الإله الواحد مثلث الأقانيم (4) - الوحدانية واستحالة التعددية
دكتورة وداد عباس توفيق
[أنَّه لا يجوز أن نفكِّر في الله كثلاثة في العدد ... وإلا فهذا يعني أنَّ الآب وحده أو الابن وحده أقل من الآب والابن معًا! بينما هما معًا دائمًا وبغيرِ انفصال. وأيضًا ليس أنَّ كليْهما آب أو كليْهما ابن.][1]
أما القديس أثناسيوس فيناقش بإسهاب وبالمنطق استحالة التعدُّدية في كتابه "ضد الوثنيين"، مقدمًا أمثلة تدل على هذا. فنأخذ بعض عبارات من كتابه كأسانيد: [3]
يقول القديس أثناسيوس أنه لا يجوز أن نظن أن هناك أكثر من صانع للخليقة، لأن الديانة الصحيحة والحقيقية هي الايمان بأن الصانع واحد، والخليقة ذاتها تشير بوضوح إلى ذلك. لأنَّ لو كان هناك أكثر من إله لكان بالضرورة هناك أكثر من كون. فغير معقول أن عدة آلهة يصنعون كونًا واحدًا. فتعدُّد الآلهة يعني الضعف من جانبها إذ لا يستطيع أحدهم أن يصنع كوْنًا بمفرده، وهو دليل قوي على افتقار كل منهم إلى المهارة الخلاقة! ... أما إذا كان كل واحد منهم قادرًا بالفعل على صُنع الكل، ولكن الجميع شاركوا العمل لإدعاء المشاركة في النتيجة، فالأمر مُضحك أن كل منهم شارك من أجل الشهرة ولئلا يُظن أنه غير قادر. وهذا أيضًا أمر غريب أن ننسب للآلهة المجد الباطل! كما أن الغريب أن يكون الشيء المخلوق واحد بينما الخالق أكثر من واحد ومختلفين! ... كما أنَّ إذا كان الذي خلق الكون آلهة متعددين، ستكون حركاته متعددة وغير متوافقة مما يؤدي إلى فوضى عامة!
† تناسق نظام الكون كله بهذا الشكل وعدم التصارع بين الأعلى والأدني أو العكس يثبت أن الذي يضبط ويحرِّك الكل هو واحد.
† دفة السفينة: فالسفينة لا يمكن أن تبحر بشكل سليم إذا كان يقودها كثيرين، إلا إذا كان قبطان واحد هو الذي يمسك ذراع الدفة ...
† أيضًا القيثارة لا يمكن أن تعطي صوت موسيقي متآلف النغمات ما لم يكن الذي يعزف عليها فنان واحد. فكما يسمع أحد من بعيد قيثارة بأوتارها المتعددة فيعجب لتوافق سيمفونيتها المتوازنة، فيستنتج أن القيثارة لا تعزف نفسها، ولا أن أشخاص عديدين يعزفون عليها، ولكن هناك عازف واحد، حتى لو لم نكن نراه، وهوالذي يؤلف بمهارته صوت كل وتر لتصدر هذا السيمفونية المتناسقة ...
† التناغم بين أعضاء الجسد المختلفة وعدم التصارع فيما بين هذه الأعضاء، وكل عضو يؤدي دوره مما يدل على وجود الروح التي تحكم هذه الأعضاء، وإن كنا لا نراها.
[إذا ملأنا ثلاثة أكواب من نبعٍ واحد، بالتأكيد نُسمِّيهم ثلاثة أكواب، ولكن لا يمكننا القوْل بأنَّهم ثلاثة مياه. ولكن، في ذات الوقت، حينما نسأل عن هذه الأكواب كل على حدة، نُجيب أنَّ في كلٍ منها على حدة ماء ..... وبذلك لا يعجب أحد ويظن الأمر مستحيلاً أن ندعو الآب "الله"، والابن "الله"، والروح القدس "الله"؛ ومع ذلك ليس هناك ثلاثة آلهة في ذلك الثالوث بل إله واحد وجوْهر واحد.][4]
[لو فُرِض وجود عدد من الآلهة فإمَّا أن يكونوا متساويين تمامًا، أو يكون بعضهم أقوى من بعضٍ أو أكبر أو أقدر. فلو كان البعض أقوى يكون هذا الأقوى إلهًا والأضعف ليس إلهًا. أما لو كانوا جميعهم متساويين فإن قدرةَ كلِّ منهم تكون محدودةً بالنسبةِ إلى قدرةِ غيره الذي يساويه ... وبالتالي قد يكون خالقًا لكلِّ شئٍ ما عدا من يساويه، وهذا نقص؛ أو يكون هو الديَّان الذي يحكم على كلِّ أحدٍ ماعدا الآلهة التي تساويه. هكذا تكون قدرته محدودة، والمحدوديَّة ضد صفة الله غير المحدود ... وبالتالي يكون من حق الناس أن يعبدوا هذا أو ذاك لتساويهما. إذًا لابد من وجود إله واحد.
أما فكرة وجود إلهيْن: إلهٌ للخيْر، وإلهٌ للشر، فهي مرفوضة لأن من الصعب أن نُسمِّي ممثِّل الشر إلهًا لأنَّه ينبغي أن يتَّصِف الله بالصلاح؛ والشرُ لونٌ من الضعف وعدم القدرة على عمل الخير، والضعيف غير القادر لا يمكن أن يكون إلهًا. وإلهُ الشر في الوثنية يمثل الشيطان. والشيطان مخلوق من مخلوقات الله، وتحت قدرته، ويستطيع أن يمنعه، متى شاء، عن إتيان أي شئٍ.][5]
دليل آخر على استحالة التعددية هو:
الوحدة بين الأقانيم في العمل:
يعمل كلٌ من الأقانيم نفس الأعمال، ولا يمكن أن تختلف أعمال كل أقنوم عن أعمال الآخر وإلاَّ كان هذا دليل على اختلاف الطبائع، وهو في الحقيقة غير موجود.
وعن وحدة العمل يتحدَّث القدِّيس غريغوريوس النيسي في كتابه عن "الثالوث القدوس":
[إذا اعتبرنا أنَّ أعمال الآب والابن والروح القدس تختلف عن بعضها البعض لتوقَّعنا من اختلاف طبيعة الأعمال أن الطبائع التى تعملها هي أيضًا مختلفة. لأنَّه لا يمكن أن أشياءً مختلفة في ذات طبيعتها تتَّفق في شكلِ الأعمال التي تعملها: فالنار لا تُبرِّد، ولا الثلج يُعطي حرارة، ولكن أعمالهما تختلف باختلاف طبائعهما. أما إذا أدركنا أنَّ عملَ الآب والابن والروح القدس هو عملٌ واحد لايختلف ولا يتنوَّع في شئٍ، فلابد أن نستنتج وحدانيَّة طبيعتهم من تطابقِ عملهم. فالآب والابن والروح القدس بالمثل يعطون تقديس، وحياة، ونور، وتعزية، وكلَّ النِعم المماثلة. فلا ينسب أحد قدرةَ التقديس بأي مفهومٍ خاص للروح، خاصةً حينما يسمع قوْل المخلِّص في الإنجيل يقول للآب عن تلاميذه: "أيها الآب قدِّسهم في اسمك." (يو 17: 11، 17)]
وهذه الوحدة في العمل لا ينفيها كون أن لكلّ أقنوم خاصية معينة ودور معيَّن قاصر عليه. فكما عرفنا من قبل أن الابن وحده وليس الثالوث هو الذي وُلِد، وصُلِب، وقُبِر، وقام، وصعد إلى السماء. والروح القدس وحده وليس الثالوث هو الذي نزل في هيئةِ حمامة على الرب يسوع وهو يُعمَّد (مت 3: 16)، والروح القدس وحده هو الذي أتى في شكلِ ريح وحلَّ كألسنة من نار على التلاميذ يوْم الخمسين (أع 2: 2، 4). والآب وحده وليس الثالوث هو الذي قال من السماء في يوم عماد السيد المسيح في الأردن وفي يوم تجليه على الجبل: "أنت هو ابني الحبيب" (مت 17: 5)، أو عندما قال الصوْت من السماء: "مجَّدت وأمجِّد أيضاً" (يو 12: 28) كان هو صوت الأب حين ناداه السيد المسيح قائلاً: "أيها الآب مجِّد اسمك" ...
ومع ذلك فالثلاثة أقانيم تشترك في كل الأعمال التي يعملها أحد الأقانيم للبشر كالخلق، والخلاص، والتجسد، والعطايا ...
بالنسبة للخلق السيد المسيح يقول: "مهما عمل ذاك (أي الآب) فهذا يعمله الابن كذلك" (يو 5: 19) وقيل في المزمور "بكلمة الرب صنعت السماوات وبنسمة فيه كل جنودها" (مز 33: 6) وهذا معناه أن الآب قد خلق السماوات ومن فيها بكلمته وبروحه القدوس ......
بالنسبة للتجسُّد كوَّن الروح القدس ناسوتًا للابن ليتحد به اتحادًا أقنوميًا في نفس لحظة تكوين ناسوت الابن. كما قدَّس مستودع العذراء مريم .... إن الروح القدس هو الذي كوَّن الناسوت بما في ذلك الجسد في بطن العذراء، ولكنه كوَّنه بقدرة إلهية هي من الآب بالابن في الروح القدس ......
وفي الحياة والعطايا كل شئ في الوجود هو من الآب بالابن في الروح القدس حتى الحياة نفسها. صحيح أن الروح القدس هو مانح الحياة لكن الحياة أصلها في الآب ... وتتحقق من خلال الابن في الروح القدس أو بواسطته ...
بركة الثالوث القدوس تكون معنا جميعًا
⸭
Comments
Post a Comment