الصليب في فكر الآباء
(1)
الصليب مجد وقوة

                                                                                                                                       دكتورة وداد عباس توفيق

هل الصليب عار أم مجد؟ رب المجد الذي رأيناه مهانًا ومسحوقًا على الصليب هو الممجد من الأزل وإلى الأبد. أدرك التلاميذ مجده حين أنبأهم عن تسليمه وموته، فطلب منه يعقوب ويوحنا ابنا زبدي أن يجلس واحد عن يمينه وواحد عن يساره في مجده. أما هو فلم يعترض على أنه يجلس في مجده، لكنه نبَّههم إلى الكأس الذي كان مزمعًا أن يشربها، أي الصليب، أما الجلوس عن يمينه ويساره فهو للذين أعدَّ لهم.

وفي مناجاته مع الآب قال: "أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكون معي حيث أكون أنا، لينظروا مجدي الذي أعطيتني، لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم" (يو 17: 24، 25).

وعن أزلية مجده: "والآن مجِّدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يو 17: 5)

إن الصليب لم يُخفِ هذا المجد وإنما أظهره للجميع. الصليب كان يعتبر عارًا لأنه كان عقاب أشر الخطاة، ولكن إذ سمح الفادي أن يتألم به تحوَّل إلى مجد. هكذا فضَّل موسى النبي هذا العارعلى خزائن مصر: "حاسبًا عار المسيح غِنىً أعظم من خزائن مصر" (عب 11: 26).

وإذا كان العالم يراه عارًا إذ أغلقوا عيونهم عن الغرض الذي تحقق من خلاله، لكننا نحن نفخر أن نحمل هذا العار. هكذا في جمعة الصلبوت، كما تألم هو من أجلنا خارج الباب، نخرج نحن أيضًا إليه خارج المحلة حاملين عاره (عب 13: 12، 13).

وأيضًا نسبحه في ذلك اليوم مردِّدين:"لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين عمانوئيل إلهنا وملكنا .. لك القوة والمجد والبركة والعزة يا ربي يسوع المسيح مخلِّصي الصالح ..

هكذا نري مجد الصليب فنفخر به ونحمله ونمجده ونحتفل بتذكاره.

فماذا قال الآباء الأولين عن مجد وقوة الصليب؟ [1]

يقول القديس يوحنا ذهبي الفم في عظاته على الإنجيل بحسب القديس يوحنا:

[نعجب به ليس فقط بسبب المعجزات، ولكن أيضًا بسبب آلامه، لأن إذ هو سُمِّر على الصليب، وجُلِد، وتلقَّى الضربات والبصق ... من أولئك الذين صنع لهم خيرًا. فحتى من جهة هذه الأشياء التي تبدو عارًا من المناسب أن نردد عنها ذات التعبير الذي قاله هو نفسه، إذ دعا هذه الأفعال "مجدًا". فما حدث كان (دليلاً) ليس فقط على الشفقة والمحبة ولكن أيضًا على قوة لا يُنطق بها. ففي ذلك الوقت مُحيَ الموت، وانحلَّت اللعنة، وخزت الشياطين ... وسُمَّر صك خطايانا على الصليب. ولما كانت هذه العجائب جرت بطريقة غير مرئية، لكن حدثت أمور غيرها مرئية، ليظهر أنه بالحقيقة ابن الله الوحيد، رب كل الخليقة. لأنه بينما كان ذلك الجسد المقدَّس معلَّقًا على الشجرة، أخفت الشمس شعاعها، وارتعدت الأرض وأظلمت، والقبور تفتَّحت، والارض ارتجَّت، وخرج عدد لا يُحصى من الأموات ودخلوا المدينة.][2]

 ويقول أيضًا في عظة أخرى على الإنجيل بحسب القديس يوحنا:

[الرسل ... كانوا سينالون هذه الهبة (هبة الروح القدس)، ولكن لم يكن قد أُعطِيَ بعد، لذلك أضاف قائلاً: "لم يكن الروح القدس قد أُعطي بعد ... لأن يسوع لم يكن قد مُجِّد بعد" (يو 7: 39) داعيًا الصليب "مجد".][3] 

ويقول القديس كيرلس الأورشليمي في محاضراته: 

[إن مجد الصليب قاد العميان بالجهل إلى النور، وحل كل الذين كانوا مربوطين بالخطية، وفدى عالم البشر كله.][4]

[لا تخجل أن تعترف بالصليب؛ لأن الملائكة تفخر به، قائلين، "نحن نعرف من تطلبون، يسوع المصلوب" (مت 28: 5) ... الصليب إكليل، وليس خزي.][5]

 [ليتنا لا نخزى من صليب مخلِّصنا، بل نفخر به ... لأنه لم يكن مجرد إنسان الذي مات لأجلنا، ولكن ابن الله، الله صار إنسانًا. أيضًا إذا كان الخروف أيام موسى أبعد المهلك بعيدًا، أليس بالأحرى حمل الله الذي يرفع خطية العالم (يو : 29) يخلِّصنا من خطايانا؟ إذا كان أحد لا يؤمن بقوة المصلوب، فليسأل الشياطين؛ إذا كان أي أحد لا يؤمن بالكلمات، فليؤمن بما يراه. فكثيرون صُلبوا في العالم، ولكن الشياطين لم ترتعب من أي من هؤلاء؛ أما عندما رأوا حتى علامة صليب المسيح، الذي صلب لأجلنا، فإنهم يرتعدون. لأن أولئك ماتوا بسبب خطاياهم الخاصة، أما المسيح فبسبب خطايا آخرين؛ لأنه لم يفعل خطية، ولا وُجِد في فمه غش (1بط 2: 22 مقتبسة من إش 53: 9). ليس بطرس هو الذي قال هذا، لو حدث هذا كنا عندئذ نشك أنه كان متحيِّزًا لمعلِّمه، ولكنه إشعياء الذي قال هذا، الذي لم يكن بالفعل موجودًا معه في الجسد، ولكن بالروح رأي مسبقًا مجيئه بالجسد. ولكن لماذا نأتي بالنبي فقط كشاهد. فلنأخذ بيلاطس نفسه الذي أصدر الحكم عليه قائلاً: "لم أجد في هذا الإنسان عِلَّة" (لو 23: 14). ولما أسلمه غسل يديه قائلاً: "أنا بريء من دم هذا البار" (مت 27: 24). بل هناك شاهد أخرى على براءة يسوع من الخطية: اللص، أول إنسان أُدخِل إلى الفردوس، الذي وبَّخ رفيقه، قائلاً: "إننا ننال استحقاق ما فعلنا، وأما هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محله" (لو 23: 41).][6]

وعن قوة الصليب أيضًا يقول القديس أغسطينوس في عظة على دروس من العهد الجديد:

[لقد غلب العالم كله ... لقد أخضع كل القوات، لقد أخضع ملوكًا، ليس بفخر الجندية، ولكن بعار الصليب: ليس بجنون عنف السيف، وإنما بالتعليق على خشبة، بالآلام في الجسد، بعمل الروح، رفع جسده على الصليب، وهكذا أخضع الأرواح للصليب ... أي جوهرة في تيجانهم أثمن من صليب المسيح على جباه الملوك؟ إذ تحبونه لن تخزوا أبدًا...]

[ثقوا، لقد غلبت العالم" (يو 16: 33). لأن الرئيس سمح أن يجرَّب، فقط  لكي يعلِّم جنوده أن يحاربوا.][7]

وتظهر قوة الصليب أيضًا في مغفرته لأعدائه ومحبته لهم رغم صلبه.

في هذا يقول القديس أغسطينوس:

[على الصليب، أظهر صبره لنا جميعًا، وأعطانا مثالاً لمحبة أعدائنا، إذ وهو يراهم ثائرين حوله، وإذ كان يعرف الجنون الذي أصبحوا مخبولين به، قال في الحال لأبيه: "يا أبتاه أغفر لهم، لأنهم لا يعرفون ما يفعلون" (لو 23: 34)][8]

بقوة الصليب أباد الموت:

يقول القديس أغسطينوس:

[مات، لأنه كان من الملائم، لكي بموته يبيد الموت ... المسيح هو الله، ولكن ليس في تلك الطبيعة التي هو فيها لله. لأن نفس الشخص هو الله وإنسان ... مسيح واحد. اتخذ الطبيعة البشرية لكي نحن نتحول إلى الأفضل. لم يحط من الطبيعة اللاهوتية إلى الأدنى. لأنه أخذ تلك التي ليست له، ولم يفقد تلك التي كانت له. لأنه كما هو إله وإنسان، سُرَّ أن يعيش بتلك التي له، ويموت بتلك التي لنا. لأن لم يكن فيه هو ذاته شيء يمكن أن يموت من أجله، ولا نحن لنا شيء به يمكن أن نحيا.][9]

ويقول القديس كيرلس الأورشليمي أن ذبيحته أماتت الخطية وأقامتنا في بر:

[مد يديه على الصليب، لكي يحتضن أقصاء العالم؛ لأن هذه الجلجثة هي مركز الأرض (مز 22: 18) (مقتبسة في يو 19: 24). مد يديه البشريتين، وهو الذي بيديه الروحيتين أسَّس السماء؛ وثبتها بالمسامير، لكي بشريته التي حملت خطايا البشر، إذ تسمر على الشجرة وتموت، فتموت معها الخطية، ونحن نقوم ثانية في بر.][10]

ذبيحة الصليب كانت ذبيحة سلامة ومصالحة:

يقول القديس أغسطينوس في كتابه عن الثالوث عن ذبيحة الصليب أنها ذبيحة سلامة:

[وهو نفس الوسيط الوحيد الحقيقي، يصالحنا مع الله بذبيحة السلام، ويبقي واحدًا معه ذاك الذي قدَّم له ... ليكون هو ذاته مقدِّمًا للذبيحة والتقدمة ذاتها في واحد.][11]

وقيل أيضًا أنه هو نفسه الكاهن والذبيحة. هو نفسه الله والهيكل. الكاهن الذي بواسطته نتصالح والذبيحة التي بها نتصالح ... الهيكل الذي نتصالح فيه، الله الذي نتصالح معه.

ويقول القديس كيرلس الأورشليمي عن المصالحة بدم الصليب:

[هذه الأشياء تحملها المخلِّص، وصنع سلامًا بدم صليبه، لما في السماء وما على الأرض (كو 1: 20). لأننا كنا أعداء الله بالخطية، وعيَّن الله أن يموت الخاطئ؛ فكان لابد أن يحدث أحد أمرين: أما أن الله في صدقه يهلك كل البشر، أو أنه بشفقته يلغي الحكم. ولكن إذا بحكمة الله يحتفظ بكل من صدق حكمه، وممارسة شفقته. أخذ المسيح خطايانا في جسده على الخشبة، لكي بموته نموت للخطية ونحيا للبر (1 بط 2: 24). لم يكن ذو شأن هيِّن الذي مات لأجلنا؛ ليس شاه أعجم؛ ليس مجرد إنسان؛ إنه أكثر من ملاك؛ إنه الله صار الذي إنسان.

إن آثام الخطاة لم تكن بحجم بره ذاك الذي مات لأجلهم؛ الخطية التي ارتكبت لم تكن بحجم البر الذي صنعه ذاك الذي بذل حياته عنه – الذي بذل حياته عندما أراد، وأخذها ثانية عندما أراد.][12]

من صليب الجلجثة لمجد الصليب .. من جمعة الصلبوت لأفراح الصليب .. صليب الانتصار والغلبة .. فنقول:

[هذا الذي أصعد ذاته (الكاهن) ذبيحة مقبولة (الذبيحة) على الصليب (المذبح) عن خلاص جنسنا، فاشتمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة. فتح باب الفردوس ورد آدم إلى رئاسته مرة أخرى.]

ولهذه القوة للصليب ينصحنا الآباء أن نرشمه على ذواتنا وعلى كل شيء

يقول القديس كيرلس الأورشليمي:

[ليتنا لا نخجل من أن نعترف بالمصلوب. ليكن الصليب ختمنا نرسمه بجرأة بأصابعنا على جبهتنا، وعلى كل شيء: على الخبز الذي نأكله، والكأس الذي نشربه؛ في ذهابنا وإيابنا؛ قبل نومنا، عندما نرقد وعندما نقوم؛ ونحن في الطريق، ونحن ساكنين. عظيم هو الحافظ؛ إنه مجانًا، لأجل الفقراء، دون تعب، لأجل المرضى؛ إذ أن نعمته أيضًا من الله. إنه علامة المؤمن، ورعب الشياطين: لأنه انتصر عليهم به، إذ أشهرهم جهارًا (كو 2: 15)؛ لأنه عندما يرون الصليب يتذكرون المصلوب، أنهم يخافونه، ذاك الذي سحق رؤوس التنين (مز 74: 13).][13]

والتساؤل: كيف يمكن أن يساعد الآخرين ويقوم ثانية وهو لم يستطع أن يساعد نفسه؟

يرد القديس يوحنا ذهبي الفم على ذلك قائلاً:

[لاحظوا الآن: عندما أقول: "صُلب" يرد اليوناني قائلاً: "وكيف يكون هذا معقولاً؟ الذي لم يساعد نفسه عندما كان يخضع للصلب والمحاكمة المرة؟؟ وقت الصليب، كيف بعد هذه الأشياء يقوم ثانية ويساعد آخرين؟ ... ليس هناك سبب معقول لذلك".

حقيقي ... لأن ذلك فوق العقل، فقوة الصليب لا ينطق بها. لأنه وهو بالفعل في وسط الأمور المرعبة وفي قبضة العدو يحدث هذا، إن هذا من قوة لانهائية. لأنه كما في حالة الفتية الثلاثة، عدم دخولهم الأتون ما كان سيدهش لهذه الدرجة كما حين دخلوه وداسوا على النار ... وفي حالة يونان، كان الأمر أعظم بكثير أنه بعد أن ابتلعه الحوت لم يتأذي من الوحش، مما لو كان لم يبتلعه على الإطلاق ... هكذا أيضًا من جهة المسيح، عدم موته ما كان سيكون غير مدرك بهذه الدرجة مثلما بعد أن مات حل قيود الموت. فلا تقول إذًا: "لماذا لم يساعد نفسه على الصليب؟ لأنه كان مسرعًا لغلق الصراع مع الموت نفسه. لم ينزل من على الصليب، ليس لأنه لم يكن قادرًا، ولكن لأنه لم يكن يريد. الذي لم يعوقه طغيان الموت، كيف كانت تقدر المسامير أن تمنعه؟][14]

ويقول القديس يوحنا ذهبي أيضًا:

[إذ قال: "مكتوب، سأبيد حكمة الحكماء"، يلحقها موضِّحًا من الحقائق، قائل: "أين الحكيم؟ أين الكاتب؟" وفي نفس الوقت ينظر لكل من الأمم واليهود. فأي نوع من الفلاسفة بينكم درس المنطق، أي من أولئك الذين يعرفون الأمور اليهودية، قد خلَّصنا وأعلن الحق؟ لا أحد. لقد كان عمل الصيادين، كل العمل ... "ألم يجهل الله حكمة هذا العالم؟" إنه يوضح أيضًا السبب أن هذه الأمور تمت هكذا. يقول: "لأن في حكمة الله العالم بحكمته لم يعرف الله"، هكذا ظهر الصليب.][15]



[1]  أقوال الآباء ترجمة دكتورة وداد عباس من نسخة آباء نيقية الإنجليزية.

[2] St. John Chrysostom: Homily 12: 3 on Gospel of John, p. 42, Vol. 14 

[3] Ibid. Homily 51: 2, on the Gospel of John, p. 184
[4] St. Cyril of Jerusalem, Lecture 13: 1, p. 82
[5] Ibid. Lecture 13: 22, p. 88
[6] Ibid. Lecture 13: 3, p. 82, 83
[7] St. Augustine: Sermon 1: 2 on the New Testament Lessons p. 246
[8] Ibid. Sermon 33: 5, p. 351
[9] Ibid. Sermon 30: 5 on New Testament Lessons
[10] St. Cyril of Jerusalem, Lecture 13: 28, p. 89
[11] St. Augustine, on the Trinity, 4: 14, p. 79, Vol. 3
[12] St. Cyril of Jerusalem, Lecture 13: 33, p. 91
[13] Ibid. Lecture 13: 36, p. 92  
[14] St. John Chrysostom, Homily 4: 3 on 1Cor 1: 18-20, p. 17, Vol. 12 NPNF 1st Series.
[15] Ibid. Homily 4: 4, on Verse 1: 20-21, p. 17.

 

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس