القديسة العذراء مريم في الكنيسة القبطية (6) - إصعاد جسدها والزنار
⸭
بمناسبة عيد إعلان إصعاد جسد أمنا العذراء القديسة نتناول الآراء بشأنه، وأدلة إصعاد جسدها، والزنار وما قيل حوله:
في التقليد المبكر الذي تأخذ به كنائس عديدة وأيضًا الكنيسة القبطية ومسجل في السنكسار يوم 16 مسرى أن توما الرسول كان غير حاضر في أورشليم أثناء انتقال القديسة مريم إذ كان يبشر في الهند وأثناء عودته رأي جسدها الطاهر تحمله الملائكة وتصعد به إلى السماء. وقال له أحد الملائكة: "اسرع وقبِّل جسد القديسة مريم" ... ففعل هكذا، وأنها ألقت زنارها إليه كشهادة للحدث.
وعندما وصل إلى التلاميذ أخبروه عن انتقال القديسة مريم فقال لهم: "تعلمون كيف تصرفت عند قيامة السيد المسيح، فلن أؤمن إن لم أر جسدها". فذهبوا معه إلى القبر، وكان هذا بعد اليوم الثالث من نياحتها، ولما كشفوا مكان الجسد لم يجدوه، فتعجبوا واحتاروا. فأخبرهم القديس توما عندئذ بما حدث وأراهم الزنار ... بهذا يكون القديس توما الرسول هو الوحيد الذي رأى صعود جسد العذراء والدليل القوي هو الزنار الذي التقته ليكون شاهدًا للحدث، والموجود حتى الآن.
وبناءً على ذلك طلب الرسل من الرب أن يدعهم يرون ما تم في الجسد الطاهر وقرروا صومًا أسبوعين، وفي اليوم 16 من شهر مسرى (22 أغسطس) ظهر لهم الرب يسوع المسيح ومعه العذراء القديسة مريم وأعلمهم أن جسدها في السماء محفوظًًا لأن الجسد الذي حمل الكلمة لا يبقى في تراب الأرض مثل باقي الأجساد.
هذه عقيدة كنيستنا القبطية الأرثوذكسية وعديد من الكنائس عن إصعاد جسدها الطاهر.
فكيف تطور هذا الاعتقاد في كل العالم و في الكنائس الأخرى؟
تؤمن معظم كنائس العالم في الشرق والغرب بهذا، بناءً على التقليد من القرون الأولي، ومن الليتورجية والأيقونات الخاصة بصعود جسدها في كل العالم.
بدأ الاحتفال بهذا العيد في الكنائس الشرقية من القرن الخامس. وبنهاية القرن الثامن انتقل الاحتفال به إلى الغرب فلم يعد الاعتقاد فقط بنياحتها، بل أيضًا بصعود جسدها. وإن كان بعض المؤرخين يرون أن الاحتفال كان بالفعل شائعًا قبل مجمع أفسس في 431م.
في كنيسة روما الكاثوليكية استمر الاحتفال مثلما في باقي الغرب إلى أن أُعلن كعقيدة رسمية للكنيسة من البابا بيوس 12 سنة 1950 بحيث أن من لا يؤمن بذلك يعتبر خارجًا كلية عن الإيمان الكاثوليكي.
وفكر كنيسة روما عن ذلك يتلخص في ثلاثة أمور:
أولاً أن وعد الرب لكل منا بالحياة الأبدية وقيامة الأجساد تحقَّق في مريم.
ثانيًا لكونها كانت بلا خطية قبل ميلادها (وُلدت بدون الخطية الأصلية) ولأنها دائمة البتولية فلا يمكن أن تكون خضعت لتحلل الجسد الذي هو نتيجة الخطية الأصلية.
ثالثًا أنها بحملها المسيح لعبت دورًا هامًا كأمه في فداء الأنسان وشاركت الرب ملتصقة بحياته وآلامه وموته وقيامته، وكانت حاضرة في يوم الخمسين، لذلك بحق شاركت في قيامته الرب الجسدية ومجده في نهاية حياتها.
أما الكنيسة القبطية الأرثوذكسية:
- فتؤمن بدوام بتوليتها وإصعاد جسدها
- ولا تتفق معهم على الأسس التي بنوا عليها عقيدتهم في صعود جسدها.
- فلا نؤمن أنها وُلِدت بلا خطية
- ولا أن كان لها دور في الفداء
- ولا نؤمن أنها شاركت السيد المسيح في مجده بعد موتها.
وماذا عن الفكر البروتستانتي:
هكذا اختلفت الآراء من جهة نياحتها وصعود جسدها داخل البروتستانتية ذاتها، فالبعض يعتقدون في صعودها جسديًا، بينما الأغلبية لا يؤمنون بذلك طالما لا يوجد نص صريح.
ومع ذلك بعض كنائس بروتستانتية تحتفل بتذكار العذراء أم ربنا أو بنياحتها، كما في الكنيسة الإنجليكانية حيث عاد الاحتفال بيوم 15 أغسطس كعيد صغير لأم ربنا دون تحديد، بعد أن كان هذا الاعتقاد قد اختفي فيها من منتصف القرن 16 إما لعدم الاقتناع به أو اعتباره غير ذي أهمية.
أيضًا هناك لجنة دولية مشتركة بين كنيسة روما الكاثوليكية والكنيسة الانجليكانية لتحديد الأسس المشتركة بين الكنيستين صدر منها إعلان غير رسمي في عام 2004 للدراسة والتقييم، ثم بيان اتفاق في 2005 تم نشره للمناقشة على نطاق واسع وشُكلت لجنة للنظر في الوثيقة وإعداد الرد. في هذا البيان اتفق الطرفان علي بعض مبادئ واختلفا بشأن غيرها.
اعترض الأنجليكان على التعليم عن الحبل بلا دنس وصعود جسد العذراء واشترطوا أن يكون أي تعليم في إطار النموذج الكتابي لتدبير الرجاء والنعمة، أي متفقًا مع تعليم الكتاب المقدس.
إصعاد جسد العذراء في الأبوكريفا:
وفي عمل منسوب لـ ميليتوس أسقف ساردس يؤكد أنها ماتت في حضور الرسل في أورشليم وأن جسدها دفن ثم اختفى. وفي عمل آخر منسوب له أيضًا يقول أن الرب كان لابد أن يقيم جسد أمه ويأخذها معه بفرح إلى السماء.
هناك أيضًا أقوال صريحة من بعض آباء كنائس الغرب مثل غريغوريوس أسقف تورز (من القرن السادس وهو أيضًا مؤرخ مشهور بكتبه التاريخية ورواياته عن معجزات القديسين)، الذي يروى نفس القصة عن حضور الرسل من المناطق المختلفة التي كانوا يبشرون فيها، ثم حضور الرب يسوع مع ملائكته وأخذ نفسها بيديه، وأنه حضر ثانية وأخذ الجسد المقدس إلى الفردوس لينضم للنفس لينعم بحياة ابدية.
هناك أيضًا قصة سجلها يوحنا الدمشقي (في أواخر القرن السابع لمنتصف القرن الثامن) عن صعود جسدها يقول: أن في أيام مجمع خلقيدونية 451م طلب الإمبراطور ماركيون وبوليكاريا زوجته من جوفينال أسقف أورشليم أن يأخذا جسد أم الله، فأخبرهم الأسقف جوفينال أن مريم ماتت بحضور جميع الرسل ولكن عندما فتح قبرها بناء على طلب القديس توما وجد فارغًا فاستنتج الرسل أن الجسد أصعد إلى السماء. هذا القول من يوحنا الدمشقي شائع ومعترف به كحقيقي من الأغلبية.
إذًا أدلة إصعاد الجسد المقدس بإيجاز:
قصة اكتشاف الزنار:
هناك أيضًا تقليد راسخ في الكنيسة السريانية يقول أن الزنار ظل مع القديس توما في الهند إلى يوم نياحته وعاد مع رفاته إلى الرها في أواخر القرن الرابع. ثم نقل الزنار إلى كنيسة العذراء في حمص سنة 476م التي أصبحت تعرف باسم كنيسة أم الزنار. هناك حفظ في وعاء داخل مذبح الكنيسة حتى 1852م. وعند هدم الكنيسة للتجديد وجدوا الزنار في الوعاء داخل المذبح، وأعلنوا الحقيقة بحضور وشهادة أسقف الروم الأرثوذكس وشخصيات أخرى بارزة. كما فحصه الباحثين وأجمعوا على حقيقة وأصالة الزنار. أعادوه مكانه ووضعوا عليه حجر كبير نقشوا عليه تاريخ بناء الكنيسة والزنار. وبعد نحو 100 عام في 1953م أثناء تصفح وثائق مكتبة البطريركية وجدوا لفافة تحوي 46 رسالة عن تاريخ الكنيسة مذكور فيها هذا الاكتشاف. فتم إعلان وجوده في 10/7/1953 في كاتدرائية العذراء أم الزنار على يد مار أغناطيوس إفرام الأول بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس. وتم التقاط صورة نادرة عالية الجودة للزنار ويقال أنه من شعر الجمال ومطرز من الخارج بخيوط من الذهب. ويعتبر في مدينة حمص ذخيرة بالغة الأهمية حيث أنه أهم أثر بل الوحيد للعذراء القديسة مريم. وقد وزعت إجزاء منه إلى كثير من كنائس العالم، فهناك جزء موجود في الهند، وفي عدة أماكن أخرى.
وهناك روايات أخرى عن أنه انتقل إلى القسطنطينية وظل محفوظًا هناك was enshrined من أواخر القرن الرابع حتى الرابع عشر، ومنها إلى فلورنس في إيطاليا حيث بدأت تظهر أيقونات له في القرن 14، ومنها انتشرت في كل العالم.
إيًا كانت الروايات وإن كانت هناك نسخ مماثلة أو أجزاء في أماكن أخرى فالقصة الأصلية من كنيسة السريان الأرثوذكس ثابتة بوجوده ووجود كنيسة باسمه في حمص بسوريا.
كثير جدًا ما يمكن أن يقال عن أمنا وسيدتنا كلنا العذراء القديسة مريم، ولكن يكفي أن ننال بركة الحديث عن بعض من جوانب حياتها المباركة ...
بركة القديسة العذراء مريم تكون معنا جميعًا ...
⸭
Comments
Post a Comment