القيامة المجيدة (7) قوة القيامة وكيف ننال هذه القوة - دكتورة وداد عباس توفيق
القيامة المجيدة
(7)
قوة القيامة وكيف ننال هذه القوة
د. وداد عباس توفيق
أولاً - قوة القيامــة
يقول القديس بولس الرسول: "لأعرفه وقوة قيامته ... لعلِّي أبلغ إلى قيامة الأموات" (في 3: 10، 11). فما هي تلك القوة التى كان يريد بولس الرسول أن يعرفها؟ إنها القوة التي من الأعالي، التي قال عنها رب المجد للتلاميذ: "لا تبرحوا أورشليم حتى تُلبسوا قوة من الأعالي"... إنها قوة عمل الروح القدس داخلهم. وبالطبع ليس هم فقط، بل كل من آمن بالسيد المسيح وبقيامته ونال الروح القدس بالمعمودية والتثبيت ينال هذه القوة تسنده في مسيرة حياته.
كانت لقيامة السيد المسيح قوَّتها للمؤمنين:
1. بقيامة السيد المسيح قضى على الموت فأصبح لنا رجاء في قيامة أجسادنا وفي حياة أبدية ... في القيامة أعلن انتصاره على الموت كما يقول القديس بولس الرسول: "أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية" (1 كو 15: 55). وبانتصاره أباد الموت وأعطانا الحياة الأبدية كما ترنِّم الكنيسة في لحن دورة القيامة: "المسيح قام من الأموات. بالموت داس الموت والذين في القبور أنعم لهم بالحياة الأبدية". ونفس العبارة تقال أيضًا في قسمة الآب في القداس الإلهي في عيد القيامة والخمسين المقدَّسة التالية له ... وهذا الانتصار على الموت أكَّده الكثيرمن آباء الكنيسة، كما سنرى.
يقول قداسة البابا شنودة الثالث:
[قام المسيح لأنه ما كان ممكنًا للموت أن ينتصر عليه، كان يحمل في ذاته قوة قيامته ... قام، وفى قيامته أعطى البشرية نعمة القيامة ... قام منتصرًا وداس الموت، ليقودنا في موكب نصرته، ولكي يعطينا عدم الخوف من الموت.[ ]بموته داس الموت ... الذى انتصر على كافة البشر، فنجَّاهم السيد من هذا الموت بموته عنهم، ودفع ثمن خطاياهم وهكذا قضى على سلطان الموت.][1]
ونفس المعنى نجده عند القديس أثناسيوس الرسولى:
]أباد الموت وأسبغ عدم الفساد على الجميع بوعد القيامة، إذ أقام جسده كباكورة، وأظهره بعلامة الصليب كشاهد انتصار على الموت والفساد.][2]
وأيضًا القديس إيريناؤس في كتابه ضد “الهرطقات" يؤكد أن القيامة انتصار على الموت، يقول:
]كما أن جنسنا هبط إلى الموت بسبب الإنسان المهزوم، يمكن أيضا أن نرتفع إلى الحياة ثانية عن طريق الإنسان المنتصر. وكما أنه بإنسان نال الموت النصر علينا، هكذا أيضا بإنسان ننال النصر على الموت.][3]
وورد في رسالة برنابا أيضًا في نفس المعنى:
]احتمل أن يتألَّم على يد البشر ... حتى يُبيد الموت ويُظهر القيامة من الأموات.][4]
وعبارة أخرى رائعة للقديس غريغوريوس النيسي، يقول:
هذه هي القيامة، أي العودة بعد أن انحلت العناصر التي كانت مرتبطة من قبل في وحدة لا تنحل ... وهنا سر تدبير الله من جهة موته وقيامته من الأموات: بدلاً من منع تحلل جسده بالموت والنتائج الطبيعية الضرورية، أعادهما لبعضهما بالقيامة، لكي يصير بذاته الأساس المشترك لالتقاء الحياة والموت.[5]
ويقول أيضًا: رغم تشكُّك البعض في جهل بقوة ووعود الله، إلاّ أن تشككهم هذا لا يُبطل أمانة الله.
أذًا لم يعد الموت الذي نموته هو الموت السابق المؤدّي إلى الجحيم، وإنما أصبح حالة انتقال لوضع أفضل يعبر عنه بلفظ "رقاد"، بحسب طبيعة الأجساد الترابية.
2. بقيامته أيضًا أعطانا نعمة القيامة في عدم فساد ... يقول القديس بولس الرسول عن ذلك: "يقام الأموات عديمي فساد، ونحن نتغيَّر. لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت عدم موت .." (1 كو 15: 52- 53). يُبتلع الموت إلى غلبة وتنكسر شوكته التي هي الخطية سبب الفساد. الجسد الأول الترابي كان في فساد وكان مائت، أما جسد القيامة الذي نقوم به في القيامة العامة فهو بغير فساد وغير قابل للموت ثانية.
أما ضرورة أن يلبس جسدنا الفاسد عدم فساد فلكي يصلح أن يدخل الملكوت ويحيا إلى الأبد، لأن "لحمًا ودمًا لا يقدران أن يرثا ملكوت الله، ولا يرث الفساد عدم الفساد" (1 كو 15: 50). هذا لأن مجد السماويات شيء، ومجد الأرضيات آخر ... "هكذا قيامة الأموات: يُزرع في فساد ويقام في عدم فساد. يُزرع في هوان ويقام في مجد. يُزرع في ضعف ويقام في قوة. يُزرع جسمًا حيوانيًا ويقام جسمًا روحانيًا" (1 كو 15: 42-44).
لهذا كان موت المسيح ليُبطل الفساد عن الجميع بنعمة القيامة، كما يقول القديس أثناسيوس في "تجسد الكلمة":
[لأن الكلمة (المسيح) رأى أن فساد البشر لا يمكن أن يبطل إلاّ بالموت كشرط لازم، وإذ غير مائت وابن للآب، لهذا أخذ لنفسه جسدًا قابلاً للموت لكي بمشاركته الكلمة الذي هو فوق الكل يكون مستحقًا أن يموت نيابة عن الكل، وبسبب الكلمة الذي سكن فيه يظل غير فاسد، ومن ذلك الحين يبتعد الفساد عن الجميع بنعمة القيامة.][6]
3. وأيضًا قيامته كانت انتصار على الشيطان ... إذ أباده وأباد سلطانه، كما يقول القديس بولس الرسول موضِّحًا الغرض الذي من أجله المسيح ابن الله الوحيد جاء وشاركنا طبيعتنا: "لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، أي إبليس" (عب 2: 14). هذا هو الغرض أن من خلال هذا الجسد الذي اتَّخذه ومات فيه ينتصر على الشيطان من أجلنا، ويقضي على سلطانه الذي هو الموت، هذا السلطان الذي ناله بسبب خطيتنا.
فكما يقول القديس أثناسيوس:
[جاء الرب ليطرح الشيطان وينقِّي الهواء ويعدّ الطريق لنا إلى السماء، كما يقول الرسول: "طريقًا كرَّسه لنا حديثًا حيًا، بالحجاب، أي جسده" (عب 10: 20). وإذ ارتفع نقَّ الهواء من أذى الشيطان "إذ جرَّد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا، ظافرًا بهم فيه" (كو 2: 15)، وصنع طريقًا جديدًا إلى السماء. كما قال ثانية: "اِرفعن أيتها الأرتاج رؤؤسكن، وارتفعن أيتها الأبواب الدهريات، فيدخل ملك المجد" (مز 24: 7). لأن ليس الكلمة ذاته هوالذي كان يحتاج إلى ذلك، بل نحن الذين حملنا بجسده. فكما قدَّم جسده نيابة عن الكل، هكذا به أعدَّ الطريق إلى السموات.][7]
وعن هذا يقول أيضًا القديس أغسطينوس:
] أي شئ أكثر برًّا من أن يأتي إلى موت الصليب من أجل البر؟ وأي شئ أكثر قوة من أن يقوم من الأموات، ويصعد إلى السماء بذات الجسد الذى ذُبح فيه؟ وهكذا هزم الشيطان أولاً بالبر، وبعد ذلك بالقوة: بالبر، لأنه كان بلا خطية، وذُبح ظلمًا؛ وبالقوة، لأنه بعد أن كان ميتًا عاش ثانية، ولن يموت بعد ذلك أبدًا.[[8]
4. وأيضًا قيامة السيد المسيح تعطى تبريرًا وخلاصًا ومجدًا، وهذا واضح من آيات عديدة:
(رو 4: 25) "الذي أُسلم من أجل خطايانا، وأُقيم لأجل تبريرنا".
(في 3: 20) "فإن سيرتنا نحن في السموات، التي منها أيضًا ننتظر مخلِّصًا هو الرب يسوع المسيح، الذي سيغيِّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده".
(1 تس 1: 10) ".. يسوع الذي ينقذنا من الغضب الآتى".
فقد كان يعمل لخلاصنا حتى وهو في القبر، بعد أن دفع ثمن الخطية بدمه، إذ نزل الجحيم وخلَّص الراقدين على رجاء ونقلهم إلى الفردوس ... تبرير، وخلاص، ومجد ...
ويقول قداسة البابا شنودة الثالث عن ذلك أن روحه المتَّحدة بلاهوته استطاعت أن تعمل عملاً خلاصيًا عجيبًا من أجل الراقدين على رجاء.
5. قيامة السيد المسيح كذلك عربون قيامتنا نحن ... قام المسيح كباكورة يقوم على مثالها الجميع: "ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين. فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات. لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيا الجميع" (1 كو 15: 20 – 22). الجميع أي الذين في المسيح. وأيضًا بالإيمان بفدائه وقيامته ندخل المعمودية فنُدفن معه ونقوم معه على شبه موته: "مدفونين معه في المعمودية، التي فيها أقمتم أيضًا معه بإيمان عمل الله، الذي أقامه من الأموات" (كو 2: 12).
وماذا يعنى كونه "باكورة"؟ يعني أن الذين هو باكورتهم لابد أيضًا أن يقوموا. إذ كيف يكون باكورة إن لم يقم أولئك الذين هو باكورتهم؟ وأيضًا إذا لم يقوموا، لماذا جاء المسيح؟ ولماذا أخذ جسدًا، إن لم يكن ليقيم الجسد ثانية؟ وفي قيامته تنحل الخطية وتزول اللعنة ...
يقول قداسة البابا شنودة الثالث:
]إن الله الذى سمح أن يدخل الموت إلى طبيعتنا، سمح أيضًا برحمته أن تدخل القيامة إلى طبيعتنا.[[9]
ويعلِّق القديس غريغوريوس النيسي على ذلك، قائلاً:
]كما أن أصل الموت نبع من شخص واحد، وانحدر على التوالي لكل جنس البشر، هكذا حياة القيامة تمتد من شخص واحد إلى البشرية.[[10] ... هذا لأنه رأس الجسد الذي هو الكنيسة.
وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم:
[الله أقام الرب، وسيقيمنا نحن أيضًا بقوته ... لأنه إذا كان جسدنا عضو في المسيح، والمسيح أقيم، الجسد أيضًا سوف يتبع الرأس.][11]
هنا نذكر ثانية عبارة "الله أقام الرب" التي سبق توضيحها من قبل بنفس عبارات القديس يوحنا ذهبي الفم ومن نفس العظة، عندما قال إذا سمعتم أن الله أقامه لا تضطربوا لأن نفس أعمال الآب تنسب للابن. وأيضًا لأن الابن قال أنه عن نفسه: "لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها" وكذلك هو في الآب والآب فيه.
6. قوة قيامته تتمثَّل في أن من يؤمن به ولو مات فسيحيا لأنه هو ذاته القيامة وهو ذاته الحياة كما قال عن نفسه: "أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا" (يو 11: 25)؛ "لأن هذه هي مشيئة الذي أرسلني أن كل من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير" (يو 6: 40).
7. قوة قيامته أعطت قوة وشجاعة في الكرازة وقوة في الإيمان، حتى أن الرسل لم يعودوا يخشون اليهود بل واجهوهم بعد أن كانوا خائفين ومختبئين. استطاعوا بقوة قيامة المسيح أن يقولوا لهم "ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس". وكانت الكنيسة تنمو بكرازتهم وبشهادتهم بقيامة الرب يسوع (أع 4: 33). بل أنهم استهانوا بالاضطهادات حتى الموت من أجل الكرازة بقيامته! فلو لم يكن قد قام حقيقة أو أنهم كانوا قد أخفوا الجسد كما زعم اليهود زيفًا ماذا كان يجعل الرسل يخاطروا بحياتهم من أجل أمر يعلمون أنه زائف!! لكنه قام حقيقة وهذا منحهم شجاعة في الشهادة له.
حدث تحوُّل في حياتهم فبدل الخوف صارت شجاعة، بل لدينا مثال شاول الطرسوسي والتحول الكبير الذي حدث له حين رأى السيد المسيح وصار بولس الرسول العظيم.
إذًا قوة القيامة تمثَّلت في: أنه بقيامته أباد الموت وأعطانا رجاء القيامة لحياة أبدية، أعطانا أن نقوم في عدم الفساد، القيامة انتصار على الشيطان، بالقيامة أعطانا تبرير وخلاص ومجد، والقيامة عربون قيامتنا نحن، قيامته تعطي حياة لكل من يؤمن به، وقيامته تعطي شجاعة في الشهادة للحق وقوة في الإيمان ...
ثانيًا - كيف إذَا ننال قوة القيامة؟
بداية بالإيمان به وبقيامته وعمله الخلاصي لأجلنا ... ثم إعلان هذا الإيمان والموت والقيامة معه في المعمودية بشبه موته وقيامته ... ثم الثبات فيه في سر الإفخارستيا ...
· في المعمودية:
"... إن كنَا قد صرنا متَحدين معه بشبه موته، نصير أيضًا بقيامته" (رو 6: 4، 5) فنحن نُدفن معه ونقوم معه في المعمودية. نقوم خليقة جديدة مؤهلة أن تحيا إلى الأبد في القيامة الفعلية العامة. هو على شبه موته وليس موت معه على الصليب. إنه السر الذي رسمه لكي يحيا كل من يؤمن به إذ يولد من جديد نقيًا بغير خطية.
تصوَّروا لو قلنا أننا متحدين به على الصليب وفي القيامة؟ ماذا يعني هذا؟
يعني أننا خلَّصنا أنفسنا بأن متنا عن الخطية، وقمنا ... إذًا ما لزوم المعمودية؟ طالما متنا وقمنا؟ ما لزوم وجود الروح القدس داخلنا يبكتنا ويذكرنا بما قاله؟ ما لزوم الإفخارستيا خاصة ونحن نقول أننا نثبت فيه وهو يثبت فينا؟ ما لزوم هذا السر إذَا لو كنا قد متنا وقمنا وانتهى الأمر؟ ما لزوم الجهاد وسرالاعتراف؟ أليس لأننا نعود فنخطئ من جديد ونحتاج أن نغسل خطايانا؟ بالطبع ليس كل مرة نعمَّد من جديد، فالمعمودية واحدة ولكن سر التوبة والاعتراف مكمِّل ...
ويقول القديس أغناطيوس بوضوح في رسالته إلى الكنيسة التي في تراليان بآسيا:
]بالايمان بموته، ومن خلال المعمودية، تصيرون شركاء قيامته.[[12]
· في الإفخارستيا:
في الإفخارستيا نثبت فيه وننال حياة أبدية وقيامة في اليوم الأخير: "من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت في، وأنا فيه ... من يأكلنى فهو يحيا بى" (يو6: 56، 57). وحين ذهب ليقيم لعازر من الأموات، قال لمرثا أخته: "أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيًا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد" (يو 11: 25). وفي (يو6: 54) يقول صراحة: "من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير" (يو6: 54) ... إنها قيامة متجدِّدة كل يوم بدأت بالموت علي شبه موته في المعمودية، والتوبة المستمرة، ثم القيامة المستمرة في كل تناول من سر جسده ودمه.
المسيح قام ... بالحقيقة قام
⸭
[1] قداسة البابا شنودة الثالث: تأملات في القيامة، ص 32
[2] St. Athanasius, Incarnation of the Word, Ch. 32: 6, P. 53 - Vol. 4 NPNF, 2nd Series
[3] St. Irenaeus, Against Heresies, 5, 21:1, P.549 - Vol. I ANF
[4] Epistle of Barnabas, Ch. 5, P. 139 in Vol. I ANF.
[5] St. Gregory of Nyssa, The Great Catechism, Ch. 16, P. 489 in Vol. 5 NPNF 2nd Series
[6] St. Athanasius, The Incarnation of the Word, 9: 1, P. 40-1 in Vol. 4 NPNF, 2nd Series
[7] St. Athanasius, The Incarnation of the Word, 25: 5, 6, P. 50 in Vol. 4 NPNF, 2nd Series
[8] St. Augustine, On Trinity, Book 13, Ch. 14, P. 177 – Vol. 3 NPNF, 1st Series
[9] قداسة البابا شنودة الثالث: تأملات في القيامة ص 74، 67
[10] St. Gregory of Nyssa: The Great Catechism, Ch. 16, P. 489 - Vol.5 NPNF, 2nd Series.
[11] St. John Chrysostom: Homily 17: 2 On 1st Corinthians, P. 97 – Vol. 12 NPNF, 1st Series
[12] St. Ignatius: Epistle to the Trallians, Ch. 2, P. 66 - Vol. I ANF
Comments
Post a Comment