عيد العنصرة – البندكستي – حلول الروح القدس
(4)
الروح القدس وعمله في الكنيسة وفي الخدمة
وسكناه في المؤمنين
                                                                                                   دكتورة وداد عباس توفيق

أولاً – تكوين باكورة أعضاء جسد المسيح، الكنيسة، بعمل الروح القدس ...

بعد أن امتلأ الرسل بالروح القدس انطلقوا للتبشير بالكلمة ... أول عظة لبطرس الرسول تأتي بثلاثة آلاف نفس للإيمان! بأية قوة؟ قوة الروح القدس فيهم، الروح الناري الذي يعطي حرارة في الإيمان والعمل للمتكلِّم والمستمع.

كان عمل الروح في الذين سمعوا العظة أنهم نُخسوا في قلوبهم وسألوا ماذا يفعلون. فوجههم بطرس الرسول إلى التوبة والمعمودية على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا ليقبلوا عطية الروح القدس (أع 2: 37، 38).

هكذا كان أول عمل للروح القدس أن تؤمن الجموع وتنال المعمودية على اسم الرب يسوع المسيح لينعموا بعطايا الروح القدس التالية. وأصبح هؤلاء باكورة أعضاء جسد المسيح، الكنيسة الأولى، بمعمودية الروح، كما قال القديس بولس الرسول: "لأننا جميعنا بروح واحد أيضًا اعتمدنا إلى جسد واحد، يهودًا كنا أن يونانيين، عبيدًا أم أحرارًا، وجميعنا سُقينا روحًا واحدًا" (1 كو 12: 13) ... يصير ابن لله ... يصير عضو في جسد المسيح الكنيسة يكون من حقه أن ينعم بعطايا الروح.  

إذًا المعمودية هي أول عطية للمؤمنين بعد الإيمان والتوبة، يعقبها نوال عطية الروح القدس. بهذه المعمودية يولد المؤمن ميلادًا جديدًا من الماء والروح، ينال به مغفرة الخطية الموروثة وما تلاها من خطايا شخصية. هكذا يصير ابن لله وعضو في جسد المسيح مؤهلاً لعطايا الروح المتنوعة وسكنى الروح داخله. بل بدون هذه المعمودية لا يقدر أحد أن يدخل ملكوت السموات (يو 3: 3).

ثانيًا – عمل الروح القدس في الخدمة ...

·        من بدء الكنيسة كان يعيِّن الخدام في الكنيسة الأولى:  فنقرأ أنه "بينما هم يخدمون الرب ويصومون، قال الروح القدس: افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه". هذان اعتُبرا أنهما أرسلا من الروح القدس فللتو سافرا لهذه المهمة (أع 13: 2-4). بل كان أحيانًا يمنعهم من الذهاب إلى مكان معيَّن ويوجِّههم إلى غيره، كما حدث ومنعهم من التبشير في آسيا ولم يدعهم يذهبوا إلى بيثينية! ثم يرسل رؤيا لبولس الرسول في الليل رجل مكدوني يطلب إليه أن يعبر إليهم ويعينهم، فتحقَّقوا أن الرب دعاهم ليبشروهم هناك (أع 16: 6-10). وهم كانت لهم آذان تسمع ما يقوله الروح.. 

 

·        أيضًا كان الروح القدس يقيم الأساقفة، لذلك بولس الرسول يقول لقسوس الكنيسة في أفسس "احترزوا إذًا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة، لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه" (أع 20: 28).

 

·        القرارات التي كان الرسل يتخذونها كانت تصدر كقرار من الروح القدس معهم، كما نرى في أول مجمع في أورشليم كان القرار بالإجماع: "قد رأى الروح القدس ونحن ... " (أع 15: 28-29) 

 

·        الروح كان يعطي مواهب روحية متنوعة من أجل الخدمة: يعطي لواحد كلام حكمة، لآخر علم، لآخر إيمان ... مواهب شفاء... عمل قوات ... نبوة ... تمييز الأرواح ... ألسنة ... ترجمة ألسنة ... "ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء" (1 كو 12: 8-11) ... بل يعطي البعض أن يكونوا رسلاً، أنبياء، مبشرين، رعاة، معلِّمين ... والغرض لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة، لبنيان جسد المسيح إلى أن ينتهي الجميع إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله (أف 4: 11-13).

 

·        النبوة إحدى مواهب الروح القدس وتعني التعليم والوعظ، وهي لبنيان الكنيسة. والروح القدس يُدعى روح النبوة، لذلك نطلب من الرب يسوع المسيح في طلبة الساعة الثالثة أن يمنحه لنا ويجدِّده في أحشائنا، ونصفه بأنه: "روحًا مستقيمًا ومحييًا،

ورح النبوة والعفة، روح القداسة والعدالة والسلطة" ... الذي أعطي الوحي للقديسين ليتكلَّموا بما يريد أن يوصِّله للبشر، أي شهادة يسوع التي هي روح النبوة (رؤ 19: 10): وكما يقول القديس بطرس:"أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2 بط 1: 20، 21)

ثالثًا - عمل الروح القدس في المؤمنين:

كما كان في العهد القديم يخلق ويجدِّد ويوجِّه ويتكلَّم ويحلّ على البشر، هكذا في العهد الجديد يخلق ويجدِّد ويرشد ويوجِّه، وأيضًا يسكن في المؤمنين، بل إن سكنه فينا في العهد الجديد دائم حسب وعد الرب يسوع: "يمكث معكم إلى الأبد ... ماكث معكم ويكون فيكم" (يو 14: 16-17) ... فهو لا يفارقنا كما كان يحدث أحيانًا في العهد القديم، كما حدث مع شاول الملك حين فارقه روح الرب.

نأخذه كختم كما قال القديس بولس الرسول: "الذي فيه أيضًا أنتم، إذ سمعتم كلمة الحق، إنجيل خلاصكم، الذي فيه أيضًا إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس ..." (أف 1: 13)؛ "الذي به ختمتم ليوم الفداء" (أف 4: 30) ... إنه الختم الإلهي الذي ختمنا به الله "وأعطى عربون الروح في قلوبنا" (2 كو 1: 22) 

نأخذه كمسحة في سر التثبيت عقب المعمودية مباشرة فيسكن فينا ويظل ثابتًا يعلِّمنا ويرشدنا: "وأما أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء"؛ "وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم، ولا حاجة بكم أن يعلِّمكم أحد، بل كما تعلِّمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء" (1 يو 2: 20، 27). وهي مسحة إلهية: "الذي يثبِّتنا معكم في المسيح، وقد مسحنا، هو الله" (2 كو 1: 21). كان يُعطَى بوضع اليد في الكنيسة الأولى، ثم أصبح يعطي بالمسح بالميرون المقدَّس.

بهذه المسحة ننال سكنى الروح القدس فينا ... فنصير هيكل لله وروحه ساكن فينا، كما يقول القديس بولس الرسول: "أنتم هيكل الله" (2 كو 6: 16) ... "مسكنًا لله في الروح" (أف 2: 22) ... "أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم؟ ... لأن هيكل الله مقدَّس الذي أنت هو" (1 كو 3: 16، 17) ...

مفهوم سكنى الروح فينا

  ما معنى سكناه فينا؟ هل يسكن فينا كأقنوم؟ بالطبع لا ... إنما أقنوم الروح القدس يحل كعطية تعمل داخلنا وتعطي نعم ومواهب الروح القدس. كما قال بطرس الرسول في عظته يوم الخمسين للجموع الذين نخسوا وسألوا ماذا يجب أن يفعلوا: "توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس" (أع 2: 38).

 

   أيضًا هناك فرق بين الحلول والاتحاد، فالحلول ليعطي نعمة، أما الاتحاد فلا يحدث مع البشر، لأن هذا يعني أنه يتحد بنا وهكذا نصير آلهة أو نتحوَّل عن طبيعتنا البشرية!!! حلول الروح القدس ليعطي قوة كما قال السيد المسيح للتلاميذ: "لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم" (أع 1: 8)

 

*    فلا يمكن القول أنه يحل فينا كأقنوم يسكن داخلنا، لأنه كيف وهو غير محدود يتحيَّز في مكان محدود؟ وكيف يكون في جميع من يحل فيهم في نفس الوقت لو لم يكن غير محدود لأنه روح الله؟ وكيف وهو روح غير مادي يكون له وجود مادي داخل الإنسان؟

 

  وإذا كان يسكن فينا كأقنوم فهل يسكن هو وحده؟ إننا بذلك نفصله عن الآب والابن، بينما الثالوث موجود دائمًا معًا بغير انفصال ... هذا بالإضافة إلى أنه يعني أننا نتأله!!!  هكذا يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [إينما كان أحد أقانيم الثالوث، فهناك الثالوث كله حاضر. لأنه غير منقسم في ذاته وله وحدانية كاملة كلية.][1]

الحالة الوحيدة لحلول الروح الأقنومي كانت على القديسة العذراء مريم لغرض محدَّد هو أن يكوِّن جسدًا للمسيح يتحد بأقنوم الكلمة في ذات الوقت، وحتى في هذه الحالة لم يكن اتحاد بالعذراء، وإنما اتحاد بين أقنوم الكلمة والجسد الذي اتخذه من العذراء. أما على البشر فيحل عليهم كعطية ليعطي نعمة ويشترك في العمل معهم للمساعدة والإرشاد والقيادة. هكذا تبارك الكنيسة المؤمنين بعبارة جاءت في رسالة القديس بولس الرسول في (2 كو 13: 14): "نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم. آمين". 

لقد تكلَّم عديد من الآباء الأولين عن هذا المفهوم لسكنى الروح القدس، من بينهم:

القديس أثناسيوس الذي وهو يؤكد أن السيد المسيح لم يتغيَّر جوهرة بتجسده أعطي كمثال أننا لا نتغيِّر بسكنى الروح فينا. قال صراحة:

[كما أننا بقبولنا الروح لا نفقد جوهرنا الخاص، هكذا الرب عندما صار إنسانًا لأجلنا وأخذ جسدًا ظل هو الله.][2]

وأيضًا القديس باسيليوس الكبير، فهو يتحدَّث أولاً عن طبيعة الروح القدس الروحية وحضوره في كل مكان، يقول:

[هو حاضر في كل مكان، منبع التقديس، نور يدركه العقل ... بطبيعته لا يُدنى منه ... يملأ كل الأشياء بقدرته (حك 1: 7) ... حاضر كلية في الكل، وموجود كلية في كل مكان ... يشارك فيه الكل دون أن يكف عن كونه كامل ... ينعم به كل من يشاركه بحسب طاقة طبيعتهم وليس بحسب قدرته.][3]

ثم يواصل شرح معنى سكنى الروح فينا، فيقول:

[كيف حقًا يمكن أن يكون هناك اقتراب جسدي بغير المتجسد؟ ولكن هذا الارتباط ينجم من الانقطاع عن الأهواء التي تدخل إلى النفس من الارتباط بالجسد الذي به تبتعد عن علاقتها الوثيقة بالله. فقط عندما يتنقَّى الإنسان ... ويعود إلى جمال طبيعته كما لو كان ينظف الصورة الملكية ويستعيد شكلها القديم، هكذا فقط يمكنه أن يدنو من البارقليط.][4]

 



[1] St. John Chrysostom: Homily 4 on the Letter to the Romans, Vol. 11, NPNF p. 436
[2] St. Athanasius: Defence of the Nicene Definition, Ch. 3, p. 159 Vol. 4, NPNF 2nd series.
[3] St. Basil the Great: On the Spirit, Ch. 9: 22, p. 15, Vol. 8 NPNF 2nd series.
[4] Ibid. 9: 23.

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس