دكتورة وداد عباس توفيق
تعيش الكنيسة كل عام فرحة ميلادها يوم الخمسين ... عيد تحقًّق وعد ربنا يسوع المسيح بإرسال الروح القدس من الآب ليمكث معنا إلى الأبد (يو 14: 15- 17، 26؛ 15: 26؛ 16: 7-14)
تحتفل به بطقس خاص في القداس بدءًا من رفع بخور عشية ثم باكر بأرباع الناقوس وذكصولوجيات وتسابيح، وفي القداس تقال مزامير الساعة الثالثة فقط التي نتذكَّر فيها حلول الروح القدس على التلاميذ. وبدلاً من السنكسار تقال قطع طلبة الساعة الثالثة التي نتضرع فيها للروح القدس الأقنوم الثالث من الثالوث القدوس أن يحل فينا ويطهِّرنا ويخلِّص نفوسنا. وهناك أيضًا مردّات المزمور والإنجيل ولحن الروح القدس الرائع (بي إبنيڤما إم باراكليتون ...). وفي التوزيع يقال "أسومين طوكيريو ... فلنسبح الرب لأنه بالمجد تمجَّد. صعد إلى أعلى السموات وأرسل لنا البارقليط روح الحق المعزي. آمين. هللويا ..."، ويستمر في صوم الرسل أيضًا. ثم تأتي صلوات السجدة الثلاث بطقوسها وقراءاتها العميقة ونفس المردات.
في كل هذه القراءات والطقوس نجد واضحًا لاهوت الروح القدس ... ولكن ليس الغرض هنا الحديث عن لاهوت الروح القدس تفصيلاً، فهذا موضعه بالأكثر عند الحديث عن الثالوث القدوس ... لكن من خلال الحديث عن عيد العنصرة نتناول بعض نقاط توضِّح ألوهية الروح القدس ... وسوف نقتصر على القطعة الرابعة فقط من طلبة الساعة الثالثة التي تقال في هذا العيد والتي نخاطب فيها الروح القدس مدركين تمامًا ألوهيته وملتمسين عمله.
- هو الملك السماوي ... إن كنا نخاطبه على أنه الملك السماوي، فهل هناك ملك في السماء غير الله؟ إذًا الروح القدس هو الله، لأنه روح الله، والله غير منفصل عن روحه كما هو غير منفصل عن كلمته الابن الوحيد.
- المعزِّي ... الباراقليط (باليونانية) وبالإنجليزية Comforter/Helper وتعني معزِّي ومعين ... هذا يوضِّح عمله بالنسبة للبشر، فهو يعينهم، ويرشدهم، ويعزيهم، ويبكتهم، ويعلِّمهم. ولأنه روح الله فهو يمنحهم نعم سمائية، يمنحهم بركات ومواهب للخدمة لبنيان الكنيسة ... ويعني أيضًا مساواته بالابن.
عن هذا يقول القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات: [جاء بعد المسيح لكي لا يعوزنا مُعزٍّ، ولكنه معزِّيًا آخر لكي تدركون المساواة معه ... لأن آخر لا تقال عن أنواع مختلفة ولكن عن أشياء من نفس الجوهر consubstantial.][1]
- روح الحق ... قال عنه السيد المسيح: "ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق، الذي من عند الآب ينبثق" (يو 15: 26) ... فمن هو الحق؟ لقد قال السيد المسيح عن نفسه: "أنا هو الطريق والحق والحياة". هو إذًا روح الله وروح المسيح كما يقول عنه القديس بولس الرسول في (رو 8: 9): "وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح، إن كان روح الله ساكنًا فيكم. ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح، فذلك ليس له". وأيضًا في (غلا 4: 4): "أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم ...".
- الحاضر في كل مكان ... هل هذه الصفة تخص أي بشر أو أي قوة أو طاقة؟ هل هناك من هو موجود في كل مكان سوى الله؟ أليس هذا يعني أنه هو الله؟
- المالئ الكل ... هل هناك من يملأ الكل سوى الله الذي قال عن ذاته: "أما أملأ أنا السماوات والأرض؟" (إر 23: 24) .. إنه الحاضر في كل مكان وزمان من الآزل إلى الأبد إلى ما لا نهاية.
- كنز الصالحات ... نعم فهو الذي يعطي المواهب والعطايا والنِعم السماوية للبشر بمشيئة الآب، لأن "كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق، نازلة من عند أبي الأنوار ..." (يع 1: 17)
- معطِّي الحياة ... من هو الذي يعطي الحياة سوى الله؟ لذلك ندعوه في قانون الإيمان "الروح المحيي".
- القادر أن يطهِّر ويخلِّص ... فمن هو المخلِّص سوى الآب بالابن من خلال الروح. وهذا واضح في كلمات القديس بولس الرسول في (تي 3: 5): "خلَّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس، الذي سكبه بغنى علينا يسوع المسيح مخلِّصنا"
وفي القطعة الأولى والثانية من نفس الطلبة ندعوه "روحًا مستقيمًا"
إذًا الروح القدس هو الله لأنه روح الله، كما أن الابن الكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله.
هو الأقنوم الثالث من الثالوث القدوس الذي أرسله الابن القدوس السيد المسيح إلي المؤمنين من عند الآب ليكون معهم دائمًا يرشدهم، يعزيهم، يبكتهم، يعلِّمهم، يشفع فيهم،و يمنحهم نعم سمائية ومواهب للخدمة لبنيان الكنيسة ...
هو مساوٍ لله الآب والله الابن ومن نفس الجوهر باعتباره أحد أقانيم الثالوث القدوس، لكنه متمايز عنهما. وهو غير منفصل عن الآب والابن. هو دائمًا معدود معهما، كما قال السيد المسيح وهو يمنحهم السلطان قائلاً: "فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (مت 28: 19) ... باسم وليس بأسماء.
لذلك له صفات الألوهة ... يعمل ما يشاء الآب فهو مشارك في الخلق، والتجديد، والتقديس. لذلك بحق قال بطرس الرسول لحنانيا عندما كذب هو وامرأته سفيرة عن الثمن الذي باعا به الحقل: "يا حنانيا، لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس وتختلس من ثمن الحقل؟ ... أنت لم تكذب على الناس بل على الله" (أع 5: 3، 4) وكان العقاب فوريًا.
كما أن التجديف عليه ليس له مغفرة، كما أكَّد السيد المسيح، قائلاً: "إن جميع الخطايا تغفر لبني البشر، والتجاديف التي يجدفونها. ولكن من جدَّف على الروح القدس فليس له مغفرة إلى الأبد، بل هو مستوجب دينونة أبدية" (مر 3: 28، 29؛ لو 12: 10)؛ "كل خطية وتجديف يُغفر للناس، وأما التجديف على الروح فلن يُغفر للناس. ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له، وأما من قال على الروح فلن يغفر له، لا في هذا العالم ولا في الآتي" (مت 12: 31، 32). وسوف نعود للحديث عن هذا في جزء آخر بنعمة ربنا.
الكتاب المقدَّس يصفه بصفات شخصية، فهو يتكلَّم، ويشفع، ويعلِّم ... تكلَّم لفيلبس، وأرشد الكنيسة في أورشليم ... وأيضًا يحزن وينطفئ عمله إذا رفض الإنسان عمله.
هو ليس مجرد قوة وليس مخلوق ... فحين ظهر هرطوقي اسمه مقدونيوس الذي أصبح معروفًا بأنه "عدو الروح القدس" وأنكر ألوهية الروح القدس أُدين في مجمع القسطنطينية 381م، وأضيفت لقانون الإيمان عبارة "نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب".
أنه مصدر الوحي ... لأنه كما نقول في قانون الإيمان "الناطق في الأنبياء". ويقول القديس بطرس الرسول: "لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلَّم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2 بط 1: 21) ...
ويعلِّمنا القديس يوحنا كيف نميِّز الروح القدس (العطية والنعمة) من الأرواح المضللة الموجودة محذِّرًا، فيقول: "لا تصدِّقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح: هل هي من الله؟ لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم. بهذا تعرفون روح الله: كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله، وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد، فليس من الله. وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنه يأتي، والآن هو في العالم." (1 يو 4: 1-3) ثم يصف الروح الذي يسكن فينا، ويميِّز بين روح الحق ورح الضلال، فيقول: "أنتم من الله ... الذي فيكم أعظم من الذي في العالم ... نحن من الله ... من هذا نعرف روح الحق وروح الضلال" (1 يو 4: 4-6).
[1] St. Gregory Nazianzen: Oration 41: 12 On Pentecost, p. 383, Vol. 7 NPNF 2nd Series
Comments
Post a Comment