محارب الآريوسية
دكتورة وداد عباس توفيق
مقدَّمة عن القديس أثناسيوس
أقل ما يمكن أن يُقال عنه أنه أعظم قديس وعالم لاهوت بشهادة العالم كله، حتى أن كتاباته لا تزال هي المرجع اللاهوتي لكثير من المسائل اللاهوتية محل الجدال. وهو الوحيد الذي استحق لقب "رسولي" لعمق فكره وتعليمه.
أبرز من جادل آريوس وأثبت هرطقته ودافع عن الإيمان ضد الآريوسية، حتى قيل لولا أثناسيوس لكاد العالم أن يصير آريوسيًا. ظهر نضوجه المبكر في دفاعه عن الإيمان في مجمع نيقية وكان لا يزال شماسًا للقديس الكسندروس البابا 19 ووقف يرد على هرطقة آريوس أمام بطاركة وأساقفة العالم في المجمع، وصاغ قانون الإيمان الذي هو دستور المسيحية حتى وقتنا هذا. وبرز نضوجه المبكر أيضًا في تأليفه كتابيْن من أعمق الكتب اللاهوتيه وهو في سن الشباب قبل مجمع نيقية، وهما: "رسالة إلى الوثنيين" وهي دعوة للإيمان، وكتاب "تجسد الكلمة" وهو أعظم كتاب عن التجسد.
تميَّز بالشجاعة والقوة والصمود: أمام النفي، أمام الاتهامات، وأمام الانحرافات وأمام الآريوسيين ... واجه الجميع دون خوف حتى قيل له: "العالم كله ضدك يا أثناسيوس"، فقال كلمته الشهيرة "وأنا ضد العالم" حتى عُرف باسم "أثناسيوس ضد العالمAthanasius Contra Mondum ".
أثناسيوس شهد له العالم (كما ورد في مجموعة آباء نيقية) أنه "أسمى بكثير من أي مؤرِّخ آخر في هذه الفترة، من ناحية شهادته الشخصية للوقائع التي يرويها، ومن ناحية أخرى لدقته الكبيرة واستخدامه وثائق فعلية، على نقيض المؤرِّخين المعروفين: روفينوس؛ سقراط، سوزومين؛ ثيؤدوريت ... الذين نادرًا ما يقدِّموا وثائق ويتعيَّن عدم استخدامهم دون أقصى حذر!!"[1]
أما شخصية القديس أثناسيوس فقد وُصف بأنه "شخصية قيادية. بزغ تأثيره الحاسم في عصره وكان لم يتخطى 27 عامًا من عمره حين كان في مجمع نيقية. وكان له شعبية كبيرة في الأسكندرية حتى بين معظم الوثنيين. ويظهر تأثيره في الشعور الواضح لدى الآريوسيين أنه طالما كان موجودًا لن ينجح سعيهم، هذا بالإضافة إلى الغيرة منه التي ظهرت لدي قسطنطيوس ويوليان. كل هذا يرجع إلى حيويته الفكرية والأدبية وقدرته الواثقة في كتاباته وحياته. لقد كان تمجيد الله وصالح الكنيسة هما كل اهتمامه باستمرار، ولم يكن له اهتمام بذاته على الإطلاق".[2]
السمة في كل كتابات القديس أثناسيوس تمسُّكه بالجانب الخلاصي في أية نقطة محل خلاف، وأيضًا حقيقة الفداء والنعمة، ومعرفة الله التي أعطاها للإنسان في المسيح.
ومن كتاباته الهامة بالإضافة إلى "تجسد الكلمة"، "رسالة إلى الوثنيين"، "حياة القديس أنطونيوس نذكر:
- "أربعة مقالات ضد الآريوسيين Four Discourses Against the Arians "، تناول
فيه كل آية من التي استخدمها الآريوسيين وقدَّم المعنى السليم لها (وهو عبارة عن
مقالات أربعة تعتبر عملاً واحدًا أو مقالاً رباعيًاFour Discourses ). كتبها ما بين عام 356-360م على مراحل، والراجح أنه كتبها خلال
النفي الثالث حين أصبح هناك احتياج شديد لدحض بدعة آريوس خاصة بعد ظهور النصف
آريوسيين Semi-Arians وصياغتهم عبارة "مشابه في الجوهر"
homoiousion مقابل homoousion وتعنى واحد
في الجوهر Consubstantial. وكان الخلاف مشتعلاً بين المحافظين
المتفقين مع فكر أثناسيوس وغيرهم من المتفقين مع الآريوسية مثل ڤالنز. ورغم
كتابتها في أوقات مختلفة لكنها تعتبر عملاً واحدًا. المقال الرابع فقط ينتهي
بذكصولوجية شكر وتمجيد يعلن به أنه خاتمة المقال الرباعي.
- كتاب "دفاع ضد الآريوسيين Defence against the Arians"، وقد وُصِف هذا الدفاع "بأنه المصدر الأكثر أصالة ومصداقية لتاريخ الكنيسة في النصف الأول من القرن الرابع"[3]
- "الدفاع عن التعريف النيقاوي" De Decretis or Defence of the Nicene Definition والمقصود المساواة في الجوهر، حيث أكَّد وحدة اللاهوت في الثلاثة أقانيم Unity of the Godhead in Three Persons. ولقد كانت الآريوسية من الخطورة على الكنيسة ككل وكانت تحتاج إلى التصحيح الذي جاء في "التعريف النيقاوي". ومما قيل في وصف دفاع القديس أثناسيوس وكتابه عبارة: "التعريف النيقاوي وكتاب القديس أثناسيوس الذي أعقب ذلك كان استعادة للمبادئ الأولى للإنجيل وقاعدة الإيمان".[4]
- "تاريخ الآريوسيين" History of the Arians.. وهو عمل متكامل يستكمل فيه ما جاء في الجزء الثاني من "الدفاع". ولكن الفصول الأولى منه مفقودة. ومن المتوقع أنها كانت تحكي تاريخ الآريوسية، وحذفت لأنها تكرار لكتابه "الدفاع". وهو يتضمن المؤامرات ضد القديس أثناسيوس من الجانب الآريوسي ونفيه الثاني، ثم الهجوم عليه وتدخل الإمبراطور في شئون الكنيسة وتسليم كنائس الآسكندرية للآريوسيين، والاحتجاج الثاني من الكنيسة برئاسة القديس أثناسيوس (أما الاحتجاج الأول فلم يرد في الكتاب وهو من ضمن الجزء المفقود). ويصف "تاريخ الآريوسيين" كيف كانت الآريوسية أسوأ من أي هرطقات أخرى لأنها اتسمت بالعنف والاضطهادات والجلد والسجن لمن لم تستطع إقناعهم بالحجة. ويصفها بأنها بعيدة عن التقوى لذلك تتصرف ضد مخلِّصنا. وعن "قنسطنطيوس" الموالي لهم وقائدهم في عدم التقوى يقول أنه "عدو المسيح، بل هو ذاته ضد المسيح"[5].. [This heresy, however, is altogether alien from godliness; and therefore how otherwise should it act, than contrary to our Savior, seeing also that it has enlisted that enemy of Christ, Constantius, as it were Anti- Christ himself, to be its lead in impiety?]
- "المجامع: مجمع أرمينيا وسلوكية"De Synodis: Councils of Ariminum and Selecuia [6]
آخر كتاباته العظيمة والهامة في نفيه الثالث يسرد في الجزء الأول منه وقائع مجمعيْ آرمينيا وسلوكية وكيف كان متفق على أن يكون مجمعًا واحدًا في نيقية للنقاش في محاولة واعتقاد من الموالين لآريوس أنه يمكنهم إخفاء إيمان مجمع نيقية والتحايل لنشر فكرهم، ولكن الإمبراطور دعا إلى مجمعيْن، وكان هذا تدبير من الله لكي يكشف أمانة إيمان مجموعة وخيانة الأخرى. وبالفعل ظهر تجديف آريوس وأفكاره، وإصرار الفريق الآخر على رفضهم لآريوس وتمسكهم بإيمان نيقية.
وفي الجزء الثاني من الكتاب يعرض أفكار وتجاديف آريوس. ثم في الجزء الثالث يتكلَّم عن المساواة في الجوهر.
فمن هو آريوس هذا وما تعليمه الخاطئ وهرطقته والجدل ما قبل نيقية 319-325م؟
آريوس مواطن ليبي قدم إلى الأسكندرية عقب الانشقاق الميليتي، وكان ذو طموح فانضم في البداية لميليتوس[7] ثم لبطرس فسامه شماسًا، واضطر فيما بعد لخلعها. فتصالح مع أخيلا فرقاه قسًا. وخاب أمله في الأسقفية برسامة الكسندروس فصار لديه حقد ظهر في محاربته تعليمه. صار مسئولاً عن إدارة إيبارشية بوكاليا، وكان معلِّمًا للتفسير الكتابي معتزّا بفكره كما يظهر من عمله الشهير "الثاليا Thalia" (وهو اسم إلهة الشعر الرعوي والكوميديا عند الإغريق، وأحدى إلهات الحسن الثلاث Graces ... ولكنه وقع في بدعة إنكار ألوهية السيد المسيح!
من هنا كانت أهمية كتابات القديس أثناسيوس التي رد فيها على كل الانحرافات وفنَّدها آية أية، ودافع عن الإيمان ... وأيضًا ردوده على تفسيرهم الخاطئ للعديد من الآيات.
أبرز أفكار آريوس التي ينكر فيها ألوهية السيد المسيح:
· الابن كلمة الله مخلوق لكنه ليس كواحد من المخلوقات،
· الابن كلمة الله مخلوق من العدم، مثل كل الأشياء المخلوقة.
· هو ليس أزلي مع الآب.
· ويقول أن "الكلمة ليس هو الله ذاته not the very God" وإنما "بمشاركة النعمة مثل الآخرين هو الله بالاسم فقط"!!!
· غير مماثل لجوهر وخاصية الآب في كل الأشياء"، وإنما ينتمي إلى الأشياء التي لها بداية والمخلوقة وهو واحد منها!!!
· أن "الآب غير منظور حتى للابن"، ما يعرفه وما يراه هو ما يتناسب مع حدوده".
تفيد القديس أثناسيوس لهذه الأفكار يدور حول إثبات ألوهية السيد المسيح:
- أنه الخالق وليس مخلوق كباقي الخليقة
- أنه أزلي مع الآب Coeternal with the Father
- أنه ابن واحد في الجوهر والطبيعة مع الآب Coessential with the Father
(homoosion/ομοουσιον وليس homiousion/ομοιουσιον)
ومن عبارات القديس أثناسيوس الذهبية نذكر:
قوله: الواقع أن حربهم ليست معنا بشأن هرطقتهم، ولكن، وإن تظاهروا بذلك، حربهم ضد الألوهة ذاتها.[8]
لأن هناك الكثير من الآيات تثبت ألوهية الابن . أولها صوت الآب الذي سمعه التلاميذ يقول: "هذا هو ابني". وقول الابن الحكمة أيضًا قال عن ذاته: "لما ثبَّت السموات كنت هناك أنا ... كنت عنده صانعًا" (أم 8: 27-30). وقول القديسين أنه "بهاء مجده ورسم جوهره"، وأنه "المسيح قوة الله وحكمة الله" (عب 1: 3؛ 1 كو 1: 24). وكلمات المزمور: "لأن عندك ينبوع الحياة. بنورك نرى نورًا" (مز 36: 9)، "ما أعظم أعمالك يا رب! كلها بحكمة صَنَعت" (مز 104: 24). وإرميا النبي يقول: "وصارت إليَّ كلمة الرب" (إر 2: 1)، والقديس يوحنا يقول: "في البدء كان الكلمة ..." (يو 1: 1)، والقديس لوقا يكتب: "كما سلَّمها لنا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخدامًا للكلمة" (لو 1: 2) ...
ألا يكونوا بهذا يحاربون الله: إذ إنهم لا يخافون صوت الآب، ولا يوقرون كلمات المخلِّص، ولا يثقون في القديسين الذين قالوا كل هذه الآيات التي تكشف البدعة الآريوسية وتثبت أزلية الكلمة وأنه ليس غريب عن جوهر الآب؟!
ثم في ختام المقالات الأربعة يلخِّص الفكر السليم عن السيد المسيح بقوله:
الله الكلمة ذاته هو المسيح الذي اتحد في مريم مع ذاك الذي هو منها لأن في بطنها كوَّن الكلمة لنفسه بيته كما جبل آدم من الأرض في البداية. هو إله وإنسان، ليس مسيح آخر، ولكن واحد وهو نفسه. هو قبل الأزمان من الآب، وفي الأزمنة الأخيرة من العذراء، غير مرئي من قبل حتى للقوات السمائية المقدَّسة، والآن مرئيٌ بسبب اتحاده بالإنسان الذي هو مرئي. مرئي ليس في ألوهيته غير المرئية، ولكن في عمل الألوهة في الجسد البشري والإنسان ككل الذي جدده وأخذه لنفسه. له العبادة والسجود الذي كان والآن وإلى الأبد وإلى كل الدهور. آمين.
ويختتم القديس أثناسيوس إحدي كتاباته بعبارة هامة جدًا تخص إيماننا ووحدتنا، يقول:
"هل أنتم مستمرون على أساس الرسل ومتمسكون بتقاليد الآباء؟ صلوا إذًا أن يتوقف الآن كل صراع وتنافس، وتدان كل اعتراضات الهراطقة عديمة الجدوى، ويختفي كل جدال وهرطقة الآريوسيين الآثمة المهلكة، وأن يشرق الحق ثانية في قلوب الجميع لكي في كل مكان نقول جميعنا قولاً واحدًا (1 كو 1: 10)، ويكون لنا نفس الفكر، ولا تبقي أية إهانات آريوسية، لكي نقول ونعترف في كل كنيسة: "رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة" (أف 4: 5) في المسيح يسوع الذي به للآب المجد والقوة إلى دهر الدهور. آمين".[9]
⸭
[1] Defense Against the Arians, p. 97, Vol. 4
رائع يا دكتور .. بنتعلم من حضرتك دايما
ReplyDeleteشكرًا لحضرتك. هذا تعليم الآباء القديسين لنا جميعًا. شفاعتهم معنا
Deleteربنا يحفظك للكنيسة يا دكتور وداد، تعيشي حبيبتي واستاذتي وتعلمنا.
ReplyDelete