عيد العنصرة - البندكستي (6) موهبة التكلم بألسنة في مفهوم الآباء
وردت بالتفصيل في رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل كورنثوس. وقد تكلَّم عنا من الآباء الأولين القديس غريغوريوس اللاهوتي، والقديس يوحنا ذهبي الفم في تفسيره للإصحاح 14 رسالة كورنثوس الأولى ... كما تكلَّم عنها بإسهاب مثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث في كتابه "الروح القدس وعمله فينا" وأيضًا في محاضرة لقداسته فسَّر فيها رسالة بولس الرسول الأولي إلى أهل كورنثوس.
توقيت المعجزة كان يوم الخمسين لأن الغرض من الألسنة هو نشر الإيمان فقد اختار الله عيد الخمسين حيث كان هناك في أورشليم يهود أتقياء من كل أمة تحت السماء، من بينها مصر، فهؤلاء سمعوا البشارة والكلام بعظائم الله بلغتهم وعادوا بها إلى بلادهم المختلفة لتكون بذرة الإيمان لبشارة الرسل فيما بعد كما حدث في مصر بمجيء القديس مرقس الرسول الذي أسس المسيحية في مصر بكرازته.
هكذا حل الروح القدس على التلاميذ في البيت حيث كانوا جالسين، فامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا. فبهت هؤلاء اليهود المجتمعين لما سمعوا الصوت لأن كل واحد كان يسمعهم يتكلمون بلغته، وتحيَّروا لأنهم يعلمون أن جميع المتكلمين جليليين! بل إن البعض كانوا يستهزئون بهم!
بدأت الخدمة بعد الامتلاء من الروح القدس بعظة بطرس الرسل بقوة الروح القدس الناري، أكَّد في أولها أن هؤلاء ليسوا سُكارى كما يظنون لكن هو تحقيق لنبوة يوئيل النبوة "ويكون في الأيام الأخيرة أني أسكب من روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم ... وأعطي عجائب في السماء من فوق وآيات على الأرض من أسفل" (أع 2: 14-19). لهذا كان من الضروري أن ينالوا هذه الموهبة من أجل الخدمة.
وعن الغرض الذي من أجله نال الرسل هذه الموهبة أولاً تكلم القديس يوحنا ذهبي الفم، فيقول:
[لماذا نال الرسل هذه الموهبة قبل الباقين؟ لأنهم كانوا سيسافروا للخارج إلى كل مكان. وكما في وقت بناء البرج انقسم اللسان الواحد إلى ألسنة كثيرة، هكذا إذًا الألسنة الكثيرة اجتمعت في شخص واحد، ونفس الشخص اعتاد أن يتحدث بالفارسية والرومانية والهندية وكثير من الألسنة الأخرى، إذ الروح يتكلم في داخله. ودُعيت الموهبة موهبة ألسن لأنه كان يمكنه في الحال أن يتكلم لغات متعددة.][1]
فما المقصود بأن كل واحد سمعهم يتكلمون بلغته؟ هل كانوا يتكلَّمون بلغتهم الأصلية والمستمعون يسمعونها بلغاتهم المختلفة، أم أن الرسل تكلَّموا بلغات مختلفة حسب ما أعطاهم الروح؟
هذا يناقشه ويوضِّحه القديس غريغوريوس اللاهوتي في مقاله عن البندكستي، يقول:
[تكلموا بألسنة غريبة ليست ألسنة وطنهم. وياللعجب الكبير، لغة تكلمها أولئك الذين لم يتعلموها! العلامة (الأعجوبة) كانت للذين لا يؤمنون وليس للذين يؤمنون، لكي تكون اتهامًا لغير المؤمنين، كما هو مكتوب: "إنه بشفاه لكناء وبلسان آخر يكلم هذا الشعب ... ولكن لم يشاءوا أن يسمعوا" (إش 28: 11). ولكنهم سمعوا. هنا نتوقف برهة ونتساءل ... هل كل منهم سمع لغته الخاصة، حتى أنني يمكن أن أقول أن صوت واحد صدر ولكن أصوات كثيرة سُمِعت؟ وهكذا كأنه قرع للهواء، وإذا جاز التعبير، فإن الأصوات الناجمة تكون أكثر وضوحًا من الصوت الأصلي. أو نتوقف بعد عبارة "وسمعوهم" ثم نضيف "يتكلمون بلغاتهم" إلى ما بعدها بحيث يكون أنهم تكلموا إلى المستمعين بلغتهم الخاصة (أي بلغة المستمعين)، فتكون لغة أجنبية للمتكلمين؟ - لأنهم بهذا تكلموا بلغات أخرى - لأن لو أخذنا بالتفسير الآخر تكون المعجزة معجزة المستمعين وليس المتكلمين، بينما هنا تكون المعجزة في جانب المتكلمين، فهم الذين اتهموا بالسكر، من الواضح لأنهم بالروح صنعوا معجزة في موضوع الألسنة.][2]
إذًا يرى القديس غريغوريوس اللاهوتي أن المعجزة كانت للمتكلمين فهم الذين تكلموا بلغات أخرى. كما يرى أن المعجزة كانت لإعادة توحيد الألسنة التي تبلبلت بسبب شرهم وخطتهم لبناء برج (تك 11: 7). هكذا كان سكب روح واحد على الكثيرين ليسمعوا الكلمة كل بلغته من أجل خلاص الجميع ...
لكن ما مدي ضرورتها للكنيسة اليوم؟
كان التكلُّم بألسنة آية ليس للمؤمنين بل لغير المؤمنين، كما يقول القديس بولس الرسول في (1 كو 14: 22)، أو كان للخدمة ولتوصيل كلمة الرب لمن لا يعرفون لغة المتكلِّم ... هكذا لا تكون هناك ضرورة للتكلُّم بألسنة في أيامنا الحالية، حيث توجد ترجمات مكتوبة وفورية يتمكَّن بها الجميع في كل أنحاء العالم من فهم كل ما يقال. أما لو كان اللسان غير مفهوم فلا تكون هناك فائدة بل يُعتبرون أنهم يهذون، كما يقول القديس بولس الرسول صراحة: "فإن اجتمعت الكنيسة كلها في مكان واحد، وكان الجميع يتكلَّمون بألسنة، فدخل عاميون أو غير مؤمنين، أفلا يقولون إنكم تهذون؟" ويؤكد أن يكون كل شيء للبنيان وبنظام "فليكن كل شيء للبنيان. إن كان أحد يتكلَّم بلسان، فاثنين اثنين، أو على الأكثر ثلاثة ثلاثة، وبترتيب" ثم يقول لابد من ترجمة وإلاّ فليصمت من يتكلَّم بلسان (1 كو 14: 23، 27، 28) ... فالهدف إذًا للبنيان، للخدمة، لتوصيل الرسالة ... فما بالكم لو كانت الألسنة بدون معنى غير مفهومة والحضور جميعًا لغة واحدة؟ ماذا يكون الهدف منها إذًا؟ يكون الأمر كآلة موسيقية تصدر أصوات بلا معنى أو كشخص يتكلَّم في الهواء، فلا ينتفع أحد.
وقد شرح البابا شنودة ذلك بالتفصيل، وأيضًا القديس يوحنا ذهبي الفم في تفسيره لرسالة كورنثوس الأولي، بقوله أن ما يقصده بولس الرسول أنه إذا لم أكن أقول ما يمكنك أن تفهمه ويكون واضحًا، وإنما مجرَّد استعراض أن لديَّ موهبة الألسنة، بألسنة لا تفهمها فستخرج دون أي نوع من الفائدة، لأن كيف تستفيد من صوت غير مفهوم؟
هكذا يتحدث أيضًا القديس يوحنا ذهبي الفم تعليقًا على الأيات (1كو 14: 7-19) بعبارات صريحة عن عدم نفع الألسنة ما لم يكن هناك ترجمة لها، فيقول:
["إن لم تُعطوا باللسان كلامًا يُفهم، فكيف يُعرف ما تُكلِّم به؟ فإنكم تكونون تتكلمون في الهواء" (1كو 14: 9)، أي تنادون على لا أحد وتكلمون لا أحد. هكذا في كل موضع يُظهر عدم نفعها (الألسنة). قد يقول أحد: إذا كانت بلا منفعة فلماذا أُعطيت؟ أُعطيت لكي تكون نافعة لمن أخذها. لكن إذا كان لابد أن تكون كذلك لآخرين، فلابد من إضافة ترجمة ... فإذا لم يكن للشخص ذاته موهبة الترجمة يمكنه أن يصحبه آخر له موهبة الترجمة فتكون موهبته نافعة من خلاله. لذلك ففي كل موضع يبرز نقص الموهبة لكي يربط الاثنان معًا ... فالموهبة حقًا ممتازة ولازمة، ولكنها هكذا عندما تجد من يوضح ما يقال. فكما أن الإصبع لازم، لكنه حين ينفصل عن باقي الأعضاء لن يكون مفيدًا بنفس القدر، والبوق لازم، ولكن عندما يصدر صوتًا عشوائيًا يكون بالأكثر إزعاجًا.][3]
أيضًا تعليقًا على الآيات (1كو 14: 11، 16، 17):
[انظروا كيف في كل موضع باجتهاد يعفي الموهبة من اللوم ويلقي التهمة على من ينالها، فهو لم يقل "أكون أعجميًا" وإنما "أكون عند المتكلم أعجميًا". وأيضًا لم يقل "ويكون المتكلم أعجميًا" وإنما يكون "المتكلم أعجميًا عندي" ... ثم يتدرج بالمناقشة إلى القول أنه ليس فقط للآخرين يكون بلا منفعة، ولكن أيضًا له هو نفسه، إذا كان وهو يصلي بلسان الذهن بلا ثمر. لأنه إذا كان شخص يتكلم فقط بالفارسية أو أي لسان أجنبي، ولا يفهم ما يقول، يكون بالطبع بالنسبة لنفسه أيضًا أعجميًا، وليس للآخر فقط، طالما لا يعرف معنى الصوت. لأنه قديمًا كثيرون كان لهم موهبة الصلاة وبلسان، وصلوا وتكلم اللسان، بصلاة إما بالفارسية أو اللاتينية، ولكن بذهنهم لم يكونوا يعرفون ما يقولون. لذلك قال: "لأنه إن كنت أصلي بلسان، فروحي تصلي، وأما ذهني فهو بلا ثمر".][4]
ويؤكد القديس يوحنا ذهبي الفم فكره أن الرسل تكلموا بلغات أخرى، في تعليقه على العبارة: "فإن باركت بالروح، فالذي يشغل مكان العامي، كيف يقول "أمين" عند شكرك"؟ لأنه لا يعرف ماذا تقول! فإنك أنت تشكر حسنًا، ولكن الآخر لا يُبنى" يقول أن بولس الرسول يعني أن اللسان يمكن أن يتكلم، والذهن لا يجهل الأشياء التي تقال، وإلا فيكون هناك ارتباك ... فحسنًا أنك تشكر ولكن الآخر لا يُبنى. فهنا أيضًا يركز على بناء الكنيسة[5]
هنا نلاحظ أيضًا الرأي بالنسبة لمن يتكلمون ألسنة غير مفهومة أساسًا، مجرد لغو هم أنفسهم لا يعرفون ما يقولون. فيقول أن اللسان يتكلم لكن لابد أن الذهن أيضًا يفهم ما يقال. هذا بالإضافة إلى أن الغرض وهو بناء الكنيسة لا يتحقق.
⸭
Comments
Post a Comment