التقليد المقدَّس وكنيستنا القبطية الأرثوذكسية التقليدية (1) التقليد وأهميته
إنه وديعة الإيمان التي أعطاها ربنا يسوع المسيح للرسل، وهؤلاء سلَّموها لتلاميذهم الذين بدورهم نقلوها إلى الكنيسة كلها من جيلٍ إلى جيلٍ من خلال قادتها بالخلافة الرسولية Apostolic Succession والتسلسل الرسولي الذي لم ينقطع في كنيستنا الأرثوذكسية. هو مصدر وأصل العهدين، حُفظ من خلال تعاليم وقوانين المجامع المسكونية المعترف بها من الكنيسة الجامعة، وقانون الإيمان الذي وضعته هذه المجامع، وقرارات المجامع المحلية التي تعقد لتثبيت العقيدة السليمة في مواجهة الهرطقات.
إن التقليد الرسولي المقدَّس هو رسالة الله لنا مكتوبة على ألواح قلوبنا اللحمية مخدومة من رسله وخلفائهم، كما عبَّر عن ذلك القديس بولس الرسول بقوله: "ظاهرين أنكم رسالة المسيح، مخدومة منَّا، مكتوبة لا بحبرٍ بل بروح الله الحي، لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحمية" (2 كو 3: 3). وهو الوعد الذي وعد به منذ القديم: "هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام، يقول الرب، أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم ..." (إر 31: 33).
باختصار التقليد هو عمل الروح القدس في الكنيسة يرشد ويذكِّر بكل تعليم السيد المسيح.
أهمية التقليد كمصدر للعقيدة:
الكتاب المقدَّس هو أول مصدر موثوق به، حيث أنه إعلان الله للبشر، أوحى به لقديسيه بالروح القدس الذي حفظهم في تدوينه، كما هو واضح من قول القديس بطرس الرسول: "عالمين هذا أولاً: أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلَّم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2 بط 1: 20، 21). وأيضًا كقول القديس بولس الرسول: "كل الكتاب هو موحى به من الله" (2 تي 3: 16).
وكذلك التقليد المقدَّس حيث كان المؤمنون قبل تدوين أسفار العهد القديم يسترشدون في معرفة الله وطريق الخلاص بالتقليد المقدَّس وحده، أى التسليم الشفاهي، وهكذا أيضًا بالنسبة لكتب العهد الجديد. فأول من سلَّم تعاليم العهد الجديد شفاهة لآذان الشعب كان مخلِّصنا يسوع المسيح نفسه، الذي علَّم الناس طوال ثلاث سنوات ونصف ونشر البشارة دون تدوين. بل إنه حين أرسل تلاميذه لم يوصهم أن يكتبوا الإنجيل وإنما أن يعلِّموا ويعمِّدوا: "فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلِّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به." (مت 28: 19، 20) ثم صار التدوين هو أهم وسائل نشر البشارة الإلهية.
واستمرت الكنيسة فترة زمنية كبيرة دون إنجيل مدوَّن ودون تقنين للأسفار. فأول بشارة دوِّنت بعد الصعود كانت - حسب أرجح الآراء - بشارة القديس مرقس، أعقبها بشارة القديس متى الرسول، ثم القديس لوقا وأخيرًا القديس يوحنا. وأعقب ذلك الرسائل. فكيف استمرت الكنيسة؟ وكيف حُفظت العقيدة دون تغيير؟ كيف وصل إلينا التعليم السليم عن الإيمان، والتجسد، والفداء، وطبيعة السيد المسيح، والتثليث والوحدانية، والميلاد العذراوي من القديسة مريم العذراء، والقيامة، والحياة الأبدية ... وغير ذلك من التعاليم الأساسية؟ أليس بالتسليم الشفاهي من الرسل الأطهار ومن خَلَفَهم من الآباء الرسوليين، ثم آباء الكنيسة الأولين والمجامع المسكونية الثلاثة الأولى؟
فالتقليد إذًا هو المخزون الرسولي الذي انتقل للكنيسة مع الكتاب المقدس. وهو ليس رسالة معيَّنة ومجموعة عقائد وممارسات جافة، إنما هو تاريخ الخلاص وعمل الروح القدس في حياة الكنيسة مرشدًا ومذكِّرًا بكل ما قاله وعمله السيد المسيح.
هكذا فإن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية كنيسة كتابية تقليدية.
كنيسة كتابية تلتزم بالكتاب المقدَّس وبكل ما ورد فيه، وبالتقليد، لأن الكتاب المقدَّس لا يحوي كل شيء. فلابد مما يكمِّله بتعليم وتفسير سليم لا يتعارض مع ما جاء فيه بالوحي المقدَّس.
وهناك آيات كثيرة تثبت عدم احتواء الكتاب المقدَّس كل شيء، من ذلك قول القديس يوحنا الرسول: "وآيات أُخر كثيرة صنع يسوع قدَّام تلاميذه لم تُكتب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه" (يو 20: 30، 31). وأيضًا قوله "وأشياءُ أُخر كثيرة صنعها يسوع، إن كُتبت واحدةً واحدةً، فلستُ أظنُّ أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة" (يو 21: 25).
بل أن السيد المسيح ذاته يقول أن هناك الكثير لم يخبرهم به، وسوف يسمعونه من الروح القدس: "إن لي أموراً كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلَّم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلَّم به، ويخبركم بأمور آتية ... لأنه يأخذ ممّا لي ويخبركم" (يو 16: 12-15).
ويؤكد لنا القديس مرقس الرسول كيف أن السيد المسيح كان بأمثالٍ كثيرةٍ يكلِّم الشعب حسبما كانوا يستطيعون أن يسمعوا (مر 4: 33). ويقول أيضًا أن السيد المسيح كان يقضي الساعات الكثيرة يعلِّم الشعب: "فلمّا خرج يسوع رأى جمعًا كثيرًا، فتحنَّن عليهم ... فابتدأ يعلِّمُهم كثيرًا. وبعد ساعاتٍ كثيرة تقدَّم إليه تلاميذه قائلين: .... اصرفهم ..." (مر 6: 34-35). فهل الكتاب المقدَّس يحوي كل ما قاله الرب طوال تلك الساعات!
وأيضًا لا يحوي العهد الجديد كل معتقدات الكنيسة وممارساتها وطقوسها ولكنها جميعها تتفق معه. فمن أين أتت بها الكنيسة وانتقلت من جيلٍ إلى جيلٍ بكل حرص؟ ربما نجد الإجابة فيما قاله القديس لوقا الإنجيلي في سفر الأعمال أن السيد المسيح ظل يظهر للتلاميذ بعد قيامته المجيدة أربعين يومًا يحدِّثهم عن الأمور المختصة بملكوت السموات: "الكلام الأول أنشأته يا ثاؤفيلس، عن جميعِ ما ابتدأ يسوعُ يفعله ويعلِّم به، إلى اليوم الذي ارتفع فيه، بعدما أوصى بالروح القدس الرسل الذين اختارهم. الذين أراهم أيضًا نفسه حيًا ببراهينَ كثيرةٍ، بعدما تألَّم، وهو يظهر لهم أربعين يومًا، ويتكلَّم عن الأمورِ المختصَّة بملكوت الله" (أع 1: 1-3). فأين هذه التعاليم التي سلَّمها لهم طيلة أربعين يومًا؟
وعلى سبيل المثال أمور كثيرة في طقوس الكنيسة لم ترد في الكتاب المقدَّس، وتمارسها الكنيسة وتعطيها نفس سلطان الأسفار. من ذلك على سبيل المثال: رشم علامة الصليب على ذواتنا وعلى المعمَّدين وعلى كل شئ: فأين وردت في الكتاب؟ طقس جحد الشيطان وملائكته ... الاتِّجاه للشرق في الصلاة ... عبارات استدعاء الروح القدس في الإفخارستيا ... عدم الصوم أو السجود أيام الأحاد ... طقس الفرح من القيامة إلى أحد العنصرة ... ترتيب طقس القدَّاس ذاته ... رفع البخور في عشية وباكر والقدَّاس ... طقس إقامة أساقفة وقسوس، ورسامة شمامسة ... استبدال السبت بالأحد ... طقوس الزواج ... الصلاة على الموتى ... وغير ذلك الكثير ... فكلها أمور لم ترد تحديدًا في الكتاب المقدَّس، ولكنها تتفق معه وتوضِّحه، ونجد لها مرجعًا لدى آباء الكنيسة الأولين. كما أن الكنيسة اعتادت ممارستها أجيالاً طويلة.
بل إن الكتاب المقدس ذاته لا يمكن فهمه وتفسيره سوى في إطار التقليد. فالتفسير الخاص هو الخطأ الذي تقع فيه الهرطقات. فالهراطقة يعتمدون على فهمهم الخاص لأقوال الكتاب، ولذلك انشقُّوا وانقسموا على أنفسهم. إن مشكلة الهرطقات والبدع ليست إنكار وجود الكتاب المقدَّس، وإنما التفسير السليم له. فإحدى الأفكار الخاطئة في بعض الكنائس الحديثة هي فكرة أن كل فرد مسيحي مؤهل تمامًا لفهم وتفسير الكتاب بنفسه. وهذا ما يشهد به الواقع الموجود الذي يظهر في الانقسامات التي لا تدخل تحت حصر في بعض الطوائف. فلو آمن هؤلاء بالتقليد، والتزموا به لما انحرفوا عن طريق الصواب ولا انشقًّوا عن الكنيسة الأولى ولاستمرت الكنيسة واحدة وحيدة جامعة مقدَّسة لا ينفصل عنها عضو. فالإنسان مهما كانت ثقافته العلمية أو الدينية قد يخطئ التفسير. مثال ذلك صعوبة فهم رسائل القديس بولس الرسول لما فيها من عمق ودقة، وأحيانًا إبهام، كما أشار القديس بطرس الرسول بقوله عنها: "فيها أشياءُ عسرةُ الفهم، يحرِّفها غير العلماء وغير الثابتين، كباقي الكتب أيضًا، لهلاكِ أنفسهم" (2 بط 3: 16).
الترجمات الحديثة أيضًا في بعض الأحيان، وليس فقط الافتقار إلى التفسير السليم، تؤدي إلى الانحراف. فهذه الترجمات قد تضم تحزبات عقيدية للمترجمين. فكثير من المسائل التاريخية، بل واللغوية، هي مثار جدل واختلاف في المعنى. والحل؟ التقليد هو الحل، الذي باتِّباعه تُحفظ وحدة الكنيسة حول التفسير الذي سلَّمته كنيسة القرون الأولى للمؤمنين في ذلك الحين، والذين سلَّموه بدورهم لخلفائهم، وهكذا عبر القرون. إنه التقليد الذي يحصِّن الإيمان المسيحي السليم.
السيد المسيح أشار إلى التقليد في توبيخه للكتبة والفريسيين حين انتقدوا تلاميذه لأنهم يتعدًّون تقليد الشيوخ من جهة الأكل بأيدي غير مغسولة. أجابهم السيد المسيح: "وأنتم أيضاً، لماذا تتعدَّوْن وصية الله بسبب تقليدكم؟ ..." (مت 15: 1-9؛ مر 7: 3-5).
كما أننا نستدل من التقليد على صحة الكتاب المقدَّس، والأسفار المعترف بها والصحيحة. هكذا اختارت الكنيسة البشائر والرسائل الموثوق في صحتها، وصحة ما ورد بها، وصحة نسبتها إلى أصحابها، وضمَّنتها كتاب العهد الجديد لتصير دستورًا للمسيحية منذ البداية دون تغيير في أي عصر من العصور. هكذا أصبح الكتاب المقدَّس منزَّهًا عن التحريف.
لو لم تتَّفق الكنيسة الأولى على هذه النصوص وتقنِّنها لأصبح الكتاب المقدَّس عرضة للتغيير في كل عصر حسب أهواء أناس ذلك العصر! كذلك بالنسبة للممارسات الأخرى التي لم ترد بالكتاب المقدَّس، وإنما مصدرها الوحيد هو التقليد، لو لم تتمسَّك بها الكنيسة وتمارسها منذ البداية دون أدنى تغيير لما كان هناك اتِّفاق عام واحد على هذه الممارسات، ولسارت كل كنيسة حسب فكر رؤسائها كما هو حادث في الكنائس الحديثة التي ترفض الأخذ بالتقليد المقدَّس.
فهناك أحداث وأشياء غير مكتوبة في أسفار العهد القديم عرفناها انتقلت بالتقليد حتى عرفناها في العهد الجديد من الرسائل التي كتبها الرسل الأطهار، مثل:
- مخاصمة ميخائيل رئيس الملائكة لإبليس محاجًا عن جسد موسى، وانتهاره له (يه 9) وهو حدث لم يُذكر في أسفار العهد القديم.
- نبوة أخنوخ السابع من آدم عن مجئ الرب في ربوات قديسيه ليدين ويعاقب (يه 14، 15)
- مقاومة شخصين لموسى النبي وهما ينِّيس ويمبريس اللذيْن لم يرد ذكرهما في أسفار موسي (2 تي 3: 8)
- كلمات القديس بولس الرسول لقسوس كنيسة أفسس عن قول للرب يسوع المسيح لم ترد في أي موضع آخر من الأناجيل أو الرسائل: "... متذكِّرين كلمات الربِّ يسوعَ لأنه قال: مغبوطٌ هو العطاءُ أكثرُ من الأخذِ" (أع 20: 35).
وللموضوع بقية إن شاء الرب ...
Comments
Post a Comment