القديسة العذراء مريم في الكنيسة القبطية (5) - نياحتها وإصعاد جسدها

  Virgin Mary 
(5)

القديسة العذراء مريم في الكنيسة القبطية

نياحتها وإصعاد جسدها
                                                دكتورة وداد عباس توفيق

قبل الحديث عن إصعاد جسد العذراء القديسة مريم، نتحدث أولاً عن نياحتها.

نياحة العذراء مريم 21 طوبة (يناير) وارتباطه بصعود جسدها

البعض يرى أنه لم يرد نص صريح في الكتاب المقدس سواءً عن نياحة القديسة مريم أو عن صعود جسدها ... والحقيقة هناك العديد من النصوص الكتابية تُفسر على أنها تشير إلى نياحتها وإصعاد جسدها. نأخذ كمثال نص من سفر الرؤيا (رؤ 12 بأكمله):

في (رؤيا 12): كل الإصحاح يتحدَّث عن المرأة المتسربلة بالشمس، التي ولدت الابن الذكر العتيد أن يرعى جميع الأمم بعصا من حديد. وكيف أن التنين أراد أن يبتلع الولد، ولكن الولد اُختطف إلى الله، وإلى عرشه. أما المرأة فهربت إلى البرية حيث لها موضع مُعد من الله. ثم ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وملائكته وهزموهم، ولم يوجد مكان لهم في السماء بعد ذلك. طُرح التنين العظيم، الذي هو الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان كما يصفه الكتاب. وطرحت معه ملائكته. وأعطيت المرأة جناحي نسر عظيم لكي تطير إلى موضعها..

والتفسير الراجح لهذا الإصحاح حسب الكثيرين أن المرأة هي العذراء مريم وابنها الذي أراد الشيطان أن يبتلعه على الصليب هو السيد المسيح ولكنه صعد إلى الله وإلى عرشه، أما الشيطان وملائكته (التنين العظيم) فهزمه رئيس الملائكة ميخائيل وملائكته ولم يعد له وجود في السماء، بينما المرأة أُعطيت جناحي نسر لتطير إلى الموضع المعد لها إشارة إلى إصعاد جسدها. وهذا يتفق مع سفر التكوين عن نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية ...

هذا التفسير تأخذ به الكنيسة القبطية وهو موجود صراحة في التسبحة في ثيؤطوكية الخميس حيث تقول الثيؤطوكية أن "المرأة هي مريم السماء الجديدة التي على الأرض المشرق لنا منها شمس البر، لأن الشمس المتسربلة بها هي ربنا يسوع المسيح ... وتأخذ بهذا التفسير أيضًا الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية الشرقية ... هذا عن آيات الكتاب المقدس في هذا الصدد ...

لكن لدينا مصدر أساسي هو التقليد الكنسي السائد من العصور الأولى للمسيحية.

وهو تقليد مستقر في جميع الكنائس الرسولية تمثله الليتورجيات، والأيقونات، وأسماء الكنائس على اسمها، والتسابيح والتماجيد لها، وأقوال الآباء بشأنها، وأيضًا من بعض كتب الإبوكريفا ... وإن كان هناك بالطبع اختلافات حول الاعتقاد الخاص بها وبعض التفاصيل الخاصة بالاحتفال بأعيادها. فأبسط مثال على ذلك اختلاف موعد الاحتفال، فبينما الكنيسة القبطية تحتفل بعيدي نياحتها وإعلان إصعاد جسدها منفصليْن يوم 22 أغسطس مسبوقًا بخمسة عشر يومًا صوم، نجد الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والكنيسة الكاثوليكية تحتفلان بعيدي نياحتها وصعود جسدها مدمجيْن معًا يوم 15 أغسطس مسبوقًا بصوم 14 يوم. وعمومًا هذا الاتفاق على إقامة احتفال لها رغم اختلاف التاريخ هو تأكيد لما لها من كرامة في عقيدة هذه الكنائس.

أولاً بالنسبة لنياحة والدة الإله: يقول التقليد أنها بينما كانت تصلي في القبر المقدس كما اعتادت، أخبرها الروح القدس أنها على وشك الانتقال من هذا العالم. فجاءت إليها العذاري والرسل من كل أنحاء المسكونة حيث كانوا موجودين للتبشير، حملتهم سحابة بتدبير الروح القدس، وأحاطوا بفراشها. ثم حضر الرب يسوع المسيح له المجد مع طغمات الملائكة وأخبرها عن النعيم الأبدي المعد لها، ففرحت. ثم أسلمت روحها النقية في يدي ابنها وإلهها إلى السماء.

ويقول هذا التقليد أيضًا، والذي تأخذ به الكنيسة القبطية ومسجل في السنكسار يوم 21 طوبة، أنه أثناء سير الرسل حاملين الجسد إلى جثسيماني حاول اليهود منعهم من دفن الجسد، ومد أحدهم يده وأمسك بالتابوت فانفصلت في الحال يديه عن جسده والتصقت بالتابوت. ندم على فعله الشرير وبكي بمرارة، وبتوسلات الرسل القديسين عادت يديه والتصقتا بجسده فآمن بالرب يسوع. ثم أكمل الرسل السير بالموكب ودفنوا الجسد بإكرام كبير. وظلت أصوات التسابيح الملائكية حول القبر ومع رائحة بخور ذكية عطرت المكان كله لمدة ثلاثة أيام ثم انقطعت، حيث كانت الملائكة قد حملت الجسد الطاهر.

وعن قصص نياحتها نشير إلى أن أقدم قصة معروفة عن نياحتها وردت في كتاب بعنوان "كتاب نياحة مريم" الذي ظل سليمًا في الترجمة الأثيوبية، ربما تمت كتابته في القرن الرابع. هناك أيضًا كتابات الأبوكريفا المسيحية التي ترجع إلى القرن الثالث. وأيضًا 6 كتب عن النياحة أقدم النسخ منها محفوظة ضمن المخطوطات السريانية للقرن الخامس والسادس رغم أن النص نفسه يرجع إلى القرن الرابع.

ورغم هذا هناك بعض أفكار خاطئة بشأن نياحة العذراء وبالتالي إصعاد جسدها ...

فقد ظهر فكر يقول أنها لم تمت ولكن أُصعدت حية إلى السماء لأن لا يمكن أن الجسد الذي حمل المخلص يموت ويدفن في القبر!!! وحجتهم أن التقليد ليس واضحًا في أمر نياحتها وصعود جسدها.

هذا الفكر لم يجد تأييدًا من معظم الكنائس، فتكاد تكون كل الكنائس تؤمن بأنها رقدت ودُفنت بالفعل حسب الروايات العديدة السائدة من العصور الأولى للكنيسة. وربما لهذا السبب تحتفل الكنيسة القبطية بعيد نياحتها منفصلاً في 21 طوبة تأكيدًا لهذا الاعتقاد.

كما أن التقليد الخاص بنياحتها ودفنها يتأكد بوجود قبر العذراء مريم الفارغ في أورشليم أسفل جبل الزيتون وكنيسة القبر، وأيضًا وجود الزنار المرتبط بإصعاد جسدها. وسنعود للحديث عن ذلك تفصيلاً في مقال قادم إن شاء الرب.

بركة القديس العذراء مريم والدة الإله تشملنا جميعًا ...

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس