القيامة المجيدة (5) - إمكانية قيامة الأجساد - دكتورة وداد عباس توفيق
The Glorious Resurrection (5) by Wedad A. Tawfik, PhD
⸭
القيامة المجيدة
(5)
إمكانية قيامة الأجساد
د. وداد عباس توفيق
عرفنا أن قيامة الأجساد حقيقية، وأنها ضرورية ... فهل قيامة الأجساد ممكنة؟
إمكانية قيامة الأجساد
لدينا الشهادة الصادقة من القديس بولس الرسول أن القيامة سوف تتم في لحظة، في طرفة عيْن (1 كو 15: 52)، فالأجساد التي كانت ميِّتة من زمنٍ طويل وصارت ترابًا سوف تقوم بسهولة وخفة، وقد رأينا أمثلة في الكتاب المقدس من العهدين لأناس قاموا بالفعل.
أيضًا من جهة إمكانية القيامة فلنأخذ أنفسنا كمثال...
هكذا يقول ترتليان في "دفاعه":
[ماذا كنت قبل أن تأتي إلى الوجود؟ عدم ... لا شيء ... فلو كنت شيئًا لكنت تذكرت ذلك. إذن أنت يا من كنت من قبل عدمًا قبل وجودك وعدت إلى العدم ثانية عندما توقَّفت عن الوجود، لماذا تستبعد أن تعود ثانية من العدم بمشيئة ذات الخالق الذى بمشيئته خلقك من العدم أولاً؟ هل هذا شيء جديد؟ لقد كنت عدمًا ثم خُلقت ... سيكون من الأسهل بالتأكيد أن يجعلك ما كنت عليه بداية، طالما كانت نفس القوة الخلاَّقة قد خلقتك بدون صعوبة حيث لم تكن موجودًا من قبل ... فحتى العدم، هو فى يد رب الكل].[1]
إذَا الخلق من العدم يعلِّمنا حقيقة القيامة، إذا كان قد صنع أولاً ما يبدو أكثر صعوبة بالنسبة لفهمنا، وليس بالنسبة لله، لأنه لا شئ يصعُب عليه، فكم من الأيسر أن يعيدنا نحن الذين صرنا ترابًا أو فنينا كلية إلى الحياة! لكن لابد من الإيمان لكي نصدِّق هذا. انظروا إلى توالد الجنس البشري، من بذرة صغيرة داخل الرحم يتكوَّن كائن حىي من نفس جنس والديه! والنباتات أيضًا: القمح مثلاً مجرد بذرة تتحلَّل وتُخرج سنبلة ثم حبة. هل لا يستطيع الله بعد كل ذلك أن يعيد أجسادنا إلى شكلها الأول؟!
والقديس كيرلس الأورشليمي أيضًا في محاضرة (18) من محاضراته التعليمية يثبت إمكانية القيامة بالمنطق لمن لا يؤمنون بالكتاب المقدَّس، بعدة أمثلة:
الشمس وهي مخلوق صغير بإشراقة شعاع واحد تعطي الدفء للعالم كله، فهل الله الخالق الشمس يكون بعيدًا عن العالم؟ والشجرة بعد أن تُقطع تزهر ثانية بينما الإنسان الذي من أجله خلقت كل الأشياء لا يقوم ثانية؟! ودليل آخر على قيامة الأموات نراه من شهرٍ لشهر من الأجرام السماوية: يختفي جسم القمر تمامًا ثم يعود ثانية إلى شكله السابق، وفي سنوات معيَّنة يحدث له خسوف ثم يستعيد جسمه المضيء، فكيف ترفض مصداقية قيامة الأموات؟ وهل عصا موسى تصبح حية ويستحيل على الله أن يجعل أجساد الأبرار تحيا ثانية؟ وهل عصا هرون تحيا من الموت وتزهر وهرون نفسه لا يقام؟ وهل امرأة لوط تتحوَّل إلى عمود ملح وامرأة إبراهم لا تقوم ثانية؟ ... ومن أين في البداية جاء الإنسان إلى الوجود؟ من تراب. هل التراب يتحوَّل إلى جسد والجسد لا يعود ثانية؟ ومن أين السموات وجدت والأرض والبحار؟ من أين الشمس والقمر والنجوم؟ وكيف المياه والأرض أخرجت كائنات حية؟ فهل هذه كلها تأتي إلى الوجود من العدم ونحن البشر الذين لنا صورة الله لا نقام؟!!![2]
بل إن الأجساد التي تفنى، سوف تقوم ... وهناك مثال معروف لقيامة الأجساد بعد أن تتحلَّل وتصير عظامًا:
ويؤكد القديس أغسطينوس في كتابه "مدينة الله"، حقيقة القيامة للأجساد التي تحلَّلت أو انتهت بصورة أو بأخرى ... يقول:
[حاشا أن نخشى أن الخالق كليِّ القدرة لا يستطيع أن يعيد الأجساد أو يستدعي الأجزاء التي فنيت بالوحوش أو بالنار، أو تحلَّلت إلى تراب أو رماد، أو ذابت في المياه، أو تبخَّرت في الهواء! حاشا أن نفكِّر أن أي شئٍ مخفى عن عيوننا في أي موضع خفيِّ من الطبيعة يمكن أن يخفى على الخالق أو يفوق قدرته!][3]
ويواصل القديس أغسطينوس القول: رغم أن الجسد يكون قد هلك كلية بحيث لم يعد هناك أي جزء من جوهره باقيًا في أى موضع خفيِّ من الطبيعة، لكن يظل في مقدور الضابط الكل أن يعيده بالطريقة التي يراها مناسبة.
أيضًا كيف أن كلَّ شئٍ واضحٌ أمام الله. هو يعلم ما في قلب البشر بينما أنت لا تعلم ما في قلب قريبك. فلأنك لا تعرف كيف يقيم الله البشر لذلك لا تؤمن أنه يقيمهم. لكن ألا تؤمن أنه يعرف ما فى فكرك؟ إذا كنت تؤمن، وكلاهما غير واضح للنظر، فكيف لا تؤمن بالقيامة. على الأقل الأجساد شئ مرئى حتى لو تحلَّلت، أما الأفكار فهى غير مرئية، فهل الذى يعرف الأشياء غير المرئية لا يرى الأشياء المرئية ويميِّز أجزاء الجسد المتناثرة؟!
كما يشير ترتليان في "دفاعه" إلى أن التدبير الإلهي والحكمة الإلهية جعلتا الكوْن يتكوَّن من عناصر متباينة، حتى أن كل الأشياء تتشكَّل من أشياء متعارضة في وحدة: الأشياء الحية والغير الحية، المدركة والغير المدركة، نورٌ وظلمة، حياةٌ وموت. حتى الزمن يسير بترتيبٍ ونظام، الجزء الأول منه الذى نحياه الآن، ومن بداية العالم، يسير بنظامٍ مؤقت حتى نهايته. ثم يأتي الجزء الذي يعقبه والذي نتطلَّع إليه فيستمر إلى ما لانهاية. كل الخليقة بالفطرة متجدِّدة، كلُ شئٍ يعود إلى حالته بعد أن اختفى عن الأنظار.[4]
أيضًا يقول ترتليان في كتابه عن قيامة الجسد أن السيد المسيح يعطينا مثال العصفورين: أن واحدًا منهما لا يسقط على الأرض بدون مشيئة الله (مت 10: 29):
[يقول هذا لكي تؤمن أن الجسد الذي أودع في الأرض قادر بنفس الطريقة أن يقوم ثانية بمشيئة الله ذاته. ورغم أن هذا غير متاح للعصافير، ولكن نحن أفضل من عصافير كثيرة (مت 10: 31) ... ويؤكد "فحتّى شعور رؤوسكم جميعها محصاة" (مت 10: 30) ... فإذا كانت الشعور تُفقد، فماذا تكون فائدة الاهتمام العددي بها؟ بالتأكيد الفائدة الوحيدة تكمن في هذه الحقيقة: "أن كل ما أعطاني لا أُتلف منه شيئًا، بل أقيمه في اليوم الأخير" (يو 6: 39)، ولا شعرة، ولا عين، ولا سن. وإلاّ فمن أين يكون "البكاء وصرير الأسنان" (مت 8: 12 ...) إن لم يكن من العيون والأسنان؟ ... وأيضًا الذي ليس عليه ثياب العرس، ثياب الأعمال الصالحة تُربط يديه ورجليه، مما يعني أنه يقوم بجسده ... وأيضًا الجلوس على عروش المسيح، والوقوف في النهاية عن يمينه وعن يساره، والأكل من شجرة الحياة ... ما هذا كله سوى أدلة مؤكَّدة على مصير الجسد.][5]
كل الأشياء تبدأ من جديد بعد أن تكون قد انتهت. كلُ شئٍ بهذا النظام المتتابع يشهد للقيامة من الأموات.
هذا عن إمكانية القيامة وأنها ليست أمر مستحيل حتى بالمنطق ...
⸭
[1] Tertullian: Apology, Ch. 48, p. 53, in Vol. 3, Ante Nicene Fathers
[2] St. Cyril of Jerusalem, Catechetical Lectures 18: 6-13, P. 135-137 in Vol. 7, NPNF, 2nd Series
[3] St. Augustine, The City of God, Book 22, Ch. 19, p. 498
[4] Tertullian, Apology, Ch. 48, P. 53 in Vol. 3, Ante Nicene Fathers
[5] Tertullian, On the Resurrection of the Flesh, Ch. 35, P. 571 in Vol. 3, Ante Nicene Father
Comments
Post a Comment