عيد العنصرة - البندكستي
(2)
عمل الروح القدس من بدء الخليقة
                                                                                                                 دكتورة وداد عباس توفيق

عمل الروح القدس مع البشر ليس جديدًا، فمنذ بدء الخليقة يظهر عمله في الخلق والتجديد والتقديس للأماكن والأشخاص.

في بدء الخليقة حين كانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة كان الآب ينطق بكلمته الأقنوم الثاني وروحه يرف على وجه المياه (تك 1: 2). كان روح الله هناك ليمنح حياة، ليخلق ويجدِّد. هكذا ترنَّم داود النبي بروح النبوة متغنيًا بعظمة أعمال الرب، يقول: "ترسل روحك فتخلق، وتجدِّد وجه الأرض" (مز 104: 30). وهكذا بحضور الثالوث، الحاضر دائمًا، كانت إرادة الآب بكلمته الذي هو ابنه لتكون هناك حياة بدءًا من النور ثم باقي الخليقة بترتيبها المذكور في سفر التكوين.

نقرأ عن دوره في تقديس أول بيت لله ... عندما خرج يعقوب أبو الآباء من بيت أبيه إسحق في بئر سبع ليذهب إلى حاران عند خاله لابان هربًا من وجه أخيه عيسو الذي كان غاضبًا بسبب البركة التي باركه بها أبيهما ... وفي الطريق أخذ حجارة ووضعها تحت رأسه ونام، فحلم حلمًا كله معانٍ نعرف منها روعة بيت الله: رأي أبينا يعقوب سلم منصوبة من الأرض للسماء، وملائكة الله نازلة وصاعدة عليها، والرب واقف عليها ... منظر رهيب ... في هذا المكان أعطاه الله الوعد بالبركة والأرض والسلامة. فماذا قال أبينا يعقوب حين استيقظ: "حقًا إن الرب في هذا المكان وأنا لم أعلم! ... ما أرهب هذا المكان! ما هذا إلا بيت الله، وهذا باب السماء." ثم بكَّر وصب زيتًا على الحجر الذي كان تحت رأسه، ودعا اسم المكان "بيت إيل" (تك 28: 10-19)!! فبيت الله عبارة عن سلم واصل إلى السماء، ملائكة صاعدة ونازلة تنقل طلبات المؤمنين وتأتي بالاستجاب، والرب واقف عليه ينظر ويبارك شعبه. تدشين المكان بيت لله بالزيت يشير إلى مسحة الروح القدس للمكان ...

ثم الخيمة أيضًا، مسكن الله مع الناس، بعد تركيبها كانت تُمسَح بزيت المسحة، مذابحها، أوانيها، وحتى ثياب الكهنة، إشارة إلى عمل الروح القدس في كل مكان فيها للتقديس. بل كان روح الله يعطي حكمة وفهم ومعرفة في الصناعات الخاصة ببيته، كما قال لموسى أنه ملأ بصلئيل بن أوري من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة لاختراع مخترعات لصنع كل أدوات الخيمة والمذبح وثياب الكهنة والبخور حسب أمر الرب (خر 31: 1-11)!

بل وحتى الكهنة والملوك والأنبياء كانو يمسحون بزيت المسحة ليحل عليهم الروح القدس يعطيهم القدرة على العمل المختارين له، كما فعل صموئيل النبي لشاول الملك حين دهنه بزيت المسحة وحل عليه روح الرب وتنبأ (1 صم 10: 1-11).

إنه أيضًا الروح الناري الذي رفع إيليا في المركبة النارية إلى السماء (2 مل 2: 11)؛ الذي قدَّس إرميا النبي قبل أن يولد (إر 1: 5)، وملأ يوحنا المعمدان من بطن أمه (لو 1: 15) وملأ أمه القديسة أليصابات.

ثم نجد آيات صريحة في العهد القديم تشير إلى الوعد بمنحه للمؤمنين، أشهرها:

(حز 36: 26-27): "وأعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعل روحًا جديدًا في داخلكم ... وأجعل روحي في داخلكم ..."

(يوئيل 2: 28-29): "ويكون بعد ذلك إنِّي أسكب روحي على كلِّ بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويحلم شيوخكم أحلامًا، ويرى شبابكم رؤى ..."

هنا نأتي إلى العهد الجديد:

نشاهد ونلمس عمله الرائع فنطمئن، بدءًا من وعد السيد المسيح به للتلاميذ، ثم تحقق الوعد:

أولاً - الوعد بالروح القدس: حين كان السيد المسيح يمهِّد أذهانهم أنه سيفارقهم ويمضي إلى الآب، وأراد أن يطمئنهم، فقال لهم صراحة: "وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزِّيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكثٌ معكم ويكون فيكم" (يو 14: 16-17) ... "وأمّا المعزِّي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلِّمكم كلَّ شيءٍ، ويذكِّركم بكلِّ ما قلته لكم" (يو 14: 26). ثم مرةً أخرى يقول عنه: "متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلَّم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلِّم به، ويخبركم بأمورٍ آتية. ذاك يمجِّدني، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم. كل ما للآب هو لي. لهذا قلت: إنه يأخذ مما لي ويخبركم" (يو 16: 13-16).

بنظرة سريعة لهذه الآيات نفهم عدة أمور، وسنعود له بتفصيل أكثر في أجزاء أخرى:

هو روح الحق .. العالم لا يقبله لأنه ليس له الإيمان بالأمور التي لا تُرى، فهذه ينعم بها المؤمنون ...

مُرسل ليسكن فينا .. يعمل فينا، يرشدنا، يعلِّمنا، يخبرنا بأمور آتية بالنبوة ...

أيضًا يمجِّد الابن .. كما أن الابن يمجِّد الآب ... يأخذ مما للابن ويخبرنا ... هنا نلاحظ أن السيد المسيح، لعلمه أن البشر كثيرًا ما يخطئون في التفسير، لذلك فسَّر لهم لماذا قال هذا، فيقول" "لأن كل ما للآب هو لي"، لأنه لا يمكن أن يكون الروح يعلم فقط ما للابن ولا يعلم ما هو للآب والابن معًا، أو أن يكون للابن شيء ليس للآب!! وكما قال في موضع آخر: "أنا في الآب والآب فيَّ"، فالثلاثة واحد.

الوعد أيضًا أنه يمكث معهم إلى الأبد .. بل مع كل من يقبله من العالم إلى نهاية الأزمنة، طالما لا نرفضه أو نرفضه عمله فينا. لهذا قال عنه معزِّيًا أخر، مثله. قال لهم هذا ليطمئنوا لأنه وهو معهم كانوا مطمئنين، فحين يصعد لن يكونوا وحدهم لأنه سيرسل الروح القدس لتعزيتهم بحضوره معهم وفيهم إلى الأبد.

 

ثانيًا - تحقُّق الوعد، وقد تم بأرسال الروح القدس: قبل صعود السيد المسيح مباشرة في ظهور أخير له، أوصي تلاميذه أن يقيموا في أورشليم إلى أن يُلبسوا قوةً من الأعالي، حيث يرسل إليهم موعد الآب (لو 24: 49) ... "أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم، بل ينتظروا "موعد الآب الذي سمعتموه منِّي، لأن يوحنا عمَّد بالماء، وأمّا أنتم فستتعمدون بالروح القدس ... لكنكم ستنالون قوَّة متّى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كلِّ اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض" (أع 1: 4 - 8).

وتحقق هذا حين رأى يوحنا المعمدان يسوع مقبلاً، فقال: "الذي أرسلني لأعمِّد بالماء، ذاك قال لي: الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه، فهذا هو الذي يعمِّد بالروح القدس" (يو 1: 33). وفي (لو 3: 16) يقول للشعب المتحيِّر هل يوحنا هو المسيح: "أنا أعمِّدكم بماء، ولكن يأتي من هو أقوى منّي، الذي لست أهلاً أن أحلَّ سيور حذائه. هو سيعمِّدكم بالروح القدس ونار". وهو ما حدث بالفعل.

هكذا في يوم الخمسين والتلاميذ مجتمعين إذا بصوت من السماء بغتة كما من هبوب ريح عاصفة ملأ كل البيت ثم حل على شكل ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم، فامتلأ الجميع من الروح القدس  (أع 2: 1-4).

هنا نختم هذا المقال بشرح تفصيلي للقديس غريغوريوس اللاهوتي عن هذا الظهور الرهيب للروح القدس وحلوله على التلاميذ والسبب للشكل الذي ظهر به، يقول:

[جاء على شكل ألسنة لعلاقته الوثيقة بالكلمة (المسيح). وهي ألسنة من نار، بسبب قوته المطهِّرة، أو بسبب جوهره، لأن إلهنا نار آكلة (عب 12: 20)، وهو نار تحرق الأشرار (تث 4: 24) ... والألسنة منقسمة بسبب تنوُّع المواهب. واستقرت، إشارة إلى ملكه واستقراره بين القديسين ... حدث هذا في العلية لأن أولئك الذين ينالونه يجب أن يرتفعوا فوق الأرض ... ويسوع نفسه أعطي سر التناول في العلية لأولئك الذين أتيح لهم الاطلاع على الأسرار العليا ولكي بذلك يظهر من جهة أن الله كان لابد أن ينزل إلينا كما فعل قديمًا لموسي، ومن جهة أخرى أننا لابد أن نصعد إليه ... لأنه طالما يظل كل في موضعه، الواحد في مجده، والآخر في وضاعته، سيظل غير ممكن أن يختلط صلاح الله بنا ولا يمكننا التمتع بشفقته، وتكون الهوة عظيمة بيننا لا يمكن عبورها ...][1]

ولا يزال هناك الكثير ليقال عن جوانب أخرى لعيد العنصرة ولاهوت وعمل الروح القدس .. ليعطنا الله نعمة بروحه القدوس لكي نفهم أكثر بقدر ما يمكننا بضعفنا البشري ...




[1] St. Gregory Nazianzen: On Pentecost, Oration 41: 12, p. 383

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس