عيد العنصرة – البندكستي – حلول الروح القدس
(5)
الروح القدس وعمله داخلنا
ومقاومته والتجديف عليه
                                                                                                دكتورة وداد عباس توفيق

لمحات موجزة من عمل الروح القدس داخلنا:

·        الروح القدس داخلنا يعين ضعفاتنا، ومن بين ضعفاتنا أننا لسنا نعلم ما نصلِّي لأجله كما ينبغي، ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنّاتٍ لا يُنطَق بها (رو 8: 26). وليس فقط في جهادنا وما نتعرض له من مخاطر وإنما:

كقول القديس يوحنا ذهبي الفم، حتى في الأمور التي تبدو أكثر سهولة النعمة تقف إلى جانبنا وتعمل معنا،  وفي صلواتنا حيث لا نعلم ما نصلي لأجله، وهذا يوضح اهتمام الروح الكبير من جهتنا. فهو يرى أننا قد نرغب في أمور تبدو لفكرنا حسنة بينما هي ليست كذلك. فنحن نحتاج معونة الروح.[1]

وكما يقول القديس باسيليوس الكبير أن من خلال معونة الروح القدس نعود إلى الفردوس؛ نصعد إلى ملكوت السموات؛ نعود إلى بنوة البنين؛ تكون لنا دالة أن ندعو الله أبانا؛ نُدعى أولاد النور ... وباختصار نصبح في "ملء البركة" (رو 15: 29)[2]

·        الروح القدس يقدِّسنا ويطهِّرنا، لأنه روح القداسة والعفة كما نقول في الطلبة. وكما يصفه القديس باسيليوس أنه: "ينبوع القداسة".[3]

 ·        والروح القدس باستمرار يرشد ويعلِّم ويذكِّر بكل ما قاله الرب (يو 14: 26). وتذكيرنا بما قاله الرب فيه تعزية وتشجيع على الاحتمال حين تواجهنا ضيقات. فمن بين ما قاله ما سيواجه المؤمنون به في العالم. لذلك قال: "قد كلَّمتكم بهذا لكي لا تعثروا ... لكني قد كلَّمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرون أني أنا قلته لكم. ولم أقل لكم من البداية لأني كنت معكم" (يو 16: 1-4) ... فالروح إذًا يرشدنا في طريق خلاصنا لأنه روح المشورة، ويعلِّمنا فيعطينا فهم في كل أمورنا خاصة الروحية، وأيضًا يذكِّرنا بأقوال السيد المسيح ووعوده لنا أنه معنا وفيه نغلب العالم. فبهذا نقدر أن نثبت في مواجهة الصعوبات التي قد نتعرض لها ولا ننهار. لذلك في سفر الرؤيا يكرِّر: "من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس" (رؤ 2: 11-17؛ 3: 13، 22).  

·        الروح القدس روح الحكمة فهو يعطي حكمة سمائية وفي أوقات الضيق في العالم. فالسيد المسيح يطمئننا: "لا تهتموا كيف أو بما تتكلّمون، لأنكم تعطوْنَ في تلك الساعة ما تتكلَّمون به، لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلَّم فيكم" (مت 10: 19، 20).

والروح القدس لا يعمل فقط في المؤمنين، وإنما أيضًا له عمل في العالم كله، كما قال السيد المسيح أنه يبكِّت العالم على خطية وعلى بِر وعلى دينونة (يو 16: 8-11) ... على خطية لأن المسيح جاء وحمل خطايا العالم كله والعالم لا يزال يخطئ، وعلى بر لأن السيد المسيح البار جاء وبرَّر البشر بدفع ثمن خطايا الجميع على الصليب فلا عذر لنا، وعلى دينونة لأن الشيطان قد أدين بعمل السيد المسيح الخلاصي. فالروح القدس يذكِّر العالم بكل ذلك ليقتاد الجميع للإيمان والتوبة. بل كما يقول القديس بولس الرسول: "وليس أحد يقدر أن يقول: يسوع رب، إلا بالروح القدس" (1كو 12: 3).

مهم أيضًا أن ندرك أن هذه الشركة والعطايا لم نكن لننالها سوى عن طريق الابن بتجسده، كما يوضِّح القديس أثناسيوس في دفاعه عن إيمان نيقية الفصل 12: 50، حيث يقول:
[ممن كان ينبغي إذًا أن يُعطَى الروح سوي من خلال الابن، إذ الروح هو روحه أيضًا؟ ومتى كان ممكنًا لنا أن نناله سوى عندما صار الكلمة إنسانًا.... وكما أوضح داود، ما كان يمكن أن ننال شركة الروح ونتقدَّس سوي لأن معطي الروح الكلمة ذاته، قد قال عن ذاته أنه مُسح بالروح لأجلنا.][4]

ماذا إذًا لو لم نقبل عمله داخلنا رغم سكنه فينا:

مقاومة الروح:
إذا استمرت مقاومتنا له ولعمله داخلنا فإنه يحزن وينطفئ عمله. وقد حذَّرنا القديس بولس الرسول، قائلاً" "ولا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء" (أف 4: 30)؛ "لا تطفئوا الروح" (1 تس 5: 19). فالروح الناري يحفزنا فليتنا نقبل عمله بفرح ...

واجبنا إذًا أن لا نحزن الروح القدس ولا نطفئ عمله فينا: 

هكذا ينصحنا القديس بولس الرسول أن لا نُحزن روح الله القدوس الذي به خُتِمنا ليوم الفداء (أف 4: 30). يقول هذا بعد سلسلة طويلة من قواعد السلوك المسيحي وبعد أن يعطي نصائح بأن لا تخرج كلمةً شريرة من أفواهنا بل كلَّ ما هو صالح للبنيان.

ويشرح لنا القدِّيس يوحنا ذهبي الفم هذه الآية في رسالة أفسس وخطورتها قائلاً:

إذا كان هو الذي وضع علينا الوسم كرعية ملكية؛ وهو الذي يفصلنا عن جميع الأمور السابقة؛ وهو الذي لا يسمح بأن نربُض بيْن أولئك المُعرَّضين لغضب الله - فهل بعد هذا نُحزِنه؟

كما ينصحنا القديس بولس بأن لا نطفئ الروح (1 تس 5: 19).

ويشرح القدِّيس ذهبي الفم هذه الآية أيضاً موضحًا الأمور التي تطفئ الروح، فيقول

أولاً أن المقصود بذلك هو هبة النعمة لأن هذه عادة القديس بولس أن يدعو هبة الروح. ثم يقول أن الحياة غير النقية تطفئ هذه الهبة كما لو أن شخص يلقي ماء وتراب على ضوء مصباح فيطفئه أو ينزع منه الزيت، وأيضًا الأمور الأرضية تطفئ الروح.

التجديف على الروح القدس:

أوضح السيد المسيح حكم من يجدف على الروح القدس في أكثر من موضع:

·        (مر 3: 28، 29؛ لو 12: 10) "إن جميع الخطايا تغفر لبني البشر، والتجاديف التي يجدفونها. ولكن من جدَّف على الروح القدس فليس له مغفرة إلى الأبد، بل هو مستوجب دينونة أبدية".

فالتجديف على الروح القدس يعني رفض الإنسان عمله لنهاية حياته، لأنه لو تاب في آخر لحظة تُغفر له خطيته، مثل اللص اليمين الذي آمن بالمصلوب رغم كل الظروف المحيطة ومظهر الضعف الذي كان عليه السيد المسيح واعترف بخطئه أنه عقابه كان عادلاً يستحقه، كما اعترف بأن المسيح ملك سماوي له ملكوته، وأنه يحتاج أن يذكُره حين يأتي إلى ملكوته فغفر له الرب وأدخله الفردوس.

هكذا يعلِّمنا قداسة البابا شنودة الثالث:

[التجديف على الروح القدس هو رفض كل عمل للروح القدس في القلب والعقل والإرادة، رفضًا كاملاً دائمًا مدى الحياة. أو أنه يطرد الروح القدس من قلبه مدى الحياة، ويرفض أن يشترك معه غي أي عمل، ولا يصغي لصوت الله في قلبه، ولا لتأنيب على خطية .. مدى الحياة.][5]

·        أيضًا في (مت 12: 31، 32) قول السيد المسيح: "كل خطية وتجديف يُغفر للناس، وأما التجديف على الروح فلن يُغفر للناس. ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له، وأما من قال على الروح فلن يغفر له، لا في هذا العالم ولا في الآتي".

فماذا تعني هذه العبارة؟ المقصود بالتجديف على ابن الإنسان الذي يمكن أن يُغفر للشخص، أن الشخص لا يؤمن بأن ابن الإنسان هو الله الظاهر في الجسد. وهذا يحتاج إلى عمل الروح لكي يؤمن، وطالما أن الروح ساكن في الإنسان بالمعمودية فسوف يساعده على الإيمان، ما لم يقاوم عمله للنهاية ولم يستجب إرشاده، ففي هذه الحالة يعتبر قد جدَّف على الروح القدس، ولا تكون له مغفرة.

 وعن هذا المفهوم يقول القديس أثناسيوس مفسرًا قول السيد المسيح في (مت 12: 31، 32) ردًا على الفريسيين الذين قالوا عنه أنه يُخرج الشياطين ببعلزبول:

[إن التجديف على الروح القدس أعظم من التجديف على ناسوته، مثل الذين يقولون "أليس هذا ابن النجار؟" (مت 13: 55). أما الذين يجدفون على الروح القدس وينسبون أعمال الكلمة (السيد المسيح) للشيطان، فهؤلاء  عقابهم حتمي.][6]

أيضًا القديس كيرلس الأورشليمي يقول معلقًا على هذه الآيات:

["من قال على الروح القدس فلن يُغفر له" ... دائمًا هناك خوف لئلا يقع إنسان في هذه الإدانة من خلال الحديث عنه ليس كما ينبغي، إما عن جهل أو توقير مزعوم. لذلك يسوع المسيح ديّان الأحياء والأموات أعلنها أن لا مغفرة له.][7]

ثمار الروح القدس بالمقابلة لمواهب الروح:

هنا ممكن باختصار القول: أن مواهب الروح القدس تختلف عن ثمار الروح المذكورة في (غلا 5: 22) "وأما ثمر الروح فهو: محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف".

المواهب يمنحها لنا الروح لتفيدنا في حياتنا. أما الثمار فهي ظهور تأثير عمل الروح فينا ودورنا في الاستفادة من عمله. وهي الميزان لنا الذي نحكم به على أنفسنا قبل أن يُحكم علينا، ما إذا كانت لنا هذه الثمار أم لا ... فهي تعني استجابتنا لعمل الروح أم عدم استجابتنا.

ثمر الروح ورد بالتحديد في (غلا 5: 22):

"وأما ثمر الروح فهو: محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف"

إذا كنا نسلك حسب الروح في طاعة له سيظهر هذا كثمر في حياتنا. وكل من هذه الثمار له آيات أخرى توضحه:

-         محبة: "أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم" (مت 5: 44).

-         فرح: "افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا" افرحوا" (في 4: 4؛ 3: 1).

-         سلام: "لا تهتموا بشيء، بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر، لتُعلم طلباتكم لدى الله. وسلام الله الذي يفوق كل عقل، يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع" (في 4: 6).

-         طول أناة؟ "ليكن حلمُكم معروفًا عند جميع الناس" (في 4: 5).

-         لطف: "كونوا لطفاء بعضكم  نحو بعض، شفوقين، متسامحين كما سامحكم الله أيضًا في المسيح" (أف 4: 32).

-         صلاح: "الصالح ينال رضى من قِبل الرب " (أم 12: 2)؛ "الإنسان الصالح من الكنز الصالح في القلب يُخرِج الصالحات" (مت 12: 35)

-         إيمان: "أما الإيمان فهو الثقة بما يُرجى والإيقان بأمور لا تُرى" (عب 11: 1)؛ "بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه" (عب 11: 6).

وكما أن الإيمان من ثمار الروح هو أيضًا من مواهب الروح للمستعدين: "فإنه لواحد يعطَى بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام عِلم بحسب الروح الواحد، ولآخر إيمان بالروح الواحد ... (1 كو 12: 8، 9)

-         وداعة : على مثال رب المجد الذي قال: "تعلَّموا منِّي لأني وديع ومتواضع القلب" (متى 11: 29) ... "زينة الروح الوديع الهادئ، الذي هو قدام الله كثير الثمن" (1بط 3: 4).

-         تعفف: "وأنتم باذلون كل اجتهاد – قدِّموا في إيمانكم فضيلة، وفي الفضيلة معرفة، وفي المعرفة تعفف، وفي التعفف صبرًا ..." (2بط 1: 5، 6).

فليعيننا الرب لنجتهد ويكون لنا ثمار الروح في حياتنا بنعمته ...



[1][1] St. John Chrysostom, On the Epistle to the Romans, Homily 14, p. 446, Vol. 11 NPNF 1st series.
[2] St. Basil the Great, On the Spirit, Ch. 15: 36, p. 22, Vol.8 NPNF 2nd Series.
[3] Ibid. Letter 105, p. 186.
[4] St. Athanasius, Discourse I Against the Arians, Ch. 12: 50, p. 336, Vol. 4 NPNF 2nd series.
[5]  قداسة البابا شنودة الثالث: الروح القدس وعمله فينا، الناشر الكلية الإكليريكية، القاهرة 1991
[6] St. Athanasius, Discourse I Against the Arians, Ch. 12: 50, p. 336, Vol. 4 NPNF 2nd series.
[7] St. Cyril of Jerusalem, Catechetical Lectures 16: 1, p. 115, Vol. 7 NPNF 2nd series.

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس