Holy Virgin
(2)
Perpetual Viriginity  

القديسة العذراء مريم

دوام بتوليتها

                                                                                                                               دكتورة وداد عباس توفيق

لماذا نتكلم عن دوام بتولية العذراء القديسة والدة الإله؟ وما أهمية ذلك؟

أولاً  تؤمن كنيستنا القبطية الأرثوذكسية، وكذلك الكثير من الكنائس الأخرى، بأن العذراء مريم دائمة البتولية ... هذا الإيمان موجود منذ بداية الكنيسة الأولى، فمنذ أيام الرسل القديسين لم يكن هذا الإيمان موضع جدال على الإطلاق، وهذا ثابت من أقوال العديد من آباء الكنيسة الأوائل ... كما سنرى لاحقًا.

استمر هذا الإيمان حتى أوائل عصر الإصلاح. بل الغريب حقًا أن حتى المصلحين الأوائل أمنوا وكتبوا عن دوام بتولية العذراء، وكتاباتهم لا تزال موجودة.

من بين هؤلاء على سبيل المثال بعض قادة الإصلاح، مثل:

لوثر:[1] استخدم في كتاباته تعبير "دائمة البتولية" وحتى بعد أن رفض العقيدة المريمية استمر في اعتقاده بدوام بتوليتها، وبأنها أم الله، وكتب صراحة عن ذلك كما ورد في مجموعة مؤلفاته المنشورة، بل هناك عبارة شيقة في إحدي كتاباته يرفض فيها كل تجديف ضد العذراء ويعتقد أنه ينبغي أن يطلب الشخص العفو عن أي شر قيل أو فكر فيه ضدها!!! كما أكَّد أن أخوة يسوع هم أولاد عمه حسب عادة اليهود إطلاق أخوة على أولاد العم.  

ولترتش زوينجل:[2] يؤيد بشكل صريح ومباشر عقيدة دوام بتولية العذراء. وكتب ووعظ أكثر من مرة قائلاً: "أؤمن إيمان ثابت أن "مريم دائمة البتولية أم الله .... وظلت دائمًا عذراء نقية بلا دنس للأبد".

كالڤن:[3] أيد فكرة دوام بتوليتها ولكن ليس بالوضوح الذي أبداه لوثر. فقال أنها لم تنذر البتولية. ورغم ذلك اعترض على المجادلة بأن لها أولاد أخرين، الذين دعوا "أخوة يسوع". وقال إن من يقول هذا ليس سوى شخص مغرم لأقصى حد بالجدل، ومثل هؤلاء يظهرون أقصى جهل.

چون ويسلي:[4] أحد مؤسسي الميثوديست أيد عقيدة دوام بتولية العذراء قائلاً: أنها استمرت عذراء نقية بغير دنس.

ولكن بدأ الجدال مع المصلحين المحدثين، في محاولات لإنكار هذه العقيدة وتشويهها دون دليل كتابي أو حتى منطقي، سوى إدعاء أنه من المستحيل أن تكون القديسة مريم حفظت بتوليتها بعد أن ولدت الرب يسوع! ربما يرون أنه لا يوجد نص صريح في الكتاب المقدس عن ذلك بينما هم يلتزمون بالفكر الحديث "سولا سكريبتورا" Sola Scriptura، وأيضًا ربما لتأكيد رفضهم فكرة عبادة مريم التي نشأت في الكنيسة الكاثوليكية.

وفي الجانب الآخر هناك الفكر الكاثوليكي وبدعة عبادة مريم التي بدأت في القرن الخامس بظهور نسخ أبوكريفا عن حياتها، وأدت إلى فكرة الحبل بلا دنس بمريم العذراء نفسها ...

لكن لنرَ مدي أهمية التمسك بالإيمان بدوام بتولية العذراء ... 

يرى البعض أن دوام بتوليتها أمر غير هام لأنه لا يمس بشارة الخلاص! ولكن الحقيقة أنه من المهم تأكيد ذلك، لأنه يعني ببساطة أمرين:

إولاً الفهم السليم للكتاب المقدس والتعليم عن الرب يسوع المسيح وربط الآيات ببعضها البعض وعدم التوقف عند آية واحدة.

وثانيًا أنه يعني الفهم السليم لحياة القديسة مريم أنها ليست مجرد إناء احتوى ابن الله، الأقنوم الثاني من الثالوث القدوس، وبمجرد ولادته انتهت مهمتها! ولا هي البديل له في تحقيق خلاص البشر، بل استمر عملها ودورها في شهادتها له وتوجيهنا لطاعته والثقة في قدرته. ظهر هذا من بداية خدمته في عرس قانا الجليل، حين قالت للخدام في ثقة: "مهما قال لكم فأفعلوه" (يو 2: 5). ثم طيلة حياته كانت ملازمة وخادمة له، حتى إلى الصليب. لم تتركه بل وقفت ثابتة تحت الصليب، أحشائها تتألم لكن لا تهتز أو تخاف. وبعد صعوده لازمت التلاميذ شاهدة لألوهيته حتى وقت انتقالها.

ويبدأ دورها الهام من وقت البشارة بطاعتها العجيبة، وارتباط ذلك بدوام بتوليتها:

-         في (لو 1: 30، 31) ظهر لها الملاك جبرائيل وبشرها قائلاً: "لا تخافي يا مريم، لأنك قد وجدت نعمة عند الله. وها أنت ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع"؛ ثم حين سألته كيف يكون هذا وهي لا تعرف رجلاً، قال لها: "الروح القدس يحل عليكِ، وقوة العلي تُظلِّلك، فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يُدعى ابن الله". ثم يأتي رد العذراء القديسة: "هوذا أنا أمة الرب. ليكن لي كقولك" (لو 1: 35، 38).

بتحليل العبارات في إنجيل لوقا نخلص إلى ما يلي:

·        طاعة عجيبة من العذراء ، طاعة ممتلئة إيمان وتسليم لمشيئة الله لها ... هذه الطاعة مع طهارتها التي فاقت الكل هي التي أهلتها لهذه الكرامة ولاختيار الله لها دون كل النساء في كل الأجيال ليتجسد منها، كما نطوبها في مدايح كيهك قائلين:"تطلع الآب من سماه ولم يجد من يشبه طهرك في كل طقوس أرسل ابنه تجسد منك. طوباك يا بكر وعروس" ... 

·        طاعتها العجيبة أيضًا تظهر في قبولها أن تحمل وتلد ابن الله دون زواج في مجتمع تتعرض فيه من تحمل دون زواج للعار والرجم الفوري. ومع ذلك هي لم تتراجع بل خضعت في وداعة دون مناقشة!

·        طاعة في الحال، وبفهم، لأنها كانت تعرف الكتب، لأنها عاشت في الهيكل منذ طفولتها وتسلَّمت الإيمان على يد أحبار اليهود، فكانت مثل الجميع تعلم أن المخلِّص سيأتي من نسل المرأة ليسحق رأس الحية كما تقول أسفار موسى النبي. وكانت كل من النساء في كل الأجيال تتطلع إلى أن يأتي هذا المخلِّص منها ...

هنا نأتي إلى السؤال المهم لنناقشه بالمنطق:

هل يمكن بعد أن ولدت القدوس أن تكون قد تزوجت وأنجبت، أو حتى تزوجت فقط؟

هل يمكن هذا بالمنطق السليم؟

·        هل يمكن لمن أطاعت هكذا، وبعد أن عرفت أن المولود منها هو القدوس الذي تنتظره البشرية، أن تتغيَّر لتعيش حياة زوجة عادية لإنسان عادي؟!

·        كيف بعد أن حملت في جسدها من لا تسعه السماء والأرض؟!

·        هل يمكن لمن ظهر لها ملاك فعليًا وبشَّرها هذه البُشرى أن تقبل أن تتخلَّى عن رسالتها بمجرد أن أتمتها وتعود إلى حياة امرأة عادية؟!

·        ولماذا يقبل العالم فكرة التبتل والرهبنة للنساء والرجال باختيارهم، ولا يقبل فكرة أن تكرِّس العذراء التي حملت رب المجد حياتها لمن اختارها لهذه المهمة؟!

·        والأعجب أن يقبل العالم فكرة أن رهبان البوذية وأمثالهم يمكنهم إخضاع أجسادهم لقوة العقل والروح، ولا يقبل فكرة استمرار بتولية العذراء بعد هذا الحبل المقدَّس العجيب!

·        دعونا نتخيل: هل إذا ظهر لأحد ملاك، ولو دون رسالة، كيف ستتغيِّر حياته بعد ذلك؟! فكم بالأحرى رئيس الملائكة جبرائيل وبرسالة فريدة ينتظرها العالم! هل يمكن أن نتصوَّر أنها بعد أن أتمَّتها عاشت حياة زوجة عادية؟!

·        كيف وهي النقية طول حياتها بقبولها المهمة وأخذ مسئولية تربية ابن الله ورعايته في طفولته حتى صار رجلاً؟ هل وهي ترعاه كانت تمارس حياة الزيجة؟ لقد كانت معروفة بصمتها، تشاهد ابن الله المولود منها وكيف يحكي لها الرعاة البشارة التي قالها لهم الملاك وكيف ظهر لهم جمهور من الجند السماوي يسبح "المجد لله في الأعالى، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة" ... ثم ترى المجوس يسجدون له ويقدمون الهدايا الثمينة ... وتشاهده ينمو أمام عينيها وتشهد ما يصنعه من معجزات ... فكانت "تحفظ جميع هذا الكلام متفكِّرة به في قلبها" (لو 2: 19)!

·        كيف وهي تشاهد معجزاته، بل وتطلب منه أن يصنع معجزة في عرس قانا الجليل وتثق أنه يستجيب لطلبتها وأن المعجزة ستتم دون أي تشكك من جانبها؟!

·        وماذا عن القديس يوسف نفسه؟ بل هل يمكن أن يخطر ببال هذا القديس حامي التجسد، بعد كل ما شهده وصاحب ميلاد السيد المسيح وظهور الملاك له أكثر من مرة في رؤيا، بدايةً ليطمئنه أن يأخذ مريم امرأته وأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس، ثم للهروب إلى مصر، ثم للعودة منها ... هل يمكن بعد كل هذا أن يخطر بباله أن يعيش مع هذه القديسة النقية حاملة رب المجد حياة زيجة عادية؟! أمر لا يمكن أن يخطر ببال عاقل أو يقبله عاقل ...

·        لو قرأنا أسفار العهد القديم جيدًا لرأينا كيف أن تابوت العهد من لمسه كلَّفه حياته (عُزّا) (1 أخ 13: 9، 10)، فكيف يمكن ليوسف رجل الله أن يجرؤ ويقترب من مريم المختارة عرش الله القدوس، خاصة بعد الحلم الذي رآه؟

·        وإذا كان في العهد القديم نقرأ أن مجرد سماع صوت الرب يتكلَّم مع موسى النبي على الجبل والشعب وقوف أسفل الجبل كان يلزمه تقديس الشعب وأن لا يقربوا امرأة ولا يمسوا الجبل لئلا يموتوا (خر 19: 9-23) فكيف كان يمكن للقديس يوسف الذي يحفظ الشريعة أن يقترب من العذراء بعد أن رأي القدوس المولود منها والشهادات له من الرعاة والمجوس ورأى ميلاده العجيب ولمسه بيديه بعد ولادته؟!

·        ثم هناك النبوة في سفر حزقيال التي تقول أن هذا الباب يظل مغلقًا ولا يُفتح لأن منه دخل الرب إله إسرائيل فيظل مغلقًا (حز 44: 2) في إشارة إلى العذراء،وهو ما تذكرنا به الكنيسة في التسبحة !!

·        أيضًا كانت العذراء تتحرك مع أخوته فقط ولم يذكر الإنجيل أي أحد آخر معها غيرهم، ولا حتى القديس يوسف، كما في (مت 12: 46، 47؛ مر 3: 31، 32؛ لو 8: 19، 20) "وفيما هو يكلم الجموع إذا أمه وإخوته قد وقفوا خارجًا طالبين أن يكلموه" ... فلو كانت متزوجة لكانت تأتي مع زوجها أيضًا. (وعن أخوة الرب سوف نتحدث في مقال قادم إن شاء الرب).

·        ثم السؤال الغريب الذي وجهته للملاك حين قال لها أنها ستحمل بابن: "كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً؟" (لو 1: 34) - وهو لم يكن سؤال شك كما كان سؤال زكريا الكاهن عن ميلاد يوحنا المعمدان وعوقب بسبب شكه (لو 1: 18-20) – السؤال غريب لأنها كانت على وشك الزواج من القديس يوسف، فلماذا لم تفكر أنها ستحبل بعد زوجها منه؟ ربما لأنها كانت تعرف أو تعتزم أن تظل عذراء بعد زواجها.

طوباك يا بكر وبتول



[1] Martin Luther, Luther’s Works, Weimar edition, edited by J. Pelikan, Vols. 10, 11, 51
[2] Huldrych Zwingli, Corpus Reformatorum, Vol. 1: 424
[3] John Calvin: Calvini Opera [Braunchwieg-Berlin 1863-199] Vols. 45, 35
[4] John Wesley: Letter to a Roman Catholic

Comments

Post a Comment

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس