Holy Virgin
(3) 

 القديسة العذراء مريم

أخوة يسوع .. لفظ "حتى" .. لفظ "البكر"
                                                                                                                              دكتورة وداد عباس توفيق
أولاً - من هم أخوة يسوع؟

إن فكرة أن يكون لمريم أولاد آخرون طفت إلى السطح من شخص اسمه "هيلفيديوس" حوالي عام 380م، وسببت هياجًا كبيرًا لأن لا أحد كان له هذا الاعتقاد في ذلك الوقت.

وقد رد عليه القديس چيروم بكتاب "دوام بتولية المطوَّبة مريم - ضد هيلفيديوس". ولم يستطع هيلفيديوس أن يقدم ردًا، واندثرت نظريته. ولكنها ظلت كامنة لأكثر من 1500 سنة إلى أن عادت تطفو على السطح بين البروتستانت المحدثين. كما قام هراطقة غيره أيضًا ضد دوام بتولية العذراء، ويقولون أنها أنجبت بعد ولادة يسوع من القديس يوسف.

فلنر بداية ما هو تعريف لفظ "أخ" في الكتاب المقدَّس:

إن "الأخوة" في الكتاب المقدس كما يقول على سبيل المثال القديس چيروم أربعة أنواع: أخوة طبيعية، بالجنس، بالقرابة، وبالمحبة.[1] وقد أعطي أمثلة لكل نوع:

الأخوة الطبيعية كيعقوب وعيسو، واندرواس وبطرس، ويعقوب ويوحنا ... الأخوة بالجنس كما قيل أن كل عبراني وعبرانية هم أخوة (تث 17: 15)، وبولس الرسول يعتبر كل أنسبائه حسب الجسد الإسرائيليين أخوته (رو 9: 3، 4) ... الأخوة بالقرابة مثل إبراهيم ولوط ابن أخيه (تك 13: 8، 11؛ 14: 14): وأيضًا يعقوب ولابان خاله (تك 29: 11، 15) ... ثم الأخوة بالمحبة، كل المؤمنين كقول الرب: "أنتم جميعًا أخوة" (مت 23: 8).

بالنسبة للسيد المسيح قد ورد لفظ "إخوته" في عدة آيات:

·        (مت 12: 46، 47؛ مر 3: 31، 32؛ لو 8: 19، 20) "وفيما هو يكلِّم الجموع إذا أمه وأخوته قد وقفوا خارجًا طالبين أن يكلِّموه. فقال له واحد: هوذا أمك وأخوتك واقفون خارجًا طالبين أن يكلِّموك"

·        (مت 13: 55-56؛ مر 6: 3) "أليست أمه تُدعى مريم، وإخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا؟ أوليست أخواته جميعهن عندنا؟"

·        (يو 2: 12) "وبعد هذا انحدر إلى كفرناحوم، هو وأمه وإخوته وتلاميذه ..."

·        (يو 7: 3-5) "فقال له إخوته ... لأن إخوته أيضًا لم يكونوا يؤمنون به"

·        (أع 1: 14) "كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلقة، مع النساء، ومريم أم يسوع، ومع أخوته"

·        (1 كو 9: 5) يذكر القديس بولس إخوة الرب ...

فإذا طبقنا المعنى العام هنا بالنسبة لأخوة يسوع نجد بعض الحقائق:

-         أن الكتاب المقدس يحوي إشارات كثيرة إلى يسوع على أنه ابن مريم، بينما لا نجد أية إشارة إلى أحد أخر على أنه حرفيًا ابن أو ابنة لمريم ... كما في واقعة بقاء يسوع في الهيكل وعمره 12 سنة لم يذكر أي أخوة له أو أولاد آخرين لمريم أمه (لو 2: 42-51). أيضًا في (مر 3: 20) "ولما سمع أقرباؤه خرجوا ليمسكوه، لأنهم قالوا أنه مختل!" فلم يذكر أي أخوة له!

-         كما لم يذكر إبدًا عن العذراء أنها أم إخوة يسوع وإنما فقط "أم يسوع" ...

-         وأيضًا لو كان ليسوع أي أخوة طبيعيين (بالجسد) لكان عند الصليب أودع أمه لرعاية أخيه بدلاً من تلميذه يوحنا وقوله لها "هذا هو ابنك" ولتلميذه يوحنا "هوذا أمك) (يو 19: 26-27). بينما كان التقليد اليهودي يفرض رعاية الأم في حالة موت الابن البكر للابن الثاني في الميلاد مما يؤكد أنه لم يكن لها أبناء آخرون.

-         وأيضًا دائمًا يقال "أمه واخوته" بتكرار حرف الجر "مع"، لتوضيح الانفصال بينهما كما في (أع 1: 14) "كانوا يواظبون على الصلاة والطلبة، مع النساء، ومريم أم يسوع، ومع أخوته" ... هنا ذكرت النساء ومريم بدون إضافة "مع". 

فمن هم إذًا إخوة يسوع؟

واضح من الكتاب المقدس أن إخوته هم أولاد مريم أخت أمه زوجة كلوبا أو حلفي، فقد جاء ذكرها في أكثر من موضع وأيضًا ضمن النسوة اللواتي تبعن يسوع إلى الصليب، مثلما في:

·        (مت 13: 55؛ مر 6: 3) يذكر أسماء إخوته "إخوته يعقوب ويوسى وسمعان ويهوذا"

·        وقد ذكروا ضمن التلاميذ الاثنى عشر في (مت 10: 2-4؛ مر 3: 14-19)

·        وبأكثر وضوح في (لو 6: 15، 16) "يعقوب بن حلفى وسمعان الذي يُدعى الغيور، يهوذا أخا يعقوب" غير يعقوب ابن زبدي.

·        هم أولاد حلفى أو كلوبا، كما يتضح من الآيات:

o    (مت 27: 55، 56): مريم المجدلية؛ ومريم أم يعقوب ويوسي؛ وأم ابني زبدي (أي يعقوب ويوحنا ابني زبدي)

o    (مر 15: 40، 41): مريم المجدلية؛ ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي؛ وسالومة ... وهنا يميز أن يعقوب ابن مريم زوجة كلوبا هو يعقوب الصغير، تمييزًا له عن يعقوب الكبير ابن زبدي.

o    وفي (يو 19: 25): "وكانت واقفات عند صليب يسوع، أمه، وأخت أمه مريم زوجة كلوبا، ومريم المجدلية" ...

بهذا يتضح أن مريم زوجة كلوبا وأم يعقوب ويوسي هي أخت أمه ... وأن مريم أم يسوع غير مريم أم يعقوب ويوسي الذين دعوا إخوته. فلو كانوا أخوة يسوع بالجسد لقيل في أي آية من هذه الآيات مريم أم يسوع ويعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا!

هكذا نرى حسب الكتاب المقدس أن أخوة الرب: ليس بالطبيعة لأنه لم يرد أنهم أبناء مريم، ولا أبناء يوسف ... وليس بالجنس فلا يمكن أن يطلق أخوة على عدد قليل بينما تكون كل الأمة اليهودية لها نفس اللقب ... وليس بالمحبة، لأنه من كان أولى أن يدعى أخوته غير تلاميذه الذين تلقوا تعليمه مباشرة. هم إذن أخوته بمعنى القرابة أبناء خالته زوجة كلوبا.

ثانيًا - لفظ "حتى/إلى"

في الآية (مت 1: 25) "ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر"، هل تعني تغيُّر الحال بعدها؟

في لغات الكتاب القديمة لا تعني بالضرورة تغيُّر الحال بعدها. وهناك العديد من الآيات تثبت ذلك، منها على سبيل المثال:

-         (2 صم 6: 23) "ولم يكن لميكال بنت شاول ولد إلى يوم موتها" ... فهل بعد موتها أصبح لها ولد؟!

-         (مز 72: 7) "يشرق في أيامه الصديِّق، وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر" ... فهل بعد أن يضمحل القمر لن يشرق الصدِّيق ولا يكون سلام في أيامه؟!

-         (مز 110: 1؛ مت 22: 42-45) "قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك" ... فهل بعد ذلك لن يكون جالسًا عن يمينه؟!

-         (مت 11: 23) "وأنت يا كفرناحوم  ... لو صنعت في سدوم القوات المصنوعة فيك لبقيت إلى اليوم" ... فهل بعد ذلك ما كانت ستبقى؟!

-         (مت 28: 20) "وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" ... وهل بعد انقضاء الدهر لن يكون معنا؟!

-         (رو 8: 22) "فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن" ... وبعد الآن ستكف عن الأنين والمخاض؟!

-         (1 تي 4: 13) "إلى أن أجيء اعكف على القراءة والوعظ والتعليم" ... وهل بعد أن يجيء يكف عن القراءة والوعظ والتعليم؟!

إذًا من المنطقي من حياة القديسة مريم ومن كل ما عرفناه أن هذا ينطبق على الآية "ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر" ... أنه لا يعني أنه عرفها بعد ذلك ...

ثالثُا - لفظ "البكر"

هل يعني لفظ "البكر" في (لو 2: 7) أن مريم لها أبناء آخرين؟

معنى "ابن بكر":

كل ابن وحيد هو ابن بكر، ولكن ليس كل بكر هو ابن وحيد. فلفظ بكر تعني أنه ليس هناك من يسبقه، ولا تعني أن هناك من أعقبه. ونعرف من الكتاب المقدس أن كلمة "بكر" تعني "فاتح رحم" وكان الله يأمر موسى النبي أن يكرس له كل بكر فاتح رحم "قدِّس لي كل بكر، كل فاتح رحم" (خر 13: 2).

كما أن الوالدين اليهود لم يكونوا ينتظروا حتى يولد ابن ثان حتى يدعون الطفل بكرًا، لأن في الناموس اليهودي الطفل الأول كان يدعى دائمًا بكرًا، سواء كان له أخوة آخرين أم لا، وكانت له امتيازات عديدة.

ثم في العهد الجديد: في (عب 1: 6) علي سبيل المثال يقول القديس بولس: "ومتى أُدخِل البكر إلى العالم".. فلو أُخذت بمعنى وجود أبناء آخرين كانت تعني بالنسبة للتجسد أن هناك كلمة أخر، ابن ثانٍ لله! حاشا بالطبع! لم يرد على الإطلاق ما يفيد ذلك في الكتاب المقدَّس.

في الآيات: (رو 8: 29) "بكر بين أخوة كثيرين"؛ (كو 1: 15) "بكر كل خليقة" ... نجد تكملة هامة في الآيات التالية لها توضح معنى البكر بالنسبة للسيد المسيح: "فيه خُلق الكل ... الكل به وله قد خُلق. الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل ... " (كو 1: 16-19).

فهل يعقل أن هناك غيره فيه وبه وله خلق الكل، أو أنه اختص بكل ذلك دون أخوته التالين له! كلام غير منطقي يدحض نفسه.

رابعًا - دوام بتولية العذراء القديسة مريم في فكر الآباء

تكلَّم كثيرون من الآباء عن بتولية العذراء القديسة مريم، وعن أخوة الرب يسوع. من هؤلاء:

القديس أثناسيوس:

يقول مستنكرًا من ينكرون دوام بتولية العذراء كما يفعلون بإنكار مساواة الابن للآب في الجوهر، فالأمران واحد ولا يفيد البشر من ذلك شيء:
[أولئك الذين ينكرون أن الابن بالطبيعة من الآب ومساوٍ له في جوهره، فلينكروا أيضًا أنه أخذ جسد بشري من دائمة البتولية مريم.][2]

القديس أغسطينوس:

[قولها للملاك "كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً"" ما كان يمكن أن تقول هذا إلاّ إذا كانت قد نذرت نفسها من قبل كعذراء. ولكن لأن العادات في إسرائيل كانت ترفض هذا، تم تزويجها لرجل بار ليحفظ لها ما نذرته ... هكذا كانت ولادة المسيح من عذراء قررت أن
تستمر عذراء قبل أن تعرف من الذي سيولد منها "][3]

يوحنا الدمشقي:

[هكذا دائمة البتولية ظلت حتى بعد ولادتها لا تزال عذارء. فلم يحدث أبدًا في أي وقت حتى موتها أنها اجتمعت برجل.][4]



[1] St. Jerome, Perpetual Virginity of Blessed Mary – Against Helvidius, p. 335-346, Vol. 6 NPNF
[2] St. Athanasius, Discourse II, Ch. 21: 70, p386, Vol. 4 NPNF
[3] St. Augustine, On Holy Virginity 4, p. 418 Vol. 3 NPNF
[4] John of Damascus, Exposition of the Orthodox Faith, Ch. 14, p. 85, 86, Vol. 9 NPNF

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس