القديس يوحنا المعمدان وعظمته بشهادة السيد المسيح
القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ
عظمة يوحنا المعمدان بشهادة السيد المسيح
نعرف أن القديس يوحنا المعمدان هو ابن زكريا الكاهن والقديسة أليصابات، الذي ولد ببشارة لأبيه بتحقق طلبتهما أن يكون لهما ابن ... ولكن أبيه تشكك في بشارة الملاك له فعوقب بالصمت حتى ولادته ... تكلَّمت عنه النبوات وشهد له السيد المسيح شهادة رائعة.
دُعي السابق لأنه سبق السيد المسيح بستة أشهر كقول الكتاب "وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله ... إلى عذراء مخطوبة .... هوذا أليصابات نسيبتك هي أيضًا حبلي بابن في شيخوختها وهذا هو الشهر السادس لتلك المدعو عاقرًا" (لو 1: 26، 36).
ودُعي الصابغ لأنه جاء ليعمد والمعمودية هي صبغة بابتيزما كما قال السيد المسيح لابني زبدي في (مت 20: 22) "هل تستطيعان أن تشربا الكأس التي سوف أشربها أنا وأن تصطبغا بالصبغة التي اصطبغ بها أنا؟" وفي اللغة الإنجليزية: “… be baptized with the baptism that I am baptized with”
فلنعرف سر عظمته التي شهد له بها رب المجد: أنه الصوت الصارخ في البرية .. نبي الله .. قديسًا .. جريئًا في الحق
أولاً: القديس يوحنا المعمدان كان هوالصوت الصارخ في البرية
تبدأ قصته من العهد القديم من نبوة إشعياء النبي (إش 40: 3): "صوت صارخ في البرية: أعدو طريق الرب. قوِّموا في القفر سبيلاً لإلهنا ... فيُعلن مجد الرب ويراه كل بشر جميعًا، لأن فم الرب تكلَّم" ...
فكان القديس يوحنا المعمدان هو ذلك الصوت الصارخ الذي تحققت فيه النبوات كما يتضح من الإنجيل ومن كلماته هو نفسه ... القديس لوقا يذكر هذه النبوة في (لو 3: 2-6) "كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البرية، فجاء إلى جميع الكورة المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا، كما هو مكتوب سفر أقوال إشعياء النبي القائل: ’صوت صارخ في البرية .... " وذكرت هذه النبوة أيضًا في (مت 3: 3 ؛ مر 1: 2-4 ؛ لو 1: 17).
أيضًا هو ذاته كان يدرك ذلك، ويدرك رسالته ... ففي (يو 1: 22، 23)، عندما سأله الكهنة واللاويين المرسلين من اليهود: "من أنت، لنعطي جوابًا للذين أرسلونا؟ ماذا تقول عن نفسك؟" أجابهم مذكرًا إياهم بنبوة إشعياء: "أنا صوت صارخ في البرية: قوموا طريق الرب، كما قال إشعياء النبي" ...
وهذا ما أكده أيضًا السيد المسيح ذاته وهو يكلِّم الجموع عن يوحنا في (مت 11: 10) قائلاً: "فإن هذا هو الذي كُتب عنه: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك" ...
ثانيًا: القديس يوحنا المعمدان كان ايضًا نبي الله
النبي يتكلَّم بروح الله، لذلك امتلأ القديس يوحنا من بطن أمه من الروح القدس، كما قال الملاك لزكريا أبيه عنه (لو 1: 15) وبهذا الروح عرف السيد المسيح وهو في بطن العذراء فارتكض بابتهاج عند سلام القديسة مريم لأمه وهو في بطنها ...
أبوه تنبأ عنه أنه نبي، فعندما تكلَّم بعد الصمت الذي أصابه أمتلأ هو نفسه من الروح القدس، وقال عنه: "وأنت أيها الصبي نبي العلي تدعى، لأنك تتقدم أمام وجه الرب لتعد طرقه، لتعطي شعبه معرفة الخلاص ... " (لو 1: 76، 77) وهي نفس نبوة النبي إشعياء.
والسيد المسيح نفسه، شهد له أنه نبي كما شهد أنه الصوت الصارخ، وأيضًا أنه أعظم من ولدته النساء. وهو يحدث الجموع عنه قال: "ماذا خرجتم لتنظروا؟ أنبيًا؟ نعم، أقول لكم، وأفضل من نبي" ثم يصفه بعبارات رائعة، قائلاً: "لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان" (مت 11: 9، 11). وفي (لو 7: 28) يحدد أنه أعظم الأنبياء فيقول: "إنه بين المولودين من النساء ليس نبي أعظم من يوحنا المعمدان".
والناس أيضًا كانوا ينظرون إليه على أنه نبي: حتى أن هيرودس بعد أن سجنه لأنه وبخه كان يخاف أن يقتله، لأنه كان عند الشعب مثل نبي (مت 14: 5)، وأيضًا رؤساء الكهنة والشيوخ حين سألهم الرب يسوع عن معمودية يوحنا من أين كانت من السماء أم من الناس يقول الإنجيل في (لو 20: 6) أنهم خافوا لو قالوا كانت معموديته من الناس فجميع الشعب يرجمونهم لأنهم واثقون أنه نبي.
وكما يقول القديس كيرلس الأورشليمي: كان حقًا أعظم من كل الأنبياء، حتى من إيليا الذي اختطف إلى السماء، وحتى من أخنوخ الذي نقل، بل حتى موسي الذي أعطى الناموس، كلهم لم يكونوا أعظم من يوحنا ... حسب إعلان ربنا يسوع المسيح[1]
ثالثًا: القديس يوحنا المعمدان كان قديسًا
عاش حياة زهد وتجرُّد من شهوة المقتنيات: كما قال عنه السيد المسيح أنه "جاء لا يأكل ولا يشرب" (مت 11: 18 ؛ لو 7: 33). وكان لباسه من وبر الإبل، ومنطقة من جلد، وكان طعامه جرادًا وعسلاً بريًا ... (مت 3: 4 ؛ مر 1: 6).
وقد علَّق القديس كيرلس الأورشليمي على هذا بقوله:
فهو لم يكن قديسًا في الظاهر فقط، وإنما أيضًا سلك حياة بر واستقامة: بشهادة السيد المسيح نفسه، إذ قال عنه موبِّخًا رؤساء الكهنة والشيوخ في الهيكل: "يوحنا جاءكم في طريق الحق فلم تؤمنوا به" (مت 21: 32) ؛ "هو شهد للحق" (يو 5: 33). حتى أعداؤه كانوا يعلمون استقامته، لذلك كان هيرودس يخاف منه ولم يكن يريد أن يقتله ... علَّم تلاميذه الالتزام بالصوم والصلاة كما يظهر من انتقاد الكتبة والفريسيين للسيد المسيح: أن تلاميذ يوحنا يصومون كثيرًا ويقدمون طلبات، وكذلك تلاميذ الفريسيين أيضًا، أما تلاميذه فيأكلون ويشربون، فكان رد السيد المسيح بأنهم لا يصومون لأن العريس معهم وحين يرفع عنهم حينئذ يصومون (لو 5: 33-35) ... من هذا نعرف أنه كان يعلِّم تلاميذه أن ينفِّذوا وصايا الناموس.
ربما كان هذا يجعل البعض يتشككون في السيد المسيح، لذلك حين كان يوحنا في السجن وسمع بأعمال المسيح والمعجزات التي يصنعها أراد لهم أن يتأكدوا بأنفسهم حتى لا يُعثروا، فأرسل إليه تلميذين يقولان: "أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟" ... سؤال غريب بعد شهادته وتحققه بنفسه من قبل أنه هو الآتي وهو ابن الله الذي من فوق ... ولكنه كان يريد أن لا يشك تلاميذه حين يرون تصرفات يعتبرها الفريسيون مخالفة للتقليد من أكل وشرب فأرسلهم ليسمعوا منه هو ذاته ... لذلك قال السيد المسيح لتلميذي يوحنا: "اذهبا واخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران: العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يُطهَّرون، والصم يسمعون، والموتي يقومون، والمساكين يبشرون. وطوبى لمن لا يعثر فيَّ" (مت 11: 2-6) ... إذًا عاش حياة زهد في المقتنيات، حياة بر واستقامة ...
وأيضًا كان زاهدًا في السلطة ... رغم علمه بأهمية رسالته لم يتطلع أن يكون هو المسيح، بل إنه أكد لمن سألوه "لست أنا المسيح"، ووجه أنظارهم إليه ووصفه بصفات الألوهة ... كان كل اهتمامه هو تحقيق رسالته: تمهيد الطريق للمسيح لأنه هو الذي يرفع الخطايا، وإعداد الناس بالتوبة...
يظهر عدم تطلعه لسلطة أو حب ظهور حين أخبره تلاميذه أن السيد المسيح الذي شهد له هو يعمد والجميع يأتون إليه (يو 3: 26) ... وأن الفريسيون أيضًا سمعوا أن يسوع يعمد تلاميذ أكثر من يوحنا – مع أن يسوع نفسه لم يكن يعمد بل تلاميذه (يو 4: 1، 2) ...
لم يهتم بكل هذا، بل قال لهم: "من له العروس فهو العريس، وأما صديق العريس الذي يقف ويسمعه، فيفرح فرحًا من أجل صوت العريس. إذًا فرحي هذا قد كمل" (يو 3: 29) ... لقد أدرك أن السيد المسيح هو العريس الذي له العروس كنيسته وكان راضيًا أن يكون صديق العريس الذي يقف ويسمع صوته ويفرح به، ويكمل بقوله: "ينبغي أن ذلك يزيد وأني أنا أنقص"(يو 3: 30) ... لم يتطلع أن يكون هو العريس محور الاهتمام، ولكنه يفرح لفرح العريس!!! والأكثر أن يقول ينبغي أن ذاك (العريس) يزيد وهو نفسه (يوحنا المعمدان العظيم الذي جاء برسالة عظيمة إعداد شعب كامل) هو نفسه ينبغي أن ينقص!!!
رابعًا: كان القديس يوحنا جريئًا في انتقاده للخطية والرياء
في قداسته كان يكره الشر ويحاربه بقوة ... ولأن رسالته كانت أن يعد شعبًا مستعدًا للرب فبدأ بدعوتهم للتوبة: "توبوا، لأنه قد اقترب ملكوت السموات" (مت 3: 2؛ لو 3: 3) ... ثم في جرأة وبخ الرؤساء الدينيين الأقوياء ... وبخ الفريسيين والصدوقيين بشدة: "فاصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة. ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم: لنا إبراهيم أبًا. لأني أقول لكم: أن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم. والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجرة، فكل شجرة لا تصنع ثمرًا جيدًا تقطع وتلقى في النار" (متى 3: 7-10) ...
كان شجاعًا في الحق معارضًا للخطية أينما وجدت، فلم يخش هيرودس ولكن في جرأة وبخه بسبب جميع الشرور التي كان يفعلها وبسبب أنه أخذ هيروديا امرأة فيلبس أخيه قائلاً له "لا يحل أن تكون لك" (لو 3: 19؛ مت 14: 3، 4؛ مر 6: 17، 18) فلم يستطع أن يصمت تجاه خطية كبيرة لإنسان حتى ولو في سلطة دينية أو سياسية، ولم يخش الموت وبالفعل قتله هيرودس بإيعاز من هيروديا.
وفي شهادته عن نفسه حين أرسل له اليهود يسألونه، أولاً أقر أنه ليس المسيح (يو 1: 20) ... وأيضًا أنه ليس إيليا (يو 1: 21) وهذا يوضح لنا بشارة الملاك لزكريا أبيه "أنه يتقدَّم أمامه (أمام المسيح) بروح إيليا وقوته" (لو 1: 17) وبهذا المعنى قال عنه السيد المسيح أنه إيليا المزمع أن يأتي (مت 11: 14) وأيضًا قول الرب في نبوة ملاخي : "هأنا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب العظيم والمخوف" (ملا 4: 5) ... ولما سأله تلاميذه لماذا يقول الكتبة أن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً، أجابهم "إن إيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء" ثم أضاف "إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه، بل عملوا به كل ما أرادوا" (مت 17: 10، 11) ... في كل هذه الآيات كان السيد المسيح يؤكد بشارة الملاك أن يوحنا يأتي بروح إيليا وقوته، وأن رسالته أن يرد كل شيء وهذا ما فعله يوحنا بمعمودية التوبة.
وفي النهاية كان بالطبع من بين الذين خلَّصهم السيد المسيح حين نزل إلى الجحيم. وفي هذا يقول القديس كيرلس الأورشليمي:
[أصاب الموت الفزع حين رأى الزائر الذي نزل إلى الجحيم دون أن تكبله سلاسل ذلك المكان. فلماذا يا بوابو الجحيم ارتعبتم لرؤيته؟ إي خوف غير مألوف تملك عليكم. الموت هرب وهروبه كشف جبنه. الأنبياء هرعوا إليه: موسى معطي الناموس، وإبراهيم وإسحق ويعقوب. داود أيضًا وصموئيل وإشعياء، ويوحنا المعمدان الذي شهد له بعد أن سأله: "أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟" (مت 11: 3). كل الأبرار الذين كان الموت قد ابتلعهم تحرروا من الأسر، لأنه كان لابد أن الملك الذي بشروا به يصير مخلِّصًا لمبشريه النبلاء.][3]
أما شهادته هو للسيد المسيح فهي موضوع حديث آخر في حينه إن شاءت نعمة الرب.
بركة هذا القديس العظيم تكون معنا جميعًا ..
Comments
Post a Comment