دكتورة وداد عباس توفيق
هل الصليب عار أم مجد؟ رب المجد الذي رأيناه مهانًا ومسحوقًا على الصليب هو الممجد من الأزل وإلى الأبد. أدرك التلاميذ مجده حين أنبأهم عن تسليمه وموته، فطلب منه يعقوب ويوحنا ابنا زبدي أن يجلس واحد عن يمينه وواحد عن يساره في مجده. أما هو فلم يعترض على أنه يجلس في مجده، لكنه نبَّههم إلى الكأس الذي كان مزمعًا أن يشربها، أي الصليب، أما الجلوس عن يمينه ويساره فهو للذين أعدَّ لهم.
وفي مناجاته مع الآب قال: "أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكون معي حيث أكون أنا، لينظروا مجدي الذي أعطيتني، لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم" (يو 17: 24، 25).
وعن أزلية مجده: "والآن مجِّدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يو 17: 5)
إن الصليب لم يُخفِ هذا المجد وإنما أظهره للجميع. الصليب كان يعتبر عارًا لأنه كان عقاب أشر الخطاة، ولكن إذ سمح الفادي أن يتألم به تحوَّل إلى مجد. هكذا فضَّل موسى النبي هذا العارعلى خزائن مصر: "حاسبًا عار المسيح غِنىً أعظم من خزائن مصر" (عب 11: 26).
وإذا كان العالم يراه عارًا إذ أغلقوا عيونهم عن الغرض الذي تحقق من خلاله، لكننا نحن نفخر أن نحمل هذا العار. هكذا في جمعة الصلبوت، كما تألم هو من أجلنا خارج الباب، نخرج نحن أيضًا إليه خارج المحلة حاملين عاره (عب 13: 12، 13).
وأيضًا نسبحه في ذلك اليوم مردِّدين:"لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين عمانوئيل إلهنا وملكنا .. لك القوة والمجد والبركة والعزة يا ربي يسوع المسيح مخلِّصي الصالح ..
هكذا نري مجد الصليب فنفخر به ونحمله ونمجده ونحتفل بتذكاره.
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم في عظاته على الإنجيل بحسب القديس يوحنا:
ويقول أيضًا في عظة أخرى على الإنجيل بحسب القديس يوحنا:
[الرسل ... كانوا سينالون هذه الهبة (هبة الروح القدس)، ولكن لم يكن قد أُعطِيَ بعد، لذلك أضاف قائلاً: "لم يكن الروح القدس قد أُعطي بعد ... لأن يسوع لم يكن قد مُجِّد بعد" (يو 7: 39) داعيًا الصليب "مجد".][3]
ويقول القديس كيرلس الأورشليمي في محاضراته:
[لا تخجل أن تعترف بالصليب؛ لأن الملائكة تفخر به، قائلين، "نحن نعرف من تطلبون، يسوع المصلوب" (مت 28: 5) ... الصليب إكليل، وليس خزي.][5]
[ليتنا لا نخزى من صليب مخلِّصنا، بل نفخر به ... لأنه لم يكن مجرد إنسان الذي مات لأجلنا، ولكن ابن الله، الله صار إنسانًا. أيضًا إذا كان الخروف أيام موسى أبعد المهلك بعيدًا، أليس بالأحرى حمل الله الذي يرفع خطية العالم (يو : 29) يخلِّصنا من خطايانا؟ إذا كان أحد لا يؤمن بقوة المصلوب، فليسأل الشياطين؛ إذا كان أي أحد لا يؤمن بالكلمات، فليؤمن بما يراه. فكثيرون صُلبوا في العالم، ولكن الشياطين لم ترتعب من أي من هؤلاء؛ أما عندما رأوا حتى علامة صليب المسيح، الذي صلب لأجلنا، فإنهم يرتعدون. لأن أولئك ماتوا بسبب خطاياهم الخاصة، أما المسيح فبسبب خطايا آخرين؛ لأنه لم يفعل خطية، ولا وُجِد في فمه غش (1بط 2: 22 مقتبسة من إش 53: 9). ليس بطرس هو الذي قال هذا، لو حدث هذا كنا عندئذ نشك أنه كان متحيِّزًا لمعلِّمه، ولكنه إشعياء الذي قال هذا، الذي لم يكن بالفعل موجودًا معه في الجسد، ولكن بالروح رأي مسبقًا مجيئه بالجسد. ولكن لماذا نأتي بالنبي فقط كشاهد. فلنأخذ بيلاطس نفسه الذي أصدر الحكم عليه قائلاً: "لم أجد في هذا الإنسان عِلَّة" (لو 23: 14). ولما أسلمه غسل يديه قائلاً: "أنا بريء من دم هذا البار" (مت 27: 24). بل هناك شاهد أخرى على براءة يسوع من الخطية: اللص، أول إنسان أُدخِل إلى الفردوس، الذي وبَّخ رفيقه، قائلاً: "إننا ننال استحقاق ما فعلنا، وأما هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محله" (لو 23: 41).][6]
وعن قوة الصليب أيضًا يقول القديس أغسطينوس في عظة على دروس من العهد الجديد:
[ثقوا، لقد غلبت العالم" (يو 16: 33). لأن الرئيس سمح أن يجرَّب، فقط لكي يعلِّم جنوده أن يحاربوا.][7]
وتظهر قوة الصليب أيضًا في مغفرته لأعدائه ومحبته لهم رغم صلبه.
في هذا يقول القديس أغسطينوس:
بقوة الصليب أباد الموت:
يقول القديس أغسطينوس:
ويقول القديس كيرلس الأورشليمي أن ذبيحته أماتت الخطية وأقامتنا في بر:
[مد يديه على الصليب، لكي يحتضن أقصاء العالم؛ لأن هذه الجلجثة هي مركز الأرض (مز 22: 18) (مقتبسة في يو 19: 24). مد يديه البشريتين، وهو الذي بيديه الروحيتين أسَّس السماء؛ وثبتها بالمسامير، لكي بشريته التي حملت خطايا البشر، إذ تسمر على الشجرة وتموت، فتموت معها الخطية، ونحن نقوم ثانية في بر.][10]
ذبيحة الصليب كانت ذبيحة سلامة ومصالحة:
يقول القديس أغسطينوس في كتابه عن الثالوث عن ذبيحة الصليب أنها ذبيحة سلامة:
[وهو نفس الوسيط الوحيد الحقيقي، يصالحنا مع الله بذبيحة السلام، ويبقي واحدًا معه ذاك الذي قدَّم له ... ليكون هو ذاته مقدِّمًا للذبيحة والتقدمة ذاتها في واحد.][11]
وقيل أيضًا أنه هو نفسه الكاهن والذبيحة. هو نفسه الله والهيكل. الكاهن الذي بواسطته نتصالح والذبيحة التي بها نتصالح ... الهيكل الذي نتصالح فيه، الله الذي نتصالح معه.
ويقول القديس كيرلس الأورشليمي عن المصالحة بدم الصليب:
إن آثام الخطاة لم تكن بحجم بره ذاك الذي مات لأجلهم؛ الخطية التي ارتكبت لم تكن بحجم البر الذي صنعه ذاك الذي بذل حياته عنه – الذي بذل حياته عندما أراد، وأخذها ثانية عندما أراد.][12]
من صليب الجلجثة لمجد الصليب .. من جمعة الصلبوت لأفراح الصليب .. صليب الانتصار والغلبة .. فنقول:
[هذا الذي أصعد ذاته (الكاهن) ذبيحة مقبولة (الذبيحة) على الصليب (المذبح) عن خلاص جنسنا، فاشتمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة. فتح باب الفردوس ورد آدم إلى رئاسته مرة أخرى.]
ولهذه القوة للصليب ينصحنا الآباء أن نرشمه على ذواتنا وعلى كل شيء
يقول القديس كيرلس الأورشليمي:
والتساؤل: كيف يمكن أن يساعد الآخرين ويقوم ثانية وهو لم يستطع أن يساعد نفسه؟
يرد القديس يوحنا ذهبي الفم على ذلك قائلاً:
حقيقي ... لأن ذلك فوق العقل، فقوة الصليب لا ينطق بها. لأنه وهو بالفعل في وسط الأمور المرعبة وفي قبضة العدو يحدث هذا، إن هذا من قوة لانهائية. لأنه كما في حالة الفتية الثلاثة، عدم دخولهم الأتون ما كان سيدهش لهذه الدرجة كما حين دخلوه وداسوا على النار ... وفي حالة يونان، كان الأمر أعظم بكثير أنه بعد أن ابتلعه الحوت لم يتأذي من الوحش، مما لو كان لم يبتلعه على الإطلاق ... هكذا أيضًا من جهة المسيح، عدم موته ما كان سيكون غير مدرك بهذه الدرجة مثلما بعد أن مات حل قيود الموت. فلا تقول إذًا: "لماذا لم يساعد نفسه على الصليب؟ لأنه كان مسرعًا لغلق الصراع مع الموت نفسه. لم ينزل من على الصليب، ليس لأنه لم يكن قادرًا، ولكن لأنه لم يكن يريد. الذي لم يعوقه طغيان الموت، كيف كانت تقدر المسامير أن تمنعه؟][14]
ويقول القديس يوحنا ذهبي أيضًا:
[إذ قال: "مكتوب، سأبيد حكمة الحكماء"، يلحقها موضِّحًا من الحقائق، قائل: "أين الحكيم؟ أين الكاتب؟" وفي نفس الوقت ينظر لكل من الأمم واليهود. فأي نوع من الفلاسفة بينكم درس المنطق، أي من أولئك الذين يعرفون الأمور اليهودية، قد خلَّصنا وأعلن الحق؟ لا أحد. لقد كان عمل الصيادين، كل العمل ... "ألم يجهل الله حكمة هذا العالم؟" إنه يوضح أيضًا السبب أن هذه الأمور تمت هكذا. يقول: "لأن في حكمة الله العالم بحكمته لم يعرف الله"، هكذا ظهر الصليب.][15]
⸭
[2] St. John Chrysostom: Homily 12: 3 on Gospel of John, p. 42, Vol. 14
Comments
Post a Comment