عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس
v
عيد العنصرة – البندكستي
حلول الروح القدس
دكتورة وداد عباس توفيق
اسم الكتاب: عيد العنصرة – البندكستي
حلول الروح القدس
اسم المؤلف: دكتورة وداد عباس توفيق
الطبعة : الأولى الكترونية 2022 ©
فهرس
أولاً - تاريخه وارتباطه بميلاد الكنيسة
ثانيًا - الباكورة وتأسيس الكنيسة
ثالثًا - عمل الروح القدس من بدء الخليقة
رابعًا - عمل الروح القدس في العهد الجديد
خامسًا - لاهوت الروح القدس في صلوات البندكستي
سادسًا - الروح القدس وعمله في الكنيسة وفي الخدمة
أولاً – تكوين باكورة أعضاء جسد المسيح
ثانيًا – عمل الروح القدس في الخدمة
ثالثًا - عمل الروح القدس في المؤمنين
سابعًا - سكنى الروح في المؤمنين
ثامنًا - الروح القدس وعمله داخلنا
تاسعًا – مقاومة الروح القدس والتجديف عليه
عاشرًا - ثمار الروح القدس بالمقابلة لمواهب الروح
إحدى عشر - موهبة التكلم بألسنة في مفهوم الآباء
اثني عشر - عمل الروح القدس في الأسرار
⸭
عيد العنصرة – البندكستي
دكتورة وداد عباس توفيق
أولاً - تاريخه وارتباطه بميلاد الكنيسة
لفظ "العنصرة" باللغة العربية هوتحريف للفظ العبري "عتصيريت Atzeret" ويعني محفل أو اجتماع.
أما لفظ "بندكستي" فهو يوناني ويعني "الخمسين"، ويقابله في العبرية لفظ "شاڤوؤت Shavouot" ويعني "الأسابيع". وهو أحد الأعياد اليهودية الكبرى الثلاثة التي يظهر فيها ذكور إسرائيل أمام السيد الرب (خر 34: 23).
دُعيَ "عيد الحصاد" و "عيد الأسابيع" و "عيد الباكورة"، لأنه يرتبط بالحصاد ويأتي بعده بسبعة أسابيع أي خمسين يومًا كقول الرب: "وأنتم تحسبون لكم من غد السبت من يوم إتيانكم بحزمة الترديد سبعة أسابيع تكون كاملة إلى غد السبت السابع تحسبون خمسين يومًا، ثم تقرِّبون تقدمة جديدة للرب ... وتنادون في ذلك اليوم عينه محفلاً مقدِّسًا يكون لكم ... فريضة دهرية في جميع مساكنكم في أجيالكم" (لا 23: 15-21)؛ "سبعة أسابيع تحسب لك. من ابتداء المنجل في الزرع، تبتدئ أن تحسب سبعة أسابيع. وتعمل عيد أسابيع للرب إلهك على قدر ما تسمح يدك أن تعطي، كما يباركك الرب إلهك" (تث 16: 9-10)
كان في البداية احتفال للشكر على باكورة المحصول، لكن بعد ذلك أصبح تذكار إعطاء الناموس لموسى النبي على جبل سيناء.
هو العيد الوحيد من أعياد الرب الذي يأتي بالعد، ويأتي دائمًا يوم الأحد. فجميع أعياد الرب التي ذُكرت في (لا 23) كانت ترتبط بتاريخ محدَّد: "في الشهر الأول في الرابع عشر من الشهر ... وفي اليوم الخامس عشر من هذا الشهر ... في الشهر السابع في أول الشهر ... العاشر من هذا الشهر السابع ... الخامس عشر من هذا الشهر السابع" (لا 23: 5-6، 24، 27، 34). أما عيد الأسابيع فهو فقط الذي يُحسب بالعد من اليوم التالي للسبت الذي يقدمون فيه حزمة الترديد سبعة أسابيع كاملة إلى غد السبت السابع يحسبون خمسين يومًا (لا 23: 15). فغد السبت هو يوم الأحد.
أصبح هذا العيد عيدًا مسيحيًا تذكارًا لحلول الروح القدس في يوم الخمسين من القيامة المجيدة. ويُطلق عليه في المسيحية "عنصرة" أو "بندكست"، وأيضًا “WhitSunday” أو White Sunday "الأحد الأبيض" (كما ورد في دائرة المعارف البريطانية) إشارة إلى الملابس البيضاء التي يلبسونها في هذا العيد في بعض البلدان (بريطانيا وأيرلندا)، وكذلك الثياب البيضاء التي يلبسها الموعوظون الذين يرغبون في العماد في هذا اليوم. وأيضًا إشارة إلى ظهور الروح القدس في شكل حمامة بيضاء يوم نزول الروح القدس على السيد المسيح وهو يعتمد من يوحنا المعمدان.
تحتفل فيه الكنيسة بحلول الروح القدس في شكل ألسنة منقسمة كأنها من نار استقرت على الرسل والتلاميذ، وجميع الذين كانوا مجتمعين في العلية، مع صوت من السماء كما من هبوب ريح عاصفة ملأت كل البيت (أع 2: 1-4). فكما استلم موسى النبى الوصايا بعد الخروج هكذا أيضًا استلم التلاميذ عطية العهد الجديد يوم الخمسين.
أما عن الوصف التشبيهي: "كما من ريح عاصف" فهو ليس ريح؛ وألسنة كأنها من نار"، فيقول عنه القديس يوحنا ذهبي الفم:
[لكي لا يكون لديك أي أفكار محسوسة عن الروح ...][1]
كما يتكلَّم عن استقرار الروح على المجتمعين، ومن هم، فيقول:
[والاستقرار على كل واحد يعني الثبوت والاستمرار ... فهل على الاثني عشر؟ لا، وإنما على المائة وعشرين.][2]
يأتي العيد دائمًا يوم الأحد، لأنه في اليوم الخمسين من قيامة السيد المسيح التي كانت يوم الأحد. في ذلك اليوم امتلآوا جميعًا من الروح القدس وبدأوا يتكلمون بألسنة حسب ما أعطاهم الروح (أع 2: 4). ولقد كانت الظاهرة من الغرابة بحيث تعجب كثيرون وظنوا أنهم سكارى. ولكنهم في الحقيقة نالوا المعرفة والقوة التي تمكِّنهم من الخدمة والتبشير، وتحقَّق وعد الرب لهم: "وأما المعزِّي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلِّمكم كل شيء ويذكِّركم بكل ما قلته لكم" (يو 14: 26)؛ "فأقيموا في أورشليم حتى تُلبسوا قوة من الأعالي" (لو 24: 49). وبهذه العطية كان حصاد الباكورة الأولى لتدبير العهد الجديد، الثلاثة آلاف نفس الذين آمنوا بعمل الروح القدس على فم بطرس الرسول يوم الخمسين.
باكورة بشارة العهد الجديد: هم الذين كانوا في أورشليم في يوم الخمسين، يهود من الأمم المختلفة التي كانوا قد تشتتوا إليها وجاءوا ليحتفلوا بالعيد في أورشليم. لهذا كان اختيار الله لهذا اليوم الذي يجتمعوا فيه ليسمعوا الرسالة. لقد كانوا جميعهم يهود، لذلك كانوا غالبًا يفهمون اللغة التي كان الرسل يتكلمون بها بالإضافة إلى لغة البلاد التي جاءوا منها، فلم تكن هناك حاجة إلى موهبة الألسنة ولكنها كانت علامة معجزية لكي يفيقوا ويرجعوا ويؤمنوا.
هكذا ذكَّرهم بطرس الرسول بنبوة يوئيل النبي التي يعرفونها جيدًا ردًا على ظنهم أنهم سكارى: "بل هذا ما قيل بيوئيل النبي ... ويكون في الأيام الأخيرة أنِّي أسكب من روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلامًا. وعلى عبيدي أيضًا وإمائي أسكب من روحي في تلك الأيام فيتنبأون. وأعطي عجائب في السماء من فوق وآيات على الأرض من أسفل ... قبل أن يجيء يوم الرب العظيم الشهير. ويكون كل من يدعو باسم الرب يخلُص" (أع 2: 16-21). لقد كان يشير لهم إلى المسيح أنه المسيا المنتظر، فتكملة نبوة يوئيل تقول: "لأنه في جبل صهيون وفي أورشليم تكون نجاة" (يؤ 2: 28-32) وكما قال السيد المسيح للمرأة السامرية: "لأن الخلاص هو من اليهود" (يو 4: 22).
وذكَّرهم أيضًا أن يسوع الذي صلبوه هو الرب المسيح الذي تكلَّم داود النبي بوضوح عنه وعن قيامته، قائلاً: "لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فسادًا"، موضِّحًا لهم أن داود النبي لم يكن يتكلَّم عن نفسه لأنه مات ودفن، ولا هو صعد إلى السماوات ليسكب عليهم الروح، ولكنه كان يتكلَّم بروح النبوة عن يسوع المسيح الذي حلف له الله بقسم أنه يأتي من نسله ويجلس على كرسيه (أع 2: 22-35). هو يسوع الذي صرخوا ضده "أصلبه. أصلبه" ... "فليعلم يقينًا جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا، الذي صلبتموه أنتم، ربًا ومسيحًا" (أع 2: 36). هذه العبارات القوية المؤيَّدة من كتبهم ونبواتهم جعلتهم "لما سمعوا نُخسوا في قلوبهم" (أع 2: 37). وهكذا اقتادوهم إلى التوبة والمعمودية لغفران خطاياهم وقبول عطية الروح القدس: "فقبلوا كلامه بفرح، واعتمدوا، وانضم في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس" (أع 2: 41).
ثانيًا - الباكورة وتأسيس الكنيسة
هكذا من استجابوا صاروا باكورة كنيسته وأيَّدهم بالروح القدس، "وكان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون" (أع 2: 47). فالحصاد مستمر والثمر وفير بعمل الروح القدس الدائم في الكنيسة ... وكما قال الرب يسوع لتلاميذه "الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون ..." (مت 9: 37-38)
البندكستي في الكنيسة الأولى:
ويوضِّح لنا القديس أثناسيوس الرسولي هذا المفهوم في رسائله، يقول:
[عندما يشرق علينا اليوم الأول من الأسبوع المقدس ... نبدأ العد ثانية الأسابيع السبعة واحدًا فواحد، ونقيم العيد في يوم البندكستي المقدس – الذي كان في وقتٍ ما عيدًا لليهود، عيد الأسابيع – الذي كانوا يمنحون فيه المغفرة وتسوية الديون. كان بالحقيقة يوم خلاص من كل الأوجه. فلنقيم العيد في اليوم الأول من الأسبوع العظيم كرمز للعالم الآتي الذي نأخذ عربونه هنا أن ننال حياة أبدية فيما بعد.][3]
[إذ نقيم العيد بعد ذلك في اليوم الأول من الأسبوع، ونضيف لهذا الأسابيع السبعة للبندكستي العظيم، فرحين ومتهللين للغاية في المسيح يسوع ربنا.][4]
ونفس المعنى في رسائل أخرى:
[في مساء يوم السبت نسمع رسالة الملائكة: "لماذا تطلبن الحي بين الأموات. لقد قام" (لو 24: 5). وبعد ذلك مباشرة يستقبلنا يوم الأحد الذي قام فيه ربنا ... وبعد أن أقمنا العيد حسب مشيئته، فلنضف من ذلك اليوم الأول في الأسبوع المقدس سبعة أسابيع البندكستي، حيث ننال عندئذ نعمة الروح. فلنشكر الرب دائمًا ...][5]
وبنفس المعنى، وتقريبًا نفس العبارات عن البندكستي أنه يوم الأحد الخمسين من القيامة والاحتفال طوال الأسابيع السبعة، نجدها في رسائله الأخرى.[6]
ثالثًا - عمل الروح القدس من بدء الخليقة
في بدء الخليقة حين كانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة كان الآب ينطق بكلمته الأقنوم الثاني وروحه يرف على وجه المياه (تك 1: 2). كان روح الله هناك ليمنح حياة، ليخلق ويجدِّد. هكذا ترنَّم داود النبي بروح النبوة متغنيًا بعظمة أعمال الرب، يقول: "ترسل روحك فتخلق، وتجدِّد وجه الأرض" (مز 104: 30). وهكذا بحضور الثالوث، الحاضر دائمًا، كانت إرادة الآب بكلمته الذي هو ابنه لتكون هناك حياة بدءًا من النور ثم باقي الخليقة بترتيبها المذكور في سفر التكوين.
نقرأ عن دوره في تقديس أول بيت لله ... عندما خرج يعقوب أبو الآباء من بيت أبيه إسحق في بئر سبع ليذهب إلى حاران عند خاله لابان هربًا من وجه أخيه عيسو الذي كان غاضبًا بسبب البركة التي باركه بها أبيهما ... وفي الطريق أخذ حجارة ووضعها تحت رأسه ونام، فحلم حلمًا كله معانٍ نعرف منها روعة بيت الله: رأي أبينا يعقوب سلم منصوبة من الأرض للسماء، وملائكة الله نازلة وصاعدة عليها، والرب واقف عليها ... منظر رهيب ... في هذا المكان أعطاه الله الوعد بالبركة والأرض والسلامة. فماذا قال أبينا يعقوب حين استيقظ: "حقًا إن الرب في هذا المكان وأنا لم أعلم! ... ما أرهب هذا المكان! ما هذا إلا بيت الله، وهذا باب السماء." ثم بكَّر وصب زيتًا على الحجر الذي كان تحت رأسه، ودعا اسم المكان "بيت إيل" (تك 28: 10-19)!! فبيت الله عبارة عن سلم واصل إلى السماء، ملائكة صاعدة ونازلة تنقل طلبات المؤمنين وتأتي بالاستجاب، والرب واقف عليه ينظر ويبارك شعبه. تدشين المكان بيت لله بالزيت يشير إلى مسحة الروح القدس للمكان ...
ثم الخيمة أيضًا، مسكن الله مع الناس، بعد تركيبها كانت تُمسَح بزيت المسحة، مذابحها، أوانيها، وحتى ثياب الكهنة، إشارة إلى عمل الروح القدس في كل مكان فيها للتقديس. بل كان روح الله يعطي حكمة وفهم ومعرفة في الصناعات الخاصة ببيته، كما قال لموسى أنه ملأ بصلئيل بن أوري من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة لاختراع مخترعات لصنع كل أدوات الخيمة والمذبح وثياب الكهنة والبخور حسب أمر الرب (خر 31: 1-11)!
بل وحتى الكهنة والملوك والأنبياء كانو يمسحون بزيت المسحة ليحل عليهم الروح القدس يعطيهم القدرة على العمل المختارين له، كما فعل صموئيل النبي لشاول الملك حين دهنه بزيت المسحة وحل عليه روح الرب وتنبأ (1 صم 10: 1-11).
إنه أيضًا الروح الناري الذي رفع إيليا في المركبة النارية إلى السماء (2 مل 2: 11)؛ الذي قدَّس إرميا النبي قبل أن يولد (إر 1: 5)، وملأ يوحنا المعمدان من بطن أمه (لو 1: 15) وملأ أمه القديسة أليصابات.
ثم نجد آيات صريحة في العهد القديم تشير إلى الوعد بمنحه للمؤمنين، أشهرها:
(حز 36: 26-27): "وأعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل روحًا جديدًا في داخلكم ... وأجعل روحي في داخلكم ..."
(يوئيل 2: 28-29): "ويكون بعد ذلك إنِّي أسكب روحي على كلِّ بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويحلم شيوخكم أحلامًا، ويرى شبابكم رؤى ..."
رابعًا - عمل الروح القدس في العهد الجديد
أولاً - الوعد بالروح القدس:
بنظرة سريعة لهذه الآيات نفهم عدة أمور:
هو روح الحق .. العالم لا يقبله لأنه ليس له الإيمان بالأمور التي لا تُرى، فهذه ينعم بها المؤمنون ...
مُرسل ليسكن فينا .. يعمل فينا، يرشدنا، يعلِّمنا، يخبرنا بأمور آتية بالنبوة ...
أيضًا يمجِّد الابن .. كما أن الابن يمجِّد الآب ... يأخذ مما للابن ويخبرنا ... هنا نلاحظ أن السيد المسيح، لعلمه أن البشر كثيرًا ما يخطئون في التفسير، لذلك فسَّر لهم لماذا قال هذا، فيقول" "لأن كل ما للآب هو لي"، لأنه لا يمكن أن يكون الروح يعلم فقط ما للابن ولا يعلم ما هو للآب والابن معًا، أو أن يكون للابن شيء ليس للآب!! وكما قال في موضع آخر: "أنا في الآب والآب فيَّ"، فالثلاثة واحد.
الوعد أيضًا أنه يمكث معهم إلى الأبد .. بل مع كل من يقبله من العالم إلى نهاية الأزمنة، طالما لا نرفضه أو نرفضه عمله فينا. لهذا قال عنه معزِّيًا أخر، مثله. قال لهم هذا ليطمئنوا لأنه وهو معهم كانوا مطمئنين، فحين يصعد لن يكونوا وحدهم لأنه سيرسل الروح القدس لتعزيتهم بحضوره معهم وفيهم إلى الأبد.
ثانيًا - تحقُّق الوعد:
ثم تم بأرسال الروح القدس للتلاميذ: قبل صعود السيد المسيح مباشرة في ظهور أخير له، أوصي تلاميذه أن يقيموا في أورشليم إلى أن يُلبسوا قوةً من الأعالي، حيث يرسل إليهم موعد الآب (لو 24: 49) ... أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم، بل ينتظروا "موعد الآب الذي سمعتموه منِّي، لأن يوحنا عمَّد بالماء، وأمّا أنتم فستتعمدون بالروح القدس ... لكنكم ستنالون قوَّة متّى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كلِّ اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض" (أع 1: 4 - 8).
هكذا في يوم الخمسين والتلاميذ مجتمعين إذا بصوت من السماء بغتة كما من هبوب ريح عاصفة ملأ كل البيت ثم حل على شكل ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم، فامتلأ الجميع من الروح القدس (أع 2: 1-4).
هذا الظهور الرهيب للروح القدس وحلوله على التلاميذ والسبب للشكل الذي ظهر به، هنا يوضحه لنا بالتفصيل القديس غريغوريوس اللاهوتي، يقول:
[جاء على شكل ألسنة لعلاقته الوثيقة بالكلمة (المسيح). وهي ألسنة من نار، بسبب قوته المطهِّرة، أو بسبب جوهره، لأن إلهنا نار آكلة (عب 12: 20)، وهو نار تحرق الأشرار (تث 4: 24) ... والألسنة منقسمة بسبب تنوُّع المواهب. واستقرت، إشارة إلى ملكه واستقراره بين القديسين ... حدث هذا في العلية لأن أولئك الذين ينالونه يجب أن يرتفعوا فوق الأرض ... ويسوع نفسه أعطي سر التناول في العلية لأولئك الذين أتيح لهم الاطلاع على الأسرار العليا ولكي بذلك يظهر من جهة أن الله كان لابد أن ينزل إلينا كما فعل قديمًا لموسي، ومن جهة أخرى أننا لابد أن نصعد إليه ... لأنه طالما يظل كل في موضعه، الواحد في مجده، والآخر في وضاعته، سيظل غير ممكن أن يختلط صلاح الله بنا ولا يمكننا التمتع بشفقته، وتكون الهوة عظيمة بيننا لا يمكن عبورها ...][7]
خامسًا - لاهوت الروح القدس في صلوات البندكستي
تحتفل به بطقس خاص في القداس بدءًا من رفع بخور عشية ثم باكر بأرباع الناقوس وذكصولوجيات وتسابيح، وفي القداس تقال مزامير الساعة الثالثة فقط التي نتذكَّر فيها حلول الروح القدس على التلاميذ. وبدلاً من السنكسار تقال قطع طلبة الساعة الثالثة التي نتضرع فيها للروح القدس الأقنوم الثالث من الثالوث القدوس أن يحل فينا ويطهِّرنا ويخلِّص نفوسنا. وهناك أيضًا مردّات المزمور والإنجيل ولحن الروح القدس الرائع (بي إبنيڤما إم باراكليتون ...). وفي التوزيع يقال "أسومين طوكيريو ... فلنسبح الرب لأنه بالمجد تمجَّد. صعد إلى أعلى السموات وأرسل لنا البارقليط روح الحق المعزي. آمين. هللويا ..."، ويستمر في صوم الرسل أيضًا. ثم تأتي صلوات السجدة الثلاث بطقوسها وقراءاتها العميقة ونفس المردات.
في كل هذه القراءات والطقوس نجد واضحًا لاهوت الروح القدس ... ليس الحديث هنا عن الثالوث القدوس، فهذا ليس موضعه، لكن هو توضيح لألوهية الروح القدس من خلال الحديث عن عيد العنصرة ...
وسوف نقتصر على القطعة الرابعة فقط من طلبة الساعة الثالثة التي تقال في هذا العيد والتي نخاطب فيها الروح القدس مدركين تمامًا ألوهيته وملتمسين عمله.
- هو الملك السماوي ... إن كنا نخاطبه على أنه الملك السماوي، فهل هناك ملك في السماء غير الله؟ إذًا الروح القدس هو الله، لأنه روح الله، والله غير منفصل عن روحه كما هو غير منفصل عن كلمته الابن الوحيد.
- هو المعزِّي ... الباراقليط (باليونانية) وبالإنجليزية Comforter/Helper وتعني معزِّي ومعين ... هذا يوضِّح عمله بالنسبة للبشر، فهو يعينهم، ويرشدهم، ويعزيهم، ويبكتهم، ويعلِّمهم. ولأنه روح الله فهو يمنحهم نعم سمائية، يمنحهم بركات ومواهب للخدمة لبنيان الكنيسة ... ويعني أيضًا مساواته بالابن.
عن هذا يقول القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات:
[جاء بعد المسيح لكي لا يعوزنا مُعزٍّ، ولكنه معزِّيًا آخر لكي تدركون المساواة معه ... لأن آخر لا تقال عن أنواع مختلفة ولكن عن أشياء من نفس الجوهر consubstantial.][8]
- روح الحق ... قال عنه السيد المسيح: "ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق، الذي من عند الآب ينبثق" (يو 15: 26) ... فمن هو الحق؟ لقد قال السيد المسيح عن نفسه: "أنا هو الطريق والحق والحياة". هو إذًا روح الله وروح المسيح كما يقول عنه القديس بولس الرسول في (رو 8: 9): "وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح، إن كان روح الله ساكنًا فيكم. ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح، فذلك ليس له". وأيضًا في (غلا 4: 4): "أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم ...".
- الحاضر في كل مكان ... هل هذه الصفة تخص أي بشر أو أي قوة أو طاقة؟ هل هناك من هو موجود في كل مكان سوى الله؟ أليس هذا يعني أنه هو الله؟
- المالئ الكل ... هل هناك من يملأ الكل سوى الله الذي قال عن ذاته: "أما أملأ أنا السماوات والأرض؟" (إر 23: 24) .. إنه الحاضر في كل مكان وزمان من الآزل إلى الأبد إلى ما لا نهاية.
- كنز الصالحات ... نعم فهو الذي يعطي المواهب والعطايا والنِعم السماوية للبشر بمشيئة الآب، لأن "كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق، نازلة من عند أبي الأنوار ..." (يع 1: 17)
- معطِّي الحياة ... من هو الذي يعطي الحياة سوى الله؟ لذلك ندعوه في قانون الإيمان "الروح المحيي".
- القادر أن يطهِّر ويخلِّص ... فمن هو المخلِّص سوى الآب بالابن من خلال الروح. وهذا واضح في كلمات القديس بولس الرسول في (تي 3: 5): "خلَّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس، الذي سكبه بغنى علينا يسوع المسيح مخلِّصنا".
- روحًا مستقيمًا كما ندعوه في القطعة الأولى والثانية من نفس الطلبة.
إذًا الروح القدس هو الله لأنه روح الله، كما أن الابن الكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله.
هو الأقنوم الثالث من الثالوث القدوس الذي أرسله الابن القدوس السيد المسيح إلي المؤمنين من عند الآب ليكون معهم دائمًا يرشدهم، يعزيهم، يبكتهم، يعلِّمهم، يشفع فيهم،و يمنحهم نعم سمائية ومواهب للخدمة لبنيان الكنيسة ...
هو مساوٍ لله الآب والله الابن ومن نفس الجوهر باعتباره أحد أقانيم الثالوث القدوس، لكنه متمايز عنهما. وهو غير منفصل عن الآب والابن. هو دائمًا معدود معهما، كما قال السيد المسيح وهو يمنحهم السلطان قائلاً: "فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (مت 28: 19) ... باسم وليس بأسماء.
لذلك له صفات الألوهة ... يعمل ما يشاء الآب فهو مشارك في الخلق، والتجديد، والتقديس. لذلك بحق قال بطرس الرسول لحنانيا عندما كذب هو وامرأته سفيرة عن الثمن الذي باعا به الحقل: "يا حنانيا، لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس وتختلس من ثمن الحقل؟ ... أنت لم تكذب على الناس بل على الله" (أع 5: 3، 4) وكان العقاب فوريًا.
كما أن التجديف عليه ليس له مغفرة، كما أكَّد السيد المسيح، قائلاً: "إن جميع الخطايا تغفر لبني البشر، والتجاديف التي يجدفونها. ولكن من جدَّف على الروح القدس فليس له مغفرة إلى الأبد، بل هو مستوجب دينونة أبدية" (مر 3: 28، 29؛ لو 12: 10)؛ "كل خطية وتجديف يُغفر للناس، وأما التجديف على الروح فلن يُغفر للناس. ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له، وأما من قال على الروح فلن يغفر له، لا في هذا العالم ولا في الآتي" (مت 12: 31، 32). وسوف نعود للحديث عن هذا في جزء آخر بنعمة ربنا.
الكتاب المقدَّس يصفه بصفات شخصية، فهو يتكلَّم، ويشفع، ويعلِّم ... تكلَّم لفيلبس، وأرشد الكنيسة في أورشليم ... وأيضًا يحزن وينطفئ عمله إذا رفض الإنسان عمله.
هو ليس مجرد قوة وليس مخلوق ... فحين ظهر هرطوقي اسمه مقدونيوس الذي أصبح معروفًا بأنه "عدو الروح القدس" وأنكر ألوهية الروح القدس أُدين في مجمع القسطنطينية 381م، وأضيفت لقانون الإيمان عبارة "نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب".
أنه مصدر الوحي ... لأنه كما نقول في قانون الإيمان "الناطق في الأنبياء". ويقول القديس بطرس الرسول: "لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلَّم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2 بط 1: 21) ...
ويعلِّمنا القديس يوحنا كيف نميِّز الروح القدس (العطية والنعمة) من الأرواح المضللة الموجودة محذِّرًا، فيقول: "لا تصدِّقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح: هل هي من الله؟ لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم. بهذا تعرفون روح الله: كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله، وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد، فليس من الله. وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنه يأتي، والآن هو في العالم." (1 يو 4: 1-3) ثم يصف الروح الذي يسكن فينا، ويميِّز بين روح الحق ورح الضلال، فيقول: "أنتم من الله ... الذي فيكم أعظم من الذي في العالم ... نحن من الله ... من هذا نعرف روح الحق وروح الضلال" (1 يو 4: 4-6).
سادسًا - الروح القدس وعمله في الكنيسة وفي الخدمة
أولاً – تكوين باكورة أعضاء جسد المسيح
كان عمل الروح في الذين سمعوا العظة أنهم نُخسوا في قلوبهم وسألوا ماذا يفعلون. فوجههم بطرس الرسول إلى التوبة والمعمودية على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا ليقبلوا عطية الروح القدس (أع 2: 37، 38).
هكذا كان أول عمل للروح القدس أن تؤمن الجموع وتنال المعمودية على اسم الرب يسوع المسيح لينعموا بعطايا الروح القدس التالية. وأصبح هؤلاء باكورة أعضاء جسد المسيح، الكنيسة الأولى، بمعمودية الروح، كما قال القديس بولس الرسول: "لأننا جميعنا بروح واحد أيضًا اعتمدنا إلى جسد واحد، يهودًا كنا أن يونانيين، عبيدًا أم أحرارًا، وجميعنا سُقينا روحًا واحدًا" (1 كو 12: 13) ... يصير ابن لله ... يصير عضو في جسد المسيح الكنيسة يكون من حقه أن ينعم بعطايا الروح.
إذًا المعمودية هي أول عطية للمؤمنين بعد الإيمان والتوبة، يعقبها نوال عطية الروح القدس. بهذه المعمودية يولد المؤمن ميلادًا جديدًا من الماء والروح، ينال به مغفرة الخطية الموروثة وما تلاها من خطايا شخصية. هكذا يصير ابن لله وعضو في جسد المسيح مؤهلاً لعطايا الروح المتنوعة وسكنى الروح داخله. بل بدون هذه المعمودية لا يقدر أحد أن يدخل ملكوت السموات (يو 3: 3).
أيضًا كان الروح القدس يقيم الأساقفة، لذلك بولس الرسول يقول لقسوس الكنيسة في أفسس "احترزوا إذًا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة، لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه" (أع 20: 28).
القرارات التي كان الرسل يتخذونها كانت تصدر كقرار من الروح القدس معهم، كما نرى في أول مجمع في أورشليم كان القرار بالإجماع: "قد رأى الروح القدس ونحن ... " (أع 15: 28-29)
الروح كان يعطي مواهب روحية متنوعة من أجل الخدمة: يعطي لواحد كلام حكمة، لآخر علم، لآخر إيمان ... مواهب شفاء... عمل قوات ... نبوة ... تمييز الأرواح ... ألسنة ... ترجمة ألسنة ... "ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء" (1 كو 12: 8-11) ... بل يعطي البعض أن يكونوا رسلاً، أنبياء، مبشرين، رعاة، معلِّمين ... والغرض لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة، لبنيان جسد المسيح إلى أن ينتهي الجميع إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله (أف 4: 11-13).
النبوة إحدى مواهب الروح القدس وتعني التعليم والوعظ، وهي لبنيان الكنيسة. والروح القدس يُدعى روح النبوة، لذلك نطلب من الرب يسوع المسيح في طلبة الساعة الثالثة أن يمنحه لنا ويجدِّده في أحشائنا، ونصفه بأنه: "روحًا مستقيمًا ومحييًا،
روح النبوة والعفة، روح القداسة والعدالة والسلطة" ... الذي أعطي الوحي للقديسين ليتكلَّموا بما يريد أن يوصِّله للبشر، أي شهادة يسوع التي هي روح النبوة (رؤ 19: 10): وكما يقول القديس بطرس:"أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2 بط 1: 20، 21)
كما كان في العهد القديم يخلق ويجدِّد ويوجِّه ويتكلَّم ويحلّ على البشر، هكذا في العهد الجديد يخلق ويجدِّد ويرشد ويوجِّه، وأيضًا يسكن في المؤمنين، بل إن سكنه فينا في العهد الجديد دائم حسب وعد الرب يسوع: "يمكث معكم إلى الأبد ... ماكث معكم ويكون فيكم" (يو 14: 16-17) ... فهو لا يفارقنا كما كان يحدث أحيانًا في العهد القديم، كما حدث مع شاول الملك حين فارقه روح الرب.
نأخذه كختم كما قال القديس بولس الرسول: "الذي فيه أيضًا أنتم، إذ سمعتم كلمة الحق، إنجيل خلاصكم، الذي فيه أيضًا إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس ..." (أف 1: 13)؛ "الذي به ختمتم ليوم الفداء" (أف 4: 30) ... إنه الختم الإلهي الذي ختمنا به الله "وأعطى عربون الروح في قلوبنا" (2 كو 1: 22)
نأخذه كمسحة في سر التثبيت عقب المعمودية مباشرة فيسكن فينا ويظل ثابتًا يعلِّمنا ويرشدنا: "وأما أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء"؛ "وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم، ولا حاجة بكم أن يعلِّمكم أحد، بل كما تعلِّمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء" (1 يو 2: 20، 27). وهي مسحة إلهية: "الذي يثبِّتنا معكم في المسيح، وقد مسحنا، هو الله" (2 كو 1: 21). كان يُعطَى بوضع اليد في الكنيسة الأولى، ثم أصبح يعطي بالمسح بالميرون المقدَّس.
بهذه المسحة ننال سكنى الروح القدس فينا ... فنصير هيكل لله وروحه ساكن فينا، كما يقول القديس بولس الرسول: "أنتم هيكل الله" (2 كو 6: 16) ... "مسكنًا لله في الروح" (أف 2: 22) ... "أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم؟ ... لأن هيكل الله مقدَّس الذي أنت هو" (1 كو 3: 16، 17) ...
سابعًا - سكنى الروح في المؤمنين
أيضًا هناك فرق بين الحلول والاتحاد، فالحلول ليعطي نعمة، أما الاتحاد فلا يحدث مع البشر، لأن هذا يعني أنه يتحد بنا وهكذا نصير آلهة أو نتحوَّل عن طبيعتنا البشرية!!! حلول الروح القدس ليعطي قوة كما قال السيد المسيح للتلاميذ: "لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم" (أع 1: 8)
فلا يمكن القول أنه يحل فينا كأقنوم يسكن داخلنا، لأنه كيف وهو غير محدود يتحيَّز في مكان محدود؟ وكيف يكون في جميع من يحل فيهم في نفس الوقت لو لم يكن غير محدود لأنه روح الله؟ وكيف وهو روح غير مادي يكون له وجود مادي داخل الإنسان؟
وإذا كان يسكن فينا كأقنوم فهل يسكن هو وحده؟ إننا بذلك نفصله عن الآب والابن، بينما الثالوث موجود دائمًا معًا بغير انفصال ... هذا بالإضافة إلى أنه يعني أننا نتأله!!!
هكذا يقول القديس يوحنا ذهبي الفم:
[أينما كان أحد أقانيم الثالوث، فهناك الثالوث كله حاضر. لأنه غير منقسم في ذاته وله وحدانية كاملة كلية.][9]
الحالة الوحيدة لحلول الروح الأقنومي كانت على القديسة العذراء مريم لغرض محدَّد هو أن يكوِّن جسدًا للمسيح يتحد بأقنوم الكلمة في ذات الوقت، وحتى في هذه الحالة لم يكن اتحاد بالعذراء، وإنما اتحاد بين أقنوم الكلمة والجسد الذي اتخذه من العذراء. أما على البشر فيحل عليهم كعطية ليعطي نعمة ويشترك في العمل معهم للمساعدة والإرشاد والقيادة. هكذا تبارك الكنيسة المؤمنين بعبارة جاءت في رسالة القديس بولس الرسول في (2 كو 13: 14): "نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم. آمين".
لقد تكلَّم عديد من الآباء الأولين عن هذا المفهوم لسكنى الروح القدس، من بينهم:
القديس أثناسيوس الذي وهو يؤكد أن السيد المسيح لم يتغيَّر جوهرة بتجسده أعطي كمثال أننا لا نتغيِّر بسكنى الروح فينا. قال صراحة:
[كما أننا بقبولنا الروح لا نفقد جوهرنا الخاص، هكذا الرب عندما صار إنسانًا لأجلنا وأخذ جسدًا ظل هو الله.][10]
وأيضًا القديس باسيليوس الكبير، فهو يتحدَّث أولاً عن طبيعة الروح القدس الروحية وحضوره في كل مكان، يقول:
[هو حاضر في كل مكان، منبع التقديس، نور يدركه العقل ... بطبيعته لا يُدنى منه ... يملأ كل الأشياء بقدرته (حك 1: 7) ... حاضر كلية في الكل، وموجود كلية في كل مكان ... يشارك فيه الكل دون أن يكف عن كونه كامل ... ينعم به كل من يشاركه بحسب طاقة طبيعتهم وليس بحسب قدرته.][11]
ثم يواصل شرح معنى سكنى الروح فينا، فيقول:
[كيف حقًا يمكن أن يكون هناك اقتراب جسدي بغير المتجسد؟ ولكن هذا الارتباط ينجم من الانقطاع عن الأهواء التي تدخل إلى النفس من الارتباط بالجسد الذي به تبتعد عن علاقتها الوثيقة بالله. فقط عندما يتنقَّى الإنسان ... ويعود إلى جمال طبيعته كما لو كان ينظف الصورة الملكية ويستعيد شكلها القديم، هكذا فقط يمكنه أن يدنو من البارقليط.][12]
ثامنًا - الروح القدس وعمله داخلنا
الروح القدس داخلنا يعين ضعفاتنا، ومن بين ضعفاتنا أننا لسنا نعلم ما نصلِّي لأجله كما ينبغي، ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنّاتٍ لا يُنطَق بها (رو 8: 26). وليس فقط في جهادنا وما نتعرض له من مخاطر وإنما:
كقول القديس يوحنا ذهبي الفم، حتى في الأمور التي تبدو أكثر سهولة النعمة تقف إلى جانبنا وتعمل معنا، وفي صلواتنا حيث لا نعلم ما نصلي لأجله، وهذا يوضح اهتمام الروح الكبير من جهتنا. فهو يرى أننا قد نرغب في أمور تبدو لفكرنا حسنة بينما هي ليست كذلك. فنحن نحتاج معونة الروح.[13]
وكما يقول القديس باسيليوس الكبير أن من خلال معونة الروح القدس نعود إلى الفردوس؛ نصعد إلى ملكوت السموات؛ نعود إلى بنوة البنين؛ تكون لنا دالة أن ندعو الله أبانا؛ نُدعى أولاد النور ... وباختصار نصبح في "ملء البركة" (رو 15: 29)[14]
الروح القدس يقدِّسنا ويطهِّرنا، لأنه روح القداسة والعفة كما نقول في الطلبة.
وكما يصفه القديس باسيليوس أنه: "ينبوع القداسة".[15]
والروح القدس باستمرار يرشد ويعلِّم ويذكِّر بكل ما قاله الرب (يو 14: 26). وتذكيرنا بما قاله الرب فيه تعزية وتشجيع على الاحتمال حين تواجهنا ضيقات. فمن بين ما قاله ما سيواجه المؤمنون به في العالم. لذلك قال: "قد كلَّمتكم بهذا لكي لا تعثروا ... لكني قد كلَّمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرون أني أنا قلته لكم. ولم أقل لكم من البداية لأني كنت معكم" (يو 16: 1-4) ... فالروح إذًا يرشدنا في طريق خلاصنا لأنه روح المشورة، ويعلِّمنا فيعطينا فهم في كل أمورنا خاصة الروحية، وأيضًا يذكِّرنا بأقوال السيد المسيح ووعوده لنا أنه معنا وفيه نغلب العالم. فبهذا نقدر أن نثبت في مواجهة الصعوبات التي قد نتعرض لها ولا ننهار. لذلك في سفر الرؤيا يكرِّر: "من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس" (رؤ 2: 11-17؛ 3: 13، 22).
الروح القدس روح الحكمة فهو يعطي حكمة سمائية وفي أوقات الضيق في العالم. فالسيد المسيح يطمئننا: "لا تهتموا كيف أو بما تتكلّمون، لأنكم تعطوْنَ في تلك الساعة ما تتكلَّمون به، لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلَّم فيكم" (مت 10: 19، 20).
والروح القدس لا يعمل فقط في المؤمنين، وإنما أيضًا له عمل في العالم كله، كما قال السيد المسيح أنه يبكِّت العالم على خطية وعلى بِر وعلى دينونة (يو 16: 8-11) ... على خطية لأن المسيح جاء وحمل خطايا العالم كله والعالم لا يزال يخطئ، وعلى بر لأن السيد المسيح البار جاء وبرَّر البشر بدفع ثمن خطايا الجميع على الصليب فلا عذر لنا، وعلى دينونة لأن الشيطان قد أدين بعمل السيد المسيح الخلاصي. فالروح القدس يذكِّر العالم بكل ذلك ليقتاد الجميع للإيمان والتوبة. بل كما يقول القديس بولس الرسول: "وليس أحد يقدر أن يقول: يسوع رب، إلا بالروح القدس" (1كو 12: 3).
مهم أيضًا أن ندرك أن هذه الشركة والعطايا لم نكن لننالها سوى عن طريق الابن بتجسده، كما يوضِّح القديس أثناسيوس في دفاعه عن إيمان نيقية الفصل 12: 50، حيث يقول:
[ممن كان ينبغي إذًا أن يُعطَى الروح سوي من خلال الابن، إذ الروح هو روحه أيضًا؟ ومتى كان ممكنًا لنا أن نناله سوى عندما صار الكلمة إنسانًا.... وكما أوضح داود، ما كان يمكن أن ننال شركة الروح ونتقدَّس سوي لأن معطي الروح الكلمة ذاته، قد قال عن ذاته أنه مُسح بالروح لأجلنا.][16]
ماذا إذًا لو لم نقبل عمله داخلنا رغم سكنه فينا:
تاسعًا – مقاومة الروح القدس والتجديف عليه
إذا استمرت مقاومتنا له ولعمله داخلنا فإنه يحزن وينطفئ عمله. وقد حذَّرنا القديس بولس الرسول، قائلاً" "ولا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء" (أف 4: 30)؛ "لا تطفئوا الروح" (1 تس 5: 19). فالروح الناري يحفزنا فليتنا نقبل عمله بفرح ...
واجبنا إذًا أن لا نحزن الروح القدس ولا نطفئ عمله فينا:
هكذا ينصحنا القديس بولس الرسول أن لا نُحزن روح الله القدوس الذي به خُتِمنا ليوم الفداء (أف 4: 30). يقول هذا بعد سلسلة طويلة من قواعد السلوك المسيحي وبعد أن يعطي نصائح بأن لا تخرج كلمةً شريرة من أفواهنا بل كلَّ ما هو صالح للبنيان.
ويشرح لنا القدِّيس يوحنا ذهبي الفم هذه الآية في رسالة أفسس وخطورتها قائلاً:
إذا كان هو الذي وضع علينا الوسم كرعية ملكية؛ وهو الذي يفصلنا عن جميع الأمور السابقة؛ وهو الذي لا يسمح بأن نربُض بيْن أولئك المُعرَّضين لغضب الله - فهل بعد هذا نُحزِنه؟
كما ينصحنا القديس بولس بأن لا نطفئ الروح (1 تس 5: 19).
ويشرح القدِّيس ذهبي الفم هذه الآية أيضاً موضحًا الأمور التي تطفئ الروح، فيقول
أولاً أن المقصود بذلك هو هبة النعمة لأن هذه عادة القديس بولس أن يدعو هبة الروح. ثم يقول أن الحياة غير النقية تطفئ هذه الهبة كما لو أن شخص يلقي ماء وتراب على ضوء مصباح فيطفئه أو ينزع منه الزيت، وأيضًا الأمور الأرضية تطفئ الروح.
أوضح السيد المسيح حكم من يجدف على الروح القدس في أكثر من موضع:
(مر 3: 28، 29؛ لو 12: 10) "إن جميع الخطايا تغفر لبني البشر، والتجاديف التي يجدفونها. ولكن من جدَّف على الروح القدس فليس له مغفرة إلى الأبد، بل هو مستوجب دينونة أبدية".
فالتجديف على الروح القدس يعني رفض الإنسان عمله لنهاية حياته، لأنه لو تاب في آخر لحظة تُغفر له خطيته، مثل اللص اليمين الذي آمن بالمصلوب رغم كل الظروف المحيطة ومظهر الضعف الذي كان عليه السيد المسيح واعترف بخطئه أنه عقابه كان عادلاً يستحقه، كما اعترف بأن المسيح ملك سماوي له ملكوته، وأنه يحتاج أن يذكُره حين يأتي إلى ملكوته فغفر له الرب وأدخله الفردوس.
هكذا يعلِّمنا قداسة البابا شنودة الثالث:
[التجديف على الروح القدس هو رفض كل عمل للروح القدس في القلب والعقل والإرادة، رفضًا كاملاً دائمًا مدى الحياة. أو أنه يطرد الروح القدس من قلبه مدى الحياة، ويرفض أن يشترك معه غي أي عمل، ولا يصغي لصوت الله في قلبه، ولا لتأنيب على خطية .. مدى الحياة.][17]
أيضًا في (مت 12: 31، 32) قول السيد المسيح: "كل خطية وتجديف يُغفر للناس، وأما التجديف على الروح فلن يُغفر للناس. ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له، وأما من قال على الروح فلن يغفر له، لا في هذا العالم ولا في الآتي".
فماذا تعني هذه العبارة؟ المقصود بالتجديف على ابن الإنسان الذي يمكن أن يُغفر للشخص، أن الشخص لا يؤمن بأن ابن الإنسان هو الله الظاهر في الجسد. وهذا يحتاج إلى عمل الروح لكي يؤمن، وطالما أن الروح ساكن في الإنسان بالمعمودية فسوف يساعده على الإيمان، ما لم يقاوم عمله للنهاية ولم يستجب إرشاده، ففي هذه الحالة يعتبر قد جدَّف على الروح القدس، ولا تكون له مغفرة.
وعن هذا المفهوم يقول القديس أثناسيوس مفسرًا قول السيد المسيح في (مت 12: 31، 32) ردًا على الفريسيين الذين قالوا عنه أنه يُخرج الشياطين ببعلزبول:
[إن التجديف على الروح القدس أعظم من التجديف على ناسوته، مثل الذين يقولون "أليس هذا ابن النجار؟" (مت 13: 55). أما الذين يجدفون على الروح القدس وينسبون أعمال الكلمة (السيد المسيح) للشيطان، فهؤلاء عقابهم حتمي.][18]
أيضًا القديس كيرلس الأورشليمي يقول معلقًا على هذه الآيات:
["من قال على الروح القدس فلن يُغفر له" ... دائمًا هناك خوف لئلا يقع إنسان في هذه الإدانة من خلال الحديث عنه ليس كما ينبغي، إما عن جهل أو توقير مزعوم. لذلك يسوع المسيح ديّان الأحياء والأموات أعلنها أن لا مغفرة له.][19]
عاشرًا - ثمار الروح القدس بالمقابلة لمواهب الروح
المواهب يمنحها لنا الروح لتفيدنا في حياتنا. أما الثمار فهي ظهور تأثير عمل الروح فينا ودورنا في الاستفادة من عمله. وهي الميزان لنا الذي نحكم به على أنفسنا قبل أن يُحكم علينا، ما إذا كانت لنا هذه الثمار أم لا ... فهي تعني استجابتنا لعمل الروح أم عدم استجابتنا.
ثمر الروح ورد بالتحديد في (غلا 5: 22):
"وأما ثمر الروح فهو: محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف"
إذا كنا نسلك حسب الروح في طاعة له سيظهر هذا كثمر في حياتنا. وكل من هذه الثمار له آيات أخرى توضحه:
محبة: "أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم" (مت 5: 44).
فرح: "افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا" افرحوا" (في 4: 4؛ 3: 1).
سلام: "لا تهتموا بشيء، بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر، لتُعلم طلباتكم لدى الله. وسلام الله الذي يفوق كل عقل، يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع" (في 4: 6).
طول أناة؟ "ليكن حلمُكم معروفًا عند جميع الناس" (في 4: 5).
لطف: "كونوا لطفاء بعضكم نحو بعض، شفوقين، متسامحين كما سامحكم الله أيضًا في المسيح" (أف 4: 32).
صلاح: "الصالح ينال رضى من قِبل الرب " (أم 12: 2)؛ "الإنسان الصالح من الكنز الصالح في القلب يُخرِج الصالحات" (مت 12: 35)
إيمان: "أما الإيمان فهو الثقة بما يُرجى والإيقان بأمور لا تُرى" (عب 11: 1)؛ "بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه" (عب 11: 6).
وكما أن الإيمان من ثمار الروح هو أيضًا من مواهب الروح للمستعدين: "فإنه لواحد يعطَى بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام عِلم بحسب الروح الواحد، ولآخر إيمان بالروح الواحد ... (1 كو 12: 8، 9)
وداعة : على مثال رب المجد الذي قال: "تعلَّموا منِّي لأني وديع ومتواضع القلب" (متى 11: 29) ... "زينة الروح الوديع الهادئ، الذي هو قدام الله كثير الثمن" (1بط 3: 4).
تعفف: "وأنتم باذلون كل اجتهاد – قدِّموا في إيمانكم فضيلة، وفي الفضيلة معرفة، وفي المعرفة تعفف، وفي التعفف صبرًا ..." (2بط 1: 5، 6).
إحدى عشر - موهبة التكلم بألسنة في مفهوم الآباء
وردت بالتفصيل في رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل كورنثوس. وقد تكلَّم عنا من الآباء الأولين القديس غريغوريوس اللاهوتي، والقديس يوحنا ذهبي الفم في تفسيره للإصحاح 14 رسالة كورنثوس الأولى ... كما تكلَّم عنها بإسهاب مثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث في كتابه "الروح القدس وعمله فينا" وأيضًا في محاضرة لقداسته فسَّر فيها رسالة بولس الرسول الأولي إلى أهل كورنثوس.
توقيت المعجزة كان يوم الخمسين لأن الغرض من الألسنة هو نشر الإيمان فقد اختار الله عيد الخمسين حيث كان هناك في أورشليم يهود أتقياء من كل أمة تحت السماء، من بينها مصر، فهؤلاء سمعوا البشارة والكلام بعظائم الله بلغتهم وعادوا بها إلى بلادهم المختلفة لتكون بذرة الإيمان لبشارة الرسل فيما بعد كما حدث في مصر بمجيء القديس مرقس الرسول الذي أسس المسيحية في مصر بكرازته.
هكذا حل الروح القدس على التلاميذ في البيت حيث كانوا جالسين، فامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا. فبهت هؤلاء اليهود المجتمعين لما سمعوا الصوت لأن كل واحد كان يسمعهم يتكلمون بلغته، وتحيَّروا لأنهم يعلمون أن جميع المتكلمين جليليين! بل إن البعض كانوا يستهزئون بهم!
بدأت الخدمة بعد الامتلاء من الروح القدس بعظة بطرس الرسل بقوة الروح القدس الناري، أكَّد في أولها أن هؤلاء ليسوا سُكارى كما يظنون لكن هو تحقيق لنبوة يوئيل النبوة "ويكون في الأيام الأخيرة أني أسكب من روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم ... وأعطي عجائب في السماء من فوق وآيات على الأرض من أسفل" (أع 2: 14-19). لهذا كان من الضروري أن ينالوا هذه الموهبة من أجل الخدمة.
وعن الغرض الذي من أجله نال الرسل هذه الموهبة أولاً تكلم القديس يوحنا ذهبي الفم:
[لماذا نال الرسل هذه الموهبة قبل الباقين؟ لأنهم كانوا سيسافروا للخارج إلى كل مكان. وكما في وقت بناء البرج انقسم اللسان الواحد إلى ألسنة كثيرة، هكذا إذًا الألسنة الكثيرة اجتمعت في شخص واحد، ونفس الشخص اعتاد أن يتحدث بالفارسية والرومانية والهندية وكثير من الألسنة الأخرى، إذ الروح يتكلم في داخله. ودُعيت الموهبة موهبة ألسن لأنه كان يمكنه في الحال أن يتكلم لغات متعددة.][20]
فما المقصود بأن كل واحد سمعهم يتكلمون بلغته؟ هل كانوا يتكلَّمون بلغتهم الأصلية والمستمعون يسمعونها بلغاتهم المختلفة، أم أن الرسل تكلَّموا بلغات مختلفة حسب ما أعطاهم الروح؟
هذا يناقشه ويوضِّحه القديس غريغوريوس اللاهوتي في مقاله عن البندكستي، يقول:
[تكلموا بألسنة غريبة ليست ألسنة وطنهم. وياللعجب الكبير، لغة تكلمها أولئك الذين لم يتعلموها! العلامة (الأعجوبة) كانت للذين لا يؤمنون وليس للذين يؤمنون، لكي تكون اتهامًا لغير المؤمنين، كما هو مكتوب: "إنه بشفاه لكناء وبلسان آخر يكلم هذا الشعب ... ولكن لم يشاءوا أن يسمعوا" (إش 28: 11). ولكنهم سمعوا. هنا نتوقف برهة ونتساءل ... هل كل منهم سمع لغته الخاصة، حتى أنني يمكن أن أقول أن صوت واحد صدر ولكن أصوات كثيرة سُمِعت؟ وهكذا كأنه قرع للهواء، وإذا جاز التعبير، فإن الأصوات الناجمة تكون أكثر وضوحًا من الصوت الأصلي. أو نتوقف بعد عبارة "وسمعوهم" ثم نضيف "يتكلمون بلغاتهم" إلى ما بعدها بحيث يكون أنهم تكلموا إلى المستمعين بلغتهم الخاصة (أي بلغة المستمعين)، فتكون لغة أجنبية للمتكلمين؟ - لأنهم بهذا تكلموا بلغات أخرى - لأن لو أخذنا بالتفسير الآخر تكون المعجزة معجزة المستمعين وليس المتكلمين، بينما هنا تكون المعجزة في جانب المتكلمين، فهم الذين اتهموا بالسكر، من الواضح لأنهم بالروح صنعوا معجزة في موضوع الألسنة.][21]
إذًا يرى القديس غريغوريوس اللاهوتي أن المعجزة كانت للمتكلمين فهم الذين تكلموا بلغات أخرى. كما يرى أن المعجزة كانت لإعادة توحيد الألسنة التي تبلبلت بسبب شرهم وخطتهم لبناء برج (تك 11: 7). هكذا كان سكب روح واحد على الكثيرين ليسمعوا الكلمة كل بلغته من أجل خلاص الجميع ...
لكن ما مدي ضرورتها للكنيسة اليوم؟
كان التكلُّم بألسنة آية ليس للمؤمنين بل لغير المؤمنين، كما يقول القديس بولس الرسول في (1 كو 14: 22)، أو كان للخدمة ولتوصيل كلمة الرب لمن لا يعرفون لغة المتكلِّم ... هكذا لا تكون هناك ضرورة للتكلُّم بألسنة في أيامنا الحالية، حيث توجد ترجمات مكتوبة وفورية يتمكَّن بها الجميع في كل أنحاء العالم من فهم كل ما يقال. أما لو كان اللسان غير مفهوم فلا تكون هناك فائدة بل يُعتبرون أنهم يهذون، كما يقول القديس بولس الرسول صراحة: "فإن اجتمعت الكنيسة كلها في مكان واحد، وكان الجميع يتكلَّمون بألسنة، فدخل عاميون أو غير مؤمنين، أفلا يقولون إنكم تهذون؟" ويؤكد أن يكون كل شيء للبنيان وبنظام "فليكن كل شيء للبنيان. إن كان أحد يتكلَّم بلسان، فاثنين اثنين، أو على الأكثر ثلاثة ثلاثة، وبترتيب" ثم يقول لابد من ترجمة وإلاّ فليصمت من يتكلَّم بلسان (1 كو 14: 23، 27، 28) ... فالهدف إذًا للبنيان، للخدمة، لتوصيل الرسالة ... فما بالكم لو كانت الألسنة بدون معنى غير مفهومة والحضور جميعًا لغة واحدة؟ ماذا يكون الهدف منها إذًا؟ يكون الأمر كآلة موسيقية تصدر أصوات بلا معنى أو كشخص يتكلَّم في الهواء، فلا ينتفع أحد.
وقد شرح البابا شنودة ذلك بالتفصيل، وأيضًا القديس يوحنا ذهبي الفم في تفسيره لرسالة كورنثوس الأولي، بقوله أن ما يقصده بولس الرسول أنه إذا لم أكن أقول ما يمكنك أن تفهمه ويكون واضحًا، وإنما مجرَّد استعراض أن لديَّ موهبة الألسنة، بألسنة لا تفهمها فستخرج دون أي نوع من الفائدة، لأن كيف تستفيد من صوت غير مفهوم؟
هكذا يتحدث أيضًا القديس يوحنا ذهبي الفم تعليقًا على الأيات (1كو 14: 7-19) بعبارات صريحة عن عدم نفع الألسنة ما لم يكن هناك ترجمة لها، فيقول:
["إن لم تُعطوا باللسان كلامًا يُفهم، فكيف يُعرف ما تُكلِّم به؟ فإنكم تكونون تتكلمون في الهواء" (1كو 14: 9)، أي تنادون على لا أحد وتكلمون لا أحد. هكذا في كل موضع يُظهر عدم نفعها (الألسنة). قد يقول أحد: إذا كانت بلا منفعة فلماذا أُعطيت؟ أُعطيت لكي تكون نافعة لمن أخذها. لكن إذا كان لابد أن تكون كذلك لآخرين، فلابد من إضافة ترجمة ... فإذا لم يكن للشخص ذاته موهبة الترجمة يمكنه أن يصحبه آخر له موهبة الترجمة فتكون موهبته نافعة من خلاله. لذلك ففي كل موضع يبرز نقص الموهبة لكي يربط الاثنان معًا ... فالموهبة حقًا ممتازة ولازمة، ولكنها هكذا عندما تجد من يوضح ما يقال. فكما أن الإصبع لازم، لكنه حين ينفصل عن باقي الأعضاء لن يكون مفيدًا بنفس القدر، والبوق لازم، ولكن عندما يصدر صوتًا عشوائيًا يكون بالأكثر إزعاجًا.][22]
أيضًا تعليقًا على الآيات (1كو 14: 11، 16، 17):
[انظروا كيف في كل موضع باجتهاد يعفي الموهبة من اللوم ويلقي التهمة على من ينالها، فهو لم يقل "أكون أعجميًا" وإنما "أكون عند المتكلم أعجميًا". وأيضًا لم يقل "ويكون المتكلم أعجميًا" وإنما يكون "المتكلم أعجميًا عندي" ... ثم يتدرج بالمناقشة إلى القول أنه ليس فقط للآخرين يكون بلا منفعة، ولكن أيضًا له هو نفسه، إذا كان وهو يصلي بلسان الذهن بلا ثمر. لأنه إذا كان شخص يتكلم فقط بالفارسية أو أي لسان أجنبي، ولا يفهم ما يقول، يكون بالطبع بالنسبة لنفسه أيضًا أعجميًا، وليس للآخر فقط، طالما لا يعرف معنى الصوت. لأنه قديمًا كثيرون كان لهم موهبة الصلاة وبلسان، وصلوا وتكلم اللسان، بصلاة إما بالفارسية أو اللاتينية، ولكن بذهنهم لم يكونوا يعرفون ما يقولون. لذلك قال: "لأنه إن كنت أصلي بلسان، فروحي تصلي، وأما ذهني فهو بلا ثمر".][23]
ويؤكد القديس يوحنا ذهبي الفم فكره أن الرسل تكلموا بلغات أخرى، في تعليقه على العبارة: "فإن باركت بالروح، فالذي يشغل مكان العامي، كيف يقول "أمين" عند شكرك"؟ لأنه لا يعرف ماذا تقول! فإنك أنت تشكر حسنًا، ولكن الآخر لا يُبنى" يقول أن بولس الرسول يعني أن اللسان يمكن أن يتكلم، والذهن لا يجهل الأشياء التي تقال، وإلا فيكون هناك ارتباك ... فحسنًا أنك تشكر ولكن الآخر لا يُبنى. فهنا أيضًا يركز على بناء الكنيسة[24]
هنا نلاحظ أيضًا الرأي بالنسبة لمن يتكلمون ألسنة غير مفهومة أساسًا، مجرد لغو هم أنفسهم لا يعرفون ما يقولون. فيقول أن اللسان يتكلم لكن لابد أن الذهن أيضًا يفهم ما يقال. هذا بالإضافة إلى أن الغرض وهو بناء الكنيسة لا يتحقق.
اثني عشر - عمل الروح القدس في الأسرار
نتناول بايجااز شديد عمل الروح القدس في كل سر من الأسرار السبعة المقدسة:
سر المعمودية:
عمل الروح في هذا السر أنَّه يقدِّس مياه المعمودية بصلوات طقسية فتتحول إلى رحم، وتعطي الفاعلية المطلوبة لأن الماء بذاته كمادة ليس له فاعلية. فإذا كانت هناك أية نعمة في المياه فهي ليست من طبيعة المياه وإنما من حضور الروح القدس (كما يقول القديس باسيليوس الكبير والقديس غريغوريوس النيسي ومعظم الآباء)، حتى أن الأب الكاهن بعد انتهاء العماد يصرف المياه بصلوات أخرى لتعود إلى طبيعتها..
وتكمن أهمية المعمودية في أنها كما يقول الكتاب شبه موت المسيح وقيامته. يلخِّصها القديس باسيليوس في كتابه "عن الروح القدس" بقوله:
[أن الرب أعطانا عهد المعمودية لتكون مثال الحياة والموت. المياه تمثل صورة الموت، والروح يعطي عربون الحياة].
ثم يقول أن للمعمودية غايتين، من جهة تبيد جسد الخطية "عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطية" (رو 6: 6) بهذا ننال مغفرة الخطية الجدية والخطايا السابقة على المعمودية في حالة معمودية الكبار ... ومن جهة أخرى أن نحيا بالروح ويكون لنا ثماره ... الروح يسكب القوة المحيية، فيجدِّد نفوسنا من موت الخطية من خلال الثلاث تغطيسات وباستدعاء الروح القدس ثلاث مرات يتم سر المعمودية العظيم. من خلاله أيضًا نصير أبناء وننال مع الحياة استنارة، ونصير أعضاء في جسد المسيح.
سر التثبيت/الميرون:
الروح القدس يقدِّس الزيت فيكون له هذه الفاعلية بالصلوات وعلامة الصليب.
أسسه أيضًا السيد المسيح عندما قال: "من آمن بي، كما قال الكتاب، تجري من بطنه أنهار ماء حي. قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه، لأن الروح القدس لم يكن قد أعطي بعد، لأن يسوع لم يكن قد مجِّد بعد" (يو 7: 38، 39).
سر التوبة والاعتراف:
عمل الروح هنا هو الذي يعطي السلطان للكهنة، وهو الذي يعطي الحل للخاطئ التائب بصلوات الأب الكاهن ليحمِّلها على صليب المسيح على المذبح فينال المعترف المغفرة بالتناول من الجسد والدم المقدَّسين.
سر الإفخارستيا:
عمل الروح القدس هنا هو تحويل الخبز والخمر إلى جسد ودم حقيقي للرب يسوع المسيح.
سر مسحة المرضي:
عمل الروح القدس في هذا السر هو تقديس هذا الزيت لتكون له فاعلية الشفاء والمغفرة. وإشارة الرب إليه كانت في مثل السامرى الصالح والرجل الذي وقع بين اللصوص. ضمد جراحاته وصب عليها زيتًا وخمرًا (لو 10: 34).
سر الزيجة المقدَّس:
عمل الروح القدس في هذا السر هو أن يوحِّد الاثنين ليكونا واحدًا بالصلاة الكنسية الطقسية. نراهم اثنان والحقيقة بعد الصلوات وعمل الروح هما واحد.
سر الكهنوت:
عمل الروح القدس ينقل هذا السلطان للكهنة بالنفخة من فم الأب البطريرك ليمنح الكاهن عطية الروح القدس لغرض مباشرة خدمة الكهنوت بكل جوانبها.
نختم بطلبة عيد البندكستي ندعو الروح القدس فيها قائلين:
"أيها الملك السمائي .. المعزِّي.. روح الحق .. الحاضر في كل مكان ..
آمين
⸭
Comments
Post a Comment