

 توقع الاضطهادات من أجل اسمه (يو 15: 18 – 25) إلى درجة أن من يقتلهم يظن أنه يقدِّم خدمة لله (يو 16: 1، 2) ... لقد أخبرهم بهذا لكي لا يعثروا حين يحدث .. ثم يطمأنهم: "قد كلَّمتكم بهذا ليكون لكم فيَّ سلام. في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا: أنا قد غلبت العالم" (يو 16: 33) .. ويقول صراحة أننا لسنا من العالم لهذا يبغضنا العالم، لأننا لو كنا من العالم لكان العالم يحبنا كخاصته (يو 15: 19) ..

    أن العالم بلا عذر في خطيته، لأنهم سمعوا كلمته ورأوا أعماله (يو 15: 22-24) ..

  حزنهم سيتحوّل إلى فرح لا ينزع منهم حين يرونه ثانية، وهذا إشارة إلى قيامته وظهوره لهم بعد القيامة .. وينالوا كل ما طلبوا من الآب باسمه (يو 16: 20 – 24) ..


كلمة "جثسيماني" آرامية تعني معصرة الزيوت، وهي مكان في أورشليم عند سفح جبل الزيتون فيه أشجار زيتون ومعصرة. وكان السيد المسيح يذهب إليه طلبًا للخلوة والراحة. ربما اختيار المكان أيضًا كان تحقيقًا للنبوة أنه اجتاز المعصرة وحده كما ورد في النبوءة: "من ذا الآتي من أدوم، بثياب حُمر من بُصرة؟ هذا البهي بملابسه، المتعظِّم بكثرة قوته. "أنا المتكلِّم بالبر، العظيم للخلاص" .. ما بال لباسك محمَّر، وثيابك كدائس المعصرة؟ قد دُست المعصرة وحدي، ومن الشعوب لم يكن معي أحد" (إش 63: 1- 3) ..

الصلاة في تلك الضيعة ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا ابني زبدي .. صلاته بحزن كما قال لهم: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت" (مت 26: 36 – 46؛ مر 14: 32 – 42) .. ولكن لماذا هؤلاء الثلاثة فقط؟ هذا لأنهم هم الذين رأوا مجد التجلِّي وإقامة ابنة يايرس، فحين يرون حزنه وطلبته أن تعبر عنه هذه الكأس لا يتشككون ويضعفون بل يتذكروا مجده ..

-         يورد القديس يوحنا صلاة السيد المسيح للآب بعبارات قوية على السان الرب توضِّح أزليته: "أنا مجَّدتك على الأرض ... والآن مجِّدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يو 17: 4، 5) ..

-         ثم صلاته من أجل التلاميذ .. "من أجلهم أنا أسأل ... احفظهم في اسمك الذين أعطيتني، ليكونوا واحدًا كما نحن ... ليكون لهم فرحي كاملاً فيهم ... لآن تحفظهم من الشرير ... قدِّسهم في حقك ..." (يو 17: 9 – 18) ..

-         ثم صلاته من أجل كل المؤمنين .. "ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط، بل أيضًا من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم، ليكون الجميع واحدًا، كما أنك أنت إيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا ... ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد ... أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا، لينظروا مجدي الذين أعطيتني، لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم .. ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم" (يو 17: 20 – 26) ..

-         عبارة "يا أبتاه إن شئت أن تجيز عني هذه الكأس، ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك" (لو 22: 42) (مر 14: 35، 36) (مت 26: 39) .. هذه العبارة لا تعني أنه كان يريد أن لا يجتاز الآلام أو أنه كان يخشى الألم، فقد تجسَّد لهذا الغرض، ولكن ليعبِّر عن تسليم إرادته للآب بدلاً من البشرية التي عصت قديمًا .. أيضًا إرادته هي نفس إراد الآب، وقد أتي بإرادته إلى الصلب من أجل محبته للبشر .. ذهب إلى المكان الذي يعرفه يهوذا ويمكن أن يجده فيه، ولم ينتظر حتى يأتوا إلى العلية للقبض عليه ... فقد سبق وقال: "لهذا يحبني الآب، لأني أضع نفسي لآخذها أيضًا. ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطانٌ أن آخذها أيضًا" (يو 10: 17، 18) ..

-         ويصف القديس لوقا صلاته .. أنها كانت بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض (لو 22: 44) ويذكر أيضًا أن ملاكًا من السماء ظهر له يقويه (لو 22: 43) ..

هل كان السيد المسيح محتاجًا أن يصلّي؟ ...

بالتأكيد لا. صلاة الرب يسوع كانت من أجلنا .. من أجل خطايانا التي حملها في جسده. صلَّى بلساننا .. جاثيًا على ركبتيه وأيضًا صلاة بحزن، كما صرح لتلاميذه الثلاثة قائلاً: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت" (مت 26: 38؛ مر 14: 34) .. حزنه كان من أجل تلميذه الذي خان، ومن أجل البشرية الساقطة والعقاب الذي كنا نستحقه والذي جعله يتجسد برحمته ويتألم لكي ينقذنا من العقوبة ويخلِّصنا .. وكانت أيضًا لتعليمنا أن نصلي في الضيقات بلجاجة وأن الله سيرسل لنا معونة سمائية (الملاك الذي يقويه) .. فحين وجد التلاميذ نيامًا من الحزن قال لهم: "لماذا أنتم نيام؟ قوموا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة" (لو 22: 46) .. وكان قد سبق وقال لهم عن أهمية السهر والصلاة: "فاحترزوا لأنفسكم لئلا تثقل قلوبكم في خمار وسكر وهموم الحياة، فيصادفكم ذلك اليوم بغتة .. اسهروا إذًا وتضرعوا في كل حين، لكي تحسبوا أهلاً للنجاة من جميع هذا المزمع أن يكون وتقفوا قدام ابن الإنسان" (لو 21: 34-36) .. وفي الإنجيل بحسب القديس متى والقديس مرقس (مر 14: 37؛ مت 26: 40) أنه حين وجدهم نيامًا وجَّه كلامه إلى بطرس الرسول قائلاً: "يا سمعان، أنت نائم! أما قدرت أن تسهر ساعة واحدة؟" .. ربما لأن بطرس الرسول هو الأكثر اندفاعًا في الكلام ويبدي استعداده للبذل من أجل السيد المسيح، فبهذا ينبهه إلى ضعفه وأنه حتى لم يستطع أن يسهر ساعة واحدة، فكيف بالتجارب والألم ..

هل كان السيد المسيح محتاجًا إلى ملاك يقويه؟ ...

بالتأكيد لا. فعند القبض عليه حين ضرب واحد من الذين معه عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه أن السيد المسيح قال له: "رد سيفك إلى مكانه ...... أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدِّم لي أكثر من اثني عشر جيشًا من الملائكة؟ فكيف تكمل الكتب: أنه هكذا ينبغي أن يكون" (مت 26: 52-54) .. أيضًا بعد التجربة وبعد أن تركه إبليس "وإذا ملائكة قد جاءت فصارت تخدمه" (مت 4: 11) .. وهذا طبيعي، لأنهم ملائكته كما قال بعد أن فسَّر مثل القمح والزوان لتلاميذه: "هكذا يكون في انقضاء هذا العالم: يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم" (مت 13: 40، 41) .. وقد ذكر هذا ثانية عند الحديث عن علامات المجيء الثاني، قائلاً: "ويبصرون ابن الإنسان آتيًا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير. فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت، فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح، من أقصاء المساوات إلى أقصائها" (مت 24: 30، 31؛ مر 13: 26، 27) .. وفي (مت 16: 27) يقول: فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله" ... إنهم الملائكة الذين رافقوه منذ ولادته، وهم الجند السماوي الذين ظهروا مع الملاك الذي بشَّر الرعاة بميلاد المخلِّص وسبحوا قائلين: "المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة" (لو 2: 8-14) ..


كما قال لهم "هوذا الذي يسلِّمني قد اقترب!" (مت 26: 46) .. خرج وهو عالم بكل ما يأتي عليه (يو 18: 4) .. "أما يسوع قبل عيد الفصح، وهو عالم أن ساعته قد جاءت لكي ينتقل من هذا العالم إلى الآب" (يو 13: 1) .. ففيما هو يتكلَّم جاء يهوذا ومعه جمع كثير بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب!! وتقدم له وقبَّله، وكانت القبلة هي علامة التسليم!! (مت 26: 47-50؛ مر 14: 43-46؛ لو 22: 47-54؛ يو 18: 2-8) ..

وهنا عدة ملاحظات:

-         كلمات الرب يسوع للخائن كانت بوداعة وعتاب: "يا صاحب، لماذا جئت؟" (مت 26: 50) .. "يا يهوذا، أبقبلة تسلِّم ابن الإنسان؟" (لو 22: 48) .. هذا بعد أن نبهه على العشاء وحذَّره من مصيره نتيجة ما كان ينوي أن يفعله (مت 26: 21-25؛ مر 14: 18-21؛ لو 22: 21، 22؛ يو 13: 21) ..

-         رد فعل الرب على التلميذ الذي استل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه (ورد في (يو 18: 10) أن ذلك التلميذ هو سمعان بطرس) كان درسًا له: "رُد سيفك إلى مكانه، لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون!" (مت 26: 52) .. بل أنه لمس أذن العبد وأبرأها (لو 22: 51)! ..

-         تكملة رد الرب على فعل التلميذ تأكيد لألوهيته: "أتظن أني لا استطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدِّم لي أكثر من اثني عشر جيشًا من الملائكة؟" (مت 26: 53) ..

-         أن كل ما يحدث هو لكي تكمُل الكتب: "أنه هكذا ينبغي أن يكون .. وأما هذا كله فقد كان لكي تكمُل كتب الأنبياء" (مت 26: 54 – 56؛ مر 14: 49)  .. وفي (لو 22: 52، 53) أنه قال لهم: "كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي! إذ كنت معكم كل يوم في الهيكل لم تمدوا علىَّ الأيادي. ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" .. من هنا نعرف أنه لم يسمح لهم أن يمدّوا عليه الأيادي إلى أن يتمِّم رسالته وتأتي الساعة المعيَّنة التي يعلمها هو، ثم حين جاءت الساعة سمح للظلمة أي للشيطان بهذه السلطة من أجل إتمام الخلاص .. فقد كان كل شيء بإرادته المتحدة مع إرادة الآب .. أما سلطان الظلمة فهو لساعة فقط يأتي بعدها النور ..

-         هروب التلاميذ كلهم (مت 26: 56) حتى أن أحدهم ترك إزاره حين أمسكوه وهرب (مر 14: 51، 52)!!!

-         ينفرد القديس يوحنا بواقعة حدثت عند القبض على السيد المسيح، أنه خرج إلى الجند والخدام الذين أتوا مع يهوذا من عند رؤساء الكهنة والفريسيين، وقال لهم: "من تطلبون". فأجابوه: "يسوع الناصري" فقال لهم: "أنا هو" .. ولما قال لهم هذا رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض (يو 18: 3-6) ..

 

محاكمة أمام المجمع ورئيس الكهنة، ثم أمام بيلاطس الذي أرسله إلى هيرودس، وهذا أعاده إليه ثانية ليحكم عليه بيلاطس استجابة لصراخ الشعب "اصلبه"، بعد أن غسل يديه ليبرئ نفسه من دمه وشهادته عنه أنه بار (مت 27: 24)، وأيضًا علمه أنهم أسلموه حسدًا (مت 27: 18):

-         الذين أمسكوه مضوا به أولاً إلى قيافا رئيس الكهنة، حيث اجتمع الكهنة والشيوخ (مت 26: 57) وكانوا قد أتوا بشهود زور كثيرين لكي يقتلوه ومع ذلك لم يجدوا علة عليه إلى أن جاء شاهد زور وقال أن السيد المسيح قال أنه يقدر أن ينقض هيكل الله وفي ثلاثة أيام يبنيه .. ولكن الرب ظل ساكتًا لم يرُد لأنه كان يعلم أن لا فائدة من الرد فهم سينفذون ما قصدوه في كل الأحوال .. إلى أن سأله رئيس الكهنة هل هو المسيح ابن الله، ذلك لكي يجبره على الرد ليصطادوه بكلمة .. عندئذ أجاب: "أنت قلت. وأيضًا أقول لكم: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة، وآتيًا على سحاب السماء" (مت 26: 57 – 65 ؛ مر 14: 53 - 64) .. عندئذ مزَّق رئيس الكهنة ثيابه وقال: "ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ قد سمعتم التجاديف! ما رأيكم؟" فالجميع حكموا أنه مستوجب الموت .. فبدأ اللطم واللكم والبصق والاستهزاء ..

-         إن هذا المنظر، تمزيق رئيس الكهنة ثيابه، إنما هو للتأثير على الحاضرين لإصدار الحكم لكي يبرئ نفسه! لهذا أيضًا سألهم رأيهم ليُصدروا هم الحكم، ولكي تظهر المحاكمة أنها محكمة عدل قانونية، لذلك كانوا يبحثون عن شهود ولم يجدوا (مت 26: 60)، إلى أن قام ذلك الشاهد الزور وقال أن يسوع قال أنه يقدر أن ينقض هيكل الله وفي ثلاثة أيام يبنيه!! وهذا لم يكن ما قاله السيد المسيح بل كان يتكلَّم عن هيكل جسده وقيامته بعد ثلاثة أيام (يو 2: 19-21)، ولكنهم هكذا قبلوا الشهادة الزور لتنفيذ أغراضهم .. فالحقيقة أنهم دبَّروا، ونفَّذوا، وما فعلوه هو مجرد منظر أمام الجموع ..

-         هذا أيضًا واضح من أنهم حين ذهبوا إلى بيلاطس تكلَّموا بدهاء ليصوِّروا أن التهمة سياسية! .. "إننا وجدنا هذا يُفسد الأمة، ويمنع أن تُعطى جزية لقيصر، قائلاً إنه مسيح ملك" (لو 23: 1، 2)!!! ولكنه بعد التحقيقات شهد أنه لم يجد فيه علة مما يشتكون به عليه، ولا هيرودس أيضًا، ولا شيء يستحق الموت صُنع منه (لو 23: 13 – 15) ..

-         يتَّضح أيضًا التمثيلية التي عملوها ليبعدوا التهمة عن أنفسهم وينسبونها إلى حكم بيلاطس وكأنهم لم يسعوا لقتله، أن كان بإمكانهم أن يحكموا هم عليه حسب الناموس دون رجوع إلى بيلاطس أو هيرودس، كما قال لهم بيلاطس: "خذوه أنتم واحكموا عليه حسب ناموسكم" ولكنهم بمكر قالوا: "لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا" (يو 18: 31)، وكأنهم لم يدبِّروا الأمر كله لقتله!!!

-         والأعجب أنهم يظهرون وكأنهم ينفِّذوا الناموس الذي يمنعهم من القتل، بينما هم يكسرون الناموس علانية .. كيف؟ لقد أجَّلوا عمل الفصح في موعده ليحاكموا السيد المسيح!!! إذ أنهم جاءوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية، وكان صبح: "ولم يدخلوا هم إلى دار الولاية لكي لا يتنجَّسوا، فيأكلون الفصح" (يو 18: 28)!!! هم يؤخرون الاحتفال بالفصح من أجل محاكمة الرب طوال الليل والحث على قتله، بعد أن كانوا يهاجمونه لكسر السبت!!! بينما السيد المسيح أتم الفصح في موعده!

هكذا ينتهي يوم خميس العهد بالمحاكمة من منتصف الليل حتى صباح الجمعة في خطوات متسارعة نحو الحدث العظيم صلب مخلِّصنا القدوس ...

قداس خميس العهد

يتميَّز يوم خميس العهد كما رأينا بأحداث غاية في الأهمية ينفرد بها وهي:

غسل الأرجل ... تأسيس سر الإفخارستيا (من هنا جاء الأسم خميس العهد كقول السيد المسيح "دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك عن كثيرين") ... الحوار الوداعي والوصايا للتلاميذ وإبراز الوهيته ... الصلاة في جثسيماني والطلبات التي فيها من أجل الجميع ...

كذلك قداس خميس العهد أيضًا يتميَّز بطقس خاص ينفرد به، يتلخَّص في:

-     صلاة باكر تقال فيها قطعة بلحن معروف تبكيتًا ليهوذا الإسخريوطي وهم يطوفون الكنيسة يسارًا قائلين: "يا يهوذا يا مخالف الناموس بالفضة بعت سيدم المسيح لليهود مخالفي الناموس ...". تقال 3 مرات، وتقال مردًا لباقي أجزاء القطعة.

-    قداس لقان خميس العهد تذكارًا لغسل السيد المسيح أرجل التلاميذ كمثال، وأمرهم أن يصنعوا كما فعل هو بأن يغسلوا بعضهم أرجل بعض. هكذا يفعل الكاهن، فيئتزر بمنشفة ويغسل أرجل الكهنة وينشفها بمنشفة أخرى، ثم يبل المنشفة ويغسل أرجل  الشمامسة وكل الشعب، كما فعل السيد المسيح حين غسل أرجل التلاميذ.

-    تقديم الحمل بدون قراءة المزامير.

-    لا يقال "هلليلويا هذا هو اليوم الذي صنعه الرب"، ولا يقال أيضًا "خلصت حقًا" لأن الخلاص لم يتم بعد. وإنما يرفع الكاهن البخور مباشرة ويطوف به الكنيسة بدون تقبيل.

-    يقرأ البولس فقط ويتحدث عن التناول بغير استحقاق (1 كو 11: 23-34).

-    لا يُقرأ الكاثوليكون (الرسائل الجامعة)، لأن الرسل لم يكونوا قد ذهبوا للعالم للبشارة.

-     لا يُقرأ الإبركسيس (أعمال الرسل) فقد قُرئ في صلاة باكر الخميس وهو يتحدث عن نهاية يهوذا.

-     الثلاث تقديسات تقال دمجًا.

-     مزمور الإنجيل (23: 5، 41: 9) يشير إلى خيانة يهوذا "الذي أكل خبزي رفع عليَّ عقبه" .. والإنجيل (يُقرأ بلحن حزايني) ويتكلَّم عن تحذير الرب يسوع ليهوذا قائلاً صراحة الذي يغمس يده معي في الصحفة هو الذي يسلِّمه، وويل له. وحين سأله يهوذا: "هل أنا هو؟" قال له الرب:"أنت قلت".

-     قانون الإيمان مختصر بدون الجزء الخاص بالصلب والقيامة.

-     صلاة الصلح لا تُقال لأن الصلح لم يتم بعد وإنما سيتم على الصليب يوم الجمعة.

-      لا يصلَّى المجمع والترحيم، لأن الكنيسة منشغلة بالأحداث الخاصة بالرب.

-      يستبدل المزمور 150 للتوزيع بقراءة النبوات والمزامير والإنجيل بلحن التجنيز في ساعات ليلة الجمعة العظيمة ..

-      قسمة خاصة له: "قسمة ذبح إسحق" ..

المجد لك يا مخلِّصنا الصالح

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس