عيد العنصرة – البندكستي – حلول الروح القدس
(1)
تاريخه وارتباطه بميلاد الكنيسة
                                                                                                            دكتورة وداد عباس توفيق

معنى الاسم وفكرة عن العيد:

لفظ "العنصرة" باللغة العربية هوتحريف للفظ العبري "عتصيريت Atzeret" ويعني محفل أو اجتماع.

أما لفظ "بندكستي" فهو يوناني ويعني "الخمسين"، ويقابله في العبرية لفظ "شاڤوؤت Shavouot" ويعني "الأسابيع". وهو أحد الأعياد اليهودية الكبرى الثلاثة التي يظهر فيها ذكور إسرائيل أمام السيد الرب (خر 34: 23).

دُعيَ "عيد الحصاد" و "عيد الأسابيع" و "عيد الباكورة"، لأنه يرتبط بالحصاد ويأتي بعده بسبعة أسابيع أي خمسين يومًا كقول الرب: "وأنتم تحسبون لكم من غد السبت من يوم إتيانكم بحزمة الترديد سبعة أسابيع تكون كاملة إلى غد السبت السابع تحسبون خمسين يومًا، ثم تقرِّبون تقدمة جديدة للرب ... وتنادون في ذلك اليوم عينه محفلاً مقدِّسًا يكون لكم ... فريضة دهرية في جميع مساكنكم في أجيالكم" (لا 23: 15-21)؛ "سبعة أسابيع تحسب لك. من ابتداء المنجل في الزرع، تبتدئ أن تحسب سبعة أسابيع. وتعمل عيد أسابيع للرب إلهك على قدر ما تسمح يدك أن تعطي، كما يباركك الرب إلهك" (تث 16: 9-10)

كان في البداية احتفال للشكر على باكورة المحصول، لكن بعد ذلك أصبح تذكار إعطاء الناموس لموسى النبي على جبل سيناء.

هو العيد الوحيد من أعياد الرب الذي يأتي بالعد، ويأتي دائمًا يوم الأحد. فجميع أعياد الرب التي ذُكرت في (لا 23) كانت ترتبط بتاريخ محدَّد: "في الشهر الأول في الرابع عشر من الشهر ... وفي اليوم الخامس عشر من هذا الشهر ... في الشهر السابع في أول الشهر ... العاشر من هذا الشهر السابع ... الخامس عشر من هذا الشهر السابع" (لا 23: 5-6، 24، 27، 34). أما عيد الأسابيع فهو فقط الذي يُحسب بالعد من اليوم التالي للسبت الذي يقدمون فيه حزمة الترديد سبعة أسابيع كاملة إلى غد السبت السابع يحسبون خمسين يومًا (لا 23: 15). فغد السبت هو يوم الأحد.

أصبح هذا العيد عيدًا مسيحيًا تذكارًا لحلول الروح القدس في يوم الخمسين من القيامة المجيدة. ويُطلق عليه في المسيحية "عنصرة" أو "بندكست"، وأيضًا “WhitSunday” أو White Sunday "الأحد الأبيض" إشارة إلى الملابس البيضاء التي يلبسونها في هذا العيد في بعض البلدان، وكذلك الثياب البيضاء التي يلبسها الراغبون في العماد في هذا اليوم. وأيضًا إشارة إلى ظهور الروح القدس في شكل حمامة بيضاء يوم نزول الروح القدس على السيد المسيح وهو يعتمد من يوحنا المعمدان.

تحتفل فيه الكنيسة بحلول الروح القدس في شكل ألسنة منقسمة كأنها من نار استقرت على الرسل والتلاميذ، وجميع الذين كانوا مجتمعين في العلية، مع صوت من السماء كما من هبوب ريح عاصفة ملأت كل البيت (أع 2: 1-4). فكما استلم موسى النبى الوصايا بعد الخروج هكذا أيضًا استلم التلاميذ عطية العهد الجديد يوم الخمسين.

أما عن الوصف التشبيهي: "كما من ريح عاصف" فهو ليس ريح؛ وألسنة كأنها من نار"،   فيقول عنه القديس يوحنا ذهبي الفم:

[لكي لا يكون لديك أي أفكار محسوسة عن الروح ...][1]

كما يتكلَّم عن استقرار الروح على المجتمعين، ومن هم، فيقول:

[والاستقرار على كل واحد يعني الثبوت والاستمرار ... فهل على الاثني عشر؟ لا، وإنما على المائة وعشرين.][2]

يأتي العيد دائمًا يوم الأحد، لأنه في اليوم الخمسين من قيامة السيد المسيح التي كانت يوم الأحد. في ذلك اليوم امتلآوا جميعًا من الروح القدس وبدأوا يتكلمون بألسنة حسب ما أعطاهم الروح (أع 2: 4). ولقد كانت الظاهرة من الغرابة بحيث تعجب كثيرون وظنوا أنهم سكارى. ولكنهم في الحقيقة نالوا المعرفة والقوة التي تمكِّنهم من الخدمة والتبشير، وتحقَّق وعد الرب لهم: "وأما المعزِّي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلِّمكم كل شيء ويذكِّركم بكل ما قلته لكم" (يو 14: 26)؛ "فأقيموا في أورشليم حتى تُلبسوا قوة من الأعالي" (لو 24: 49). وبهذه العطية كان حصاد الباكورة الأولى لتدبير العهد الجديد، الثلاثة آلاف نفس الذين آمنوا بعمل الروح القدس على فم بطرس الرسول يوم الخمسين.

باكورة بشارة العهد الجديد: هم الذين كانوا في أورشليم في يوم الخمسين، يهود من الأمم المختلفة التي كانوا قد تشتتوا إليها وجاءوا ليحتفلوا بالعيد في أورشليم. لهذا كان اختيار الله لهذا اليوم الذي يجتمعوا فيه ليسمعوا الرسالة. لقد كانوا جميعهم يهود، لذلك كانوا غالبًا يفهمون اللغة التي كان الرسل يتكلمون بها بالإضافة إلى لغة البلاد التي جاءوا منها، فلم تكن هناك حاجة إلى موهبة الألسنة ولكنها كانت علامة معجزية لكي يفيقوا ويرجعوا ويؤمنوا.

هكذا ذكَّرهم بطرس الرسول بنبوة يوئيل النبي التي يعرفونها جيدًا ردًا على ظنهم أنهم سكارى: "بل هذا ما قيل بيوئيل النبي ... ويكون في الأيام الأخيرة أنِّي أسكب من روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلامًا. وعلى عبيدي أيضًا وإمائي أسكب من روحي في تلك الأيام فيتنبأون. وأعطي عجائب في السماء من فوق وآيات على الأرض من أسفل ... قبل أن يجيء يوم الرب العظيم الشهير. ويكون كل من يدعو باسم الرب يخلُص" (أع 2: 16-21). لقد كان يشير لهم إلى المسيح أنه المسيا المنتظر، فتكملة نبوة يوئيل تقول: "لأنه في جبل صهيون وفي أورشليم تكون نجاة" (يؤ 2: 28-32) وكما قال السيد المسيح للمرأة السامرية: "لأن الخلاص هو من اليهود" (يو 4: 22).

 وذكَّرهم أيضًا أن يسوع الذي صلبوه هو الرب المسيح الذي تكلَّم داود النبي بوضوح عنه وعن قيامته، قائلاً: "لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فسادًا"، موضِّحًا لهم أن داود النبي لم يكن يتكلَّم عن نفسه لأنه مات ودفن، ولا هو صعد إلى السماوات ليسكب عليهم الروح، ولكنه كان يتكلَّم بروح النبوة عن يسوع المسيح الذي حلف له الله بقسم أنه يأتي من نسله ويجلس على كرسيه (أع 2: 22-35). هو يسوع الذي صرخوا ضده "أصلبه. أصلبه" ... "فليعلم يقينًا جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا، الذي صلبتموه أنتم، ربًا ومسيحًا" (أع 2: 36). هذه العبارات القوية المؤيَّدة من كتبهم ونبواتهم جعلتهم "لما سمعوا نُخسوا في قلوبهم" (أع 2: 37). وهكذا اقتادوهم إلى التوبة والمعمودية لغفران خطاياهم وقبول عطية الروح القدس: "فقبلوا كلامه بفرح، واعتمدوا، وانضم في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس" (أع 2: 41).

الباكورة وتأسيس الكنيسة

ليس غريبًا إذًا أن تولد الكنيسة في يوم البندكستي حيث باكورة المؤمنين، وحيث إعطاء عطية الروح القدس بشكل معجزي في يوم خاص جمع شتات اليهود ليتوبوا ويؤمنوا. ولفظ باكورة بالنسبة للمؤمنين معروف عند الرسل. فالقديس بولس الرسول يصف أول المؤمنين في أخائية أنه "باكورة أخائية للمسيح" (رو 16: 5). والقديس يعقوب الرسول يشير إلى المؤمنين أنهم باكورة "شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه" (يع 1: 18). وأيضًا في سفر الرؤيا يصف أتباع المسيح الذين اشتراهم بدمه أنهم "اشتُروا من بين الناس باكورة لله وللخروف" (رؤ 14: 4).

هكذا من استجابوا صاروا باكورة كنيسته وأيَّدهم بالروح القدس، "وكان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون" (أع 2: 47). فالحصاد مستمر والثمر وفير بعمل الروح القدس الدائم في الكنيسة ... وكما قال الرب يسوع لتلاميذه "الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون ..." (مت 9: 37-38)

البندكستي في الكنيسة الأولى:

ذكره بعض كتاب القرون الأولي مثل أوريجينوس وترتليان. وكان هذا الاسم يُطلق على فترة الخمسين يومًا كاملة التي تبدأ من القيامة وتنتهي  بالاحتفال الكبير في اليوم الخمسين.

ويوضِّح لنا القديس أثناسيوس الرسولي هذا المفهوم في رسائله، يقول:

[عندما يشرق علينا اليوم الأول من الأسبوع المقدس ... نبدأ العد ثانية الأسابيع السبعة واحدًا فواحد، ونقيم العيد في يوم البندكستي المقدس – الذي كان في وقتٍ ما عيدًا لليهود، عيد الأسابيع – الذي كانوا يمنحون فيه المغفرة وتسوية الديون. كان بالحقيقة يوم خلاص من كل الأوجه. فلنقيم العيد في اليوم الأول من الأسبوع العظيم كرمز للعالم الآتي الذي نأخذ عربونه هنا أن ننال حياة أبدية فيما بعد.][3]

[إذ نقيم العيد بعد ذلك في اليوم الأول من الأسبوع، ونضيف لهذا الأسابيع السبعة للبندكستي العظيم، فرحين ومتهللين للغاية في المسيح يسوع ربنا.][4]

ونفس المعنى في رسائل أخرى:

[في مساء يوم السبت نسمع رسالة الملائكة: "لماذا تطلبن الحي بين الأموات. لقد قام" (لو 24: 5). وبعد ذلك مباشرة يستقبلنا يوم الأحد الذي قام فيه ربنا  ... وبعد أن أقمنا العيد حسب مشيئته، فلنضف من ذلك اليوم الأول في الأسبوع المقدس سبعة أسابيع البندكستي، حيث ننال عندئذ نعمة الروح. فلنشكر الرب دائمًا ...][5]

وبنفس المعنى، وتقريبًا نفس العبارات عن البندكستي أنه يوم الأحد الخمسين من القيامة والاحتفال طوال الأسابيع السبعة، نجدها في رسائله الأخرى.[6]


 



[1] St. John Chrysostom: On The Acts of the Apostles, Homily 4, p. 25, Vol. 11 NPNF 1st Series
[2] Ibid.
[3] St. Athansius, Paschal Letters, Letter 1:10, p. 509, Vol. 4 NPNF 2nd Series.
[4] Ibid. Letter 2:8, P. 512.
[5] Ibid. Letter 3: 6, p. 515.
[6] Ibid. Letters 5, 6, 10, 13, 14, 19, p. 519, 523, 532, 541, 543, 548.

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس