الصليب في فكر الآباء
(2)
شهود الصليب

                                                                                                                                                                 دكتورة وداد عباس توفيق

النبوات، الطبيعة، الأحداث، شهود العيان .. كل هؤلاء شهدوا بحادثة الصلب وبالمجد الذي صاحب الصلب.

فماذا قال الآباء الأولين عن ذلك؟[1]

الظلمة واقتسام ثيابه

يؤكد القديس كيرلس الأورشليمي أن كل ما حدث ورد في النبوات بالتفصيل وبدقة، يقول:

[المسيح إذًا صُلب عنا، الذي حوكم في المساء، بينما الجو برودة، ولذلك كانت هناك نار الفحم (يو 18: 18) ... ومن الساعة السادسة كانت هناك ظلمة حتى الساعة التاسعة (مت 27: 45)؛ ولكن من الساعة التاسعة كان هناك نور ثانية. هل هذه الأمور أيضًا مكتوبة؟ فلنبحث.
زكريا النبي يقول: "ويكون في ذلك اليوم أنه لا يكون نور (زك 14: 6).
ولكن هل تسألون في أي ساعة بالتحديد اختفت الشمس؟ ... قل، أيها النبي، لليهود الوقت بالتحديد لذلك ... يجيب النبي عاموس: "ويكون في ذلك اليوم، يقول السيد الرب، أني أُغيِّب الشمس في الظهر (فقد كانت هناك ظلمة من الساعة السادسة)؛ وأُقتِّم الأرض في يوم نور" (عاموس 8: 9). "وأحوِّل أعيادكم نوحًا". فقد حدث هذا في أيام الفطير، وفي عيد الفصح. ثم يقول: "وأجعلها كمناحة الوحيد وآخرها يومًا مرًا" (عاموس 8: 10). لأنه في يوم الفطير،وفي العيد كانت نساؤهم تولول وتبكي، وأخفي الرسل أنفسهم وكانوا في مرارة. إنها نبوة عجيبة إذًا.

صُلب يسوع؛ وكان يلبس ثوبًا واحدًا فقط، ورداءً واحدًا. الثوب اقتسمه الجنود فيما بينهم، مزقوه إلى أربعة؛ أما الرداء فلم يمزَّق ... وهذا ألقى الجنود عليه قرعة ... فهل هذا إيضًا مكتوب؟ مرنمو الكنيسة يرنمون المزامير ... ويقولون: "اقتسموا ثيابي بينهم، وعلى لباسي ألقوا قرعة" (مز 22: 18؛ يو 19: 24). القرعة هي تلك التي ألقاها الجنود.

وأيضًا، عندما كان يحاكم أمام بيلاطس، كان يكتسي بالأحمر؛ لأنهم ألبسوه رداءً أرجوانيًا. فهل هذا أيضًا مكتوب؟ يقول إشعياء: "من ذا الآتي من أدوم، بثياب حمر من بصرة؟" (إش 63: 1، 2).][2]

الظواهر التي صاحبت الصلب

يوضح القديس كيرلس الأورشليمي قوة المصلوب من الظواهر التي حدثت، والسبب الذي لأجله احتمل كل ذلك، فيقول:

[إظلمَّت الشمس بسبب شمس البر (ملا 4: 2). الصخور تشققت، بسبب الصخرة الروحية. القبور تفتحت وقام الأموات بسبب ذاك الحُر بين الأموات (مز 88: 5). "أطلقت أسراك من الجب الذي ليس فيه ماء (زك 9: 11). فلا تخجلوا من المصلوب، ولكن أيضًا لتكن لك الجرأة أن تقول: "أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها ...  بحبره شفينا" (إش 53: 4، 5).][3]

ويثبت أن هناك شهود كثيرون فيقول:

[خذوا أذَا أولاً الصليب كأساس لا يمكن هدمه، وابنوا عليه كل بنود الإيمان الأخرى. لا تنكروا المصلوب؛ لأنكم إذا انكرتموه، ستجدوا الكثيرون يتهمونكم.

يهوذا الخائن سيتهمكم أولاً؛ لأن الذي خانه يعرف أنه أدين للموت من رؤساء الكهنة والشيوخ. الثلاثون من الفضة ستشهد؛ جثسيماني ستشهد، حيث حدثت الخيانة؛ ولا أتكلم بعد عن جبل الزيتون الذي كانوا معه عليه يصلون. القمر في الليل يشهد؛ النهار يشهد، والشمس التي أظلمت؛ لأنها لم تحتمل أن تنظر جريمة المتآمرين. النار ستتهمكم، التي وقف بطرس يستدفأ بها ... بيت قيافا سيتهمكم، إذ يُظهر بحالته المهجورة الحالية قوة ذاك الذي كان يحاكَم هناك. نعم، قيافا نفسه سيقوم ضدكم في يوم الدينونة، الخادم سيقوم ضدكم، ذاك الذي لطم يسوع بكف يده، وأيضًا الذين قيدوه، والذين اقتادوه. حتى هيرودس سيقوم ضدكم، وبيلاطس؛ كما لو كان يقول: لماذا تنكرون ذاك الذي افترى عليه اليهود  أمامنا، والذي كنا نعرف أنه لم يصنع أي خطأ؟ لأنني بيلاطس غسلت يديّ. الشهود الزور سيقومون ضدكم، والجنود الذين ألبسوه الرداء الأرجواني، ووضعوا فوقه إكليل الشوك وصلبوه في الجلجثة، وألقوا قرعه على رداءه. سمعان القيرواني سيصرخ ضدكم، الذي حمل الصليب خلف يسوع.

من بين النجوم ستصرخ عليك الشمس المظلمة؛ ومن بين الأشياء التي على الأرض الخمر المختلط بالمر؛ من بين حزم القصب ومن بين الأعشاب، الزوفا؛ من بين الأشياء في البحر الإسفنج؛ ومن بين الأشجار خشبة الصليب - الجنود أيضًا الذين سمَّروه وألقوا قرعة على رداءه؛ الجندي الذي طعن جنبه بالحربة؛ النسوة اللواتي كن حاضرات؛ حجاب الهيكل الذي انشق؛ بلاط بيلاطس، المخرَّب الآن بقوة المصلوب وقتئذ؛ وهذه الجلجثة المقدسة التي تقف عاليًا فوقنا وتظهر نفسه إلى هذا اليوم، وتظهر حتى كيف بسبب المسيح انشقت الصخور وقتها؛ القبر القريب منا حيث كان يرقد، والحجر الموضوع على الباب ... الملائكة الذين كانوا حاضرين وقتها، والنسوة اللواتي سجدن له بعد قيامته؛ بطرس ويوحنا اللذين ركضا إلى القبر؛ وتوما الذي وضع يده في جنبه، وأصابعه في مكان المسامير ...

هناك اثنى عشر رسولاً شهود الصليب؛ وكل الأرض وعالم البشر المؤمنون به، ذاك المعلَّق عليه ... لقد كان هو رمز الخلاص، صليب يسوع ... إلى هذا اليوم يشفي الأمراض؛ إنه إلى هذا اليوم يطرد الشياطين، ويطيح باحتيالات العقاقير والشعوذة والسحر ...

سوف يظهر هذا ثانية مع يسوع من السماء؛ لأن الرمز (الصليب رمز الخلاص) سيطعن الملك: لكي الذين طعنوه يرونه (زك 12: 10)، ويعرفون بالصليب ذاك الذي خزي، فاليهود يندمون ويحزنون ... ولكي نفخر نحن، نفتخر بالصليب، نسجد للرب الذي أُرسل، وصلب عنا، ونسجد أيضًا لله أبيه الذي أرسله، مع الروح القدس له المجد إلى أبد الأبد. آمين.][4]

لم يكن الصليب خداعًا ولا الآلام تمثيلاً، فيقول مؤكدًا:

[إذًا يسوع تألم بالفعل من أجل كل البشر، لأن الصليب لم يكن خداع، وإلاّ كان فداؤنا أيضًا خداع (انظر أغناطيوس 2). موته لم يكن مجرد استعراض  (انظر أثناسيوس ضد أبوليناريوس 3)، لأنه عندئذ يكون خلاصنا خرافة. إذا كان موته مجرد تمثيلية، فحقًا ما قالوه: "نذكر أن ذلك المضل قال وهو حي، إني بعد ثلاثة أيام أقوم ثانية" (مت 27: 63). كانت آلامه إذًا حقيقة، فقد صلب بالفعل ونحن لا نخزى من ذلك، لقد صلب، ونحن لا ننكر ذلك، لا، بل نفخر بالحديث عنه، لأنه رغم أننى يجب أن أنكر ذلك الآن، لكن ها هي الجلجثة تفحمني ... خشبة الصليب تفحمني الذي وزعت منها بعد ذلك أجزاء من هنا إلى كل العالم. اعترف بالصليب لأني أعلم عن القيامة، لأنه لو كان بعد أن صلب ظل كما هو، ربما كنت لا أعترف بذلك، فربما كنت أخفي كلاهما الصلب وسيدي، ولكن الآن إذ القيامة أعقبت الصليب، فأنا لا أخزى أن أعلنه.][5]

ويؤكد رفض ادعاء الهراطقة أن الصليب خديعة، يقول:

[إذا دخلت في أي وقت في جدال وليس لديك أسس للإثبات، فليكن الإيمان ثابتًا داخلك؛ أو الأفضل أن تتعلَّم جيدًا، ثم تُسكِت اليهود من الأنبياء، واليونانيين من أساطيرهم ... ولتجعل كل الهراطقة يصمتون. فإذا قال أحد أن الصليب خديعة، ابتعد عنه ... لأنه إذا كان كذلك، وإذا كان الخلاص من الصليب، إذًا يكون الخلاص أيضًا خديعة. إذا كان الصليب وهم، فالقيامة أيضًا وهم؛ لكن إذا كان المسيح لم يقم، فنحن بعد في خطايانا (1كو 15: 17). إذا كان الصليب خداع، إذًا المجيء الثاني أيضًا خداع، وكل شيء بعد ذلك غير حقيقي.][6]

تكلمت عنه النبوات وأشارت إليه الرموز كما يقول القديس كيرلس الأورشليمي:

[إذ كان إذًا في الجسد مثل الآخرين، صلب، ولكن ليس من أجل خطايا مماثلة. لأنه لم يساق للموت بسبب شهوة، إذ كان معلِّما الفقر؛ ولا أدين بسبب رغبة  ... وليس بسبب إيذاء أو ضرب متهور، لأنه أدار الخد الآخر للضارب؛ ولا بسبب ازدراء الناموس، لأنه حقق الناموس؛ وليس بسبب لعن نبي، لأنه هو ذاته أعلن عنه الأنبياء؛ وليس بسبب سلب أجور خدام لأنه خدم بدون مكافأة وبالمجان؛ وليس بسبب أخطاء بالكلام أو بالأفعال أو الأفكار: "الذي لم يفعل خطية، ولا وجد في فمه مكر، الذي إذ شتم لم يكن يشتم عوضًا، وإذ تألم لم يكن يهدد" (1 بط 2: 22، 23)، الذي جاء إلى آلامه، ليس على غير إرادته، ولكن بإرادته.][7]

ويري القديس يوستنيوس الشهيد إشارات للصليب في: الخشب الذي حمله إسحق، وبركة يعقوب لابني يوسف بوضع يديه على مثال الصليب، وعصا موسى الذي شق بها البحر، والحية النحاسية، ورفع موسى يديه على مثال الصليب، فيؤكد أنه ليس بصلاة موسى نال الشعب القوة، وإنما لأن من كان يحمل اسم يسوع (يشوع) كان على رأس المعركة بينما هو رافعًا يديه على مثال الصليب. [8] ويرى أيضًا أن الخشبة التي خدع بها الشيطان آدم صار هي الأداة التي هزم بها المسيح الشيطان.

 



[1]  أقوال الآباء ترجمة دكتورة وداد عباس من نسخة آباء نيقية الإنجليزية.

[2] St. Cyril of Jerusalem, The prophets about the crucifixion – Lecture 13: 24 - 27, p. 89
[3] Ibid. Lecture 13: 34, p. 91
[4] Ibid. Lecture 13: 37 – 39, 41, p. 92
[5] Ibid. Lecture 13: 4, p. 83
[6] Ibid. Lecture 13: 37 – 39, 41, p. 92
[7] Ibid. Lecture 13: 5, p. 83
[8] St. Justin Martyr, Dialogue 90, 91, p. 244, 245, Vol. 1 Ante Nicene Fathers
 

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس