الثالوث القدوس (5) أقنوم الآب

الثالوث القدوس
(5)
أقنومُ الآب
                                                                                                                   دكتورة وداد عباس توفيق

تكلَّمنا في المقالات السابقة عن الثالوث القدوس بوجه عام. وهنا نبدأ تفاصيل كل أقنوم على حدة.

وحسبما اعتدنا، والتزامًا بأسلوب البحث الأمين نؤكد حفظ العقيدة التي تسلمناها من الآباء الأولين، فهم مصدرنا الأمين وتعليمهم هو الأساس للتعليم السليم. وللأمانة ولكي يطمئن القارئ لصحة التعليم لابد أن يذكر الباحث أصحاب هذه الأقوال مع المصدر بدقة تساعد من يريد الرجوع للمصدر والتعمق في البحث، ولكي لا ينسب أحد تعليم معيَّن لذاته أو لآخرين دون سند أو دليل، ومع الوقت يضيع المصدر الأصلي وتصبح مجرد أقوال متداولة قد تنسب خطأ لغير قائلها. فالعقيدة ليست تأليف أو تقديم أفكار جديدة وإنما التزام بالتقليد المسلَّم مرة.

أقنوم الأب
"الآب" في الثالوث القدوس هو الأصل، ويأتي دائمًا معرَّفًا "الآب" )أي ليس مجرد أب كأي أب آخر)، وإنما هو اسم قاصر عليه ويوضح طبيعته، أنه آب دائمًا من الأزل وإلى الأبد  ... 

الله الآب لم يره أحد، لكن عرفناه في الابن السيد المسيح، كما ورد في  )يو 1: 18) "الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر" وكما قال السيد المسيح: "الذي رآني فقد رأى الآب ... أنا في الآب والآب فيَّ" (يو 14: 9-11).

الله الآب غير مفحوص وغير مدرك ...أي لا يمكن لأحد أن يعرف جوهره الإلهي، فهو معروفٌ فقط للابن، لأنَّ لا أحد يعرف الآب إلاَّ الابن ومن يريد الابن أن يعلن له، ولا أحد يعرف الابن إلاَّ الآب (مت 11: 27) فكل منهما يعرف الآخر معرفةً تامة وكاملة. وكما عرفنا، الآب لم يره أحدٌ قط، وإنَّما الابن الوحيد الذى في حضنه هو خبَّر.

هو آب دائمًا بالحقيقة، كما أن الابن ابن بالحقيقة دائمًا. هكذا يقول القدِّيس أثناسيوس:

]من صفات الألوهة وحدها أنَّ الآب آبٌ بالحقيقة، والابن ابنٌ بالحقيقة. وفيهما، فيهما وحدهما، يظل الآب  "آب"  دائمًا والابن  "ابن" دائمًا. [1][

وهناك أوصاف أخرى عديده يصفه بها الآباء، منها:

-         أنه غير مرئي أي لا نراه بعيون أجسادنا لأنه غير متجسد. الله روح، كما قال السيد المسيح للمرأة السامرية (يو 4: 24) ...

-         وهو غير مدرَك لأنه فوق أفهامنا المحدودة، فهو غير محدود ولا يمكن للعقل البشري المحدود أن يدرك الغير المحدود  ...

-         وهو غير مائت، وكيف يكون مائت وهو معطي الحياة لكل الخليقة !...

-         كما أنَّه لا متناهٍ ... لأنه ليس منحصرًا في أي مكان أو أي حيِّز. فهو ليس أقل من السماء باتساعها، فالسماء عمل أصابعه كما يقول المرنِّم (مز 8: 3)، أيضًا الأرضُ كلُّها بمياهها وجبالها كلها في قبضته (إش 40: 12) هو يحوي كل الأشياء، ولا يحويه شئٌ  ... 

-         وهو غير محدود من جهة المكان لأنه حاضر في كل مكان، ويحيط بالكل، وأيضًا غير محدود من جهةِّ الزمن، فهو سابقٌ على الزمن وخارجه، لأنَّ الزمن من ترتيبه.

-         هو بالطبع أعظم من خليقته فالشمس مثلاً ليست أكثر ضياءً منه، أو حتى معادلةً له، فالذي خلقها في البداية لابدَّ أن يكون أعظمَ وأكثرَ ضياءً بما لا يقارن  ...

-         وهو أقوى من الكل بسلطانه وقدرته غير المحدودة  ...

-         ويعرف كل الأشياءِّ، يعرفها مسبقًا وبشكل كامل، فهو كليّ المعرفة والعلم. معرفته من ذاته ولا يحتاج أن يتلقاها من خارجه كالبشر  ...

هذه بعض من صفاته التي يحاول الآباء تصوير الآب القدوس بها لأفهامنا  ...ومن هذه الصفات نتلمس بعض المعرفة عن الآب بشيءٍ من التفصيل. فنتحدَّث عن خمس نقاط:

       الآب أزلي

       الآب غير نابع

       الآب غير مولود

       الآب هو المبدأ، أو الأصل، أو العلة

       تمايز أقنوم الآب عن أقنوم الابن

أولاً - أزليَّة الأب

وجوده من الأزل، قبل الزمن، لأن الزمن لا مكان له مع الله، الأزلي الأبدي، فهو خالق الزمن. وكما وجوده من الأزل، هكذا أيضًا أبوته من الأزل، لأنه لم يصر أبًا في وقت لاحق. هو دائما موجود، ودائمًا آبٌ، وسوف يظل أيضًا كما كان من الأزل. فخاصية الأبوة ملازمة له من الأزل، كما أن خاصية البنوة ملازمة للابن من الأزل ... تفسير ذلك:

أولاً - إنَّ الألوهة بطبيعتها لا تتغيَّر في كل ما يتعلق بجوْهرها. فطالما نؤمن بأنَّ الإله لا يتغيَّر أو يتبدَّل في طبيعته وإنَّما هو هو كما كان وسيظل كما هو، فهو إذًا أب دائمًا، أبوته لم تطرأ عليه في وقتٍ ما بحيْث يمكن القوْل أنَّ شيئا قد أُضيف إليه أو انتُقِّص منهحاشا!

أيضًا إذا قلنا بأنَّ الابن جاء إلى الوجود في وقتٍ لاحق للآب، فهذا يعني أنَّ الآب قد تغيَّر من كوْنه بدون ابن إلى كوْنه آب لابن!! وهذا هو العقوق بعينه إذ نقول بتغيُّر في جوْهر اللاهوت، هذا بالإضافة إلى أنَّه من غيرِّ المنطقي أن يكون هناك آب بدون ابن.

وهو ما يؤ كده القدِّ يس غريغوريوس النيسي قائلاً :

]إذا لم يكن دائمًا ما هو الآن، فهذا يعني أنَّه قد تغيَّر إمَّا من الأفضلِ إلى الأسوأ، أو من الأسوأ إلى الأفضل، وفي كلتا الحالتيْن من العقوق الأخذ بأيهما من جهةِّ الطبيعةِّ الإلهيَّة. ولكن الواقع أن الألوهة لا تقبل التغيُّر أو التبدُّل. [2][

ويعبِّر القدِّ يس غريغوريوس النزينزي عن ارتباط عدم الابتداء بالأزلية، فيقول:

]من هو إذًا ذلك الآب الذي ليست له بداية؟ هو الذي وجوده ذاته بغيرِ بداية. لأنَّ الذي وجوده له بداية لابد أيضًا أن يكون قد بدأ يكون أبًا. لكنه لم يصر أبًا بعد أن بدأ وجوده، لأنَّ وجوده بغيرِّ بداية. [3][

ويضيف القدَّيس كيرلس الأورشليمي توضيحًا آخر أنه لم يتغيَّر بعد أن ولد الابن، فيقول  في محاضراته:

]الآب وَلَدَ الابن، وظل آب لم يتغيَّر..وَلَدَ الحكمة ولم يفقد هو ذاته الحكمة. وَلَدَ القوَّة ولم يصبح هو ذاته ضعيفًا. وَلَدَ إلها ولم يفقد ألوهيته. لم يفقد بذاته شيئًا بالانتقاص أو التغيير. كما أن المولود أيضًا لم يَنقصه شئٌ.][4]

فكما سبق القول الله لم يكن من قبل بدون ابن وصار بعد ذلك  آب" مع الوقت، ولكن له الابن أزليًا، إذ ولده ليس كما يلد البشر بشرًا، وإنَّما كما يعلم هو فقطقبل كل الدهور، إله حق.

وهذا يفسره لنا القدِّيس أثناسيوس الرسولي بقوله:

]هل كان الله الذي هو كائن (Who Is) موجودًا في وقتٍ ما بدون كلمة؟ وكونه هو نور، هل كان بلا ضياء؟]

]الله الكائن، له فيه كلمته الكائن أيضًا. فلا الكلمة أُضيف، بحيث لم يكن موجودًا من قبل ولا كان الآب يومًا بدون كلمة.]

ويكمل مؤكدًا بعبارة قوية:

]أن هذا التجاسر المتهور على الابن يرتد على الآب، كما لو كان قد ابتدع لنفسه من خارجه حكمة وكلمة واِبنًا.[[5]

وبنفس المفهوم يناقش قداسة البابا شنودة هذا المفهوم بالمنطق، فيقول عبارته الشهيرة:

]هل كان الله بغير عقل، ثم خلق لنفسه عقلاَ؟ وبأي عقل خلق لنفسه عقلاً؟][6]

هكذا كان الآباء يفهمون العقيدة بشكل سليم ويعلنونها بحزم ورفض لأي فكر مخالف!

إذًا في وجوده من الأزل نقول أنه لم يبدأ وجوده في وقت من الزمن، ولم يأخذ وجوده من العدم، ولا ينتهي وجوده بالعدم. هذا يعني أن ليس هناك على الإطلاق وقت لم يكن فيه موجودًا وإلاَّ كان غير أزلي. وأيضًا لم يكن هناك وقت لم يكن فيه الابن موجودًا، وإلاَّ فلماذا دُعيَ الآب أ بًا لو لم يكن له ابن في وقت ما؟

ثانيًا – الآب غير نابع  Un-Originate

هذا يعني أن الآب لا يستمد وجوده أو سلطان أبوته من مصدر خارجه، كما يحدث مع البشر، بل هو الأصل والمصدر للأقنومين الآخرين.

يصفه القدِّ يس إيلارى أسقف بواتييه أنه:

[موجود بذاته، نابع من ذاته، حي بذاته...][7]

الآب ليس فقط لا يستمد وجوده من خارجه، بل هو أيضًا أصل ومصدر كل وجود خارجي، أو كما يسميه الفلاسفة العلة الأولى للوجود  ...وهذا هو الوصف الذي وصفه به كثيرون.

 من هؤلاء يوحنا الدمشقي الذي قال:

]نؤمن بآب واحد، البدء، والعلة للكل، غير مولود من أحد؛ بدون علة أو ميلاد، وحده موجودٌ بذاته؛ خالقُ الكل ولكن آبٌ لواحد فقط بالطبيعة: ابنه الوحيد ربنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح، وباثقٌ للروح فائق القداسة.][8]

إذًا الآب أزلي وآب من الأزل ... غير مبتدئ وغير نابع ... وماذا أيضًا؟

ثالثًا- الآب غير مولود Ingenerate

هو غير مولود. وهذا ما يميزه عن الابن، فالابن وحده هو المولودٌ من الآب أزليًا. هنا يظهر  التمايز بين الأقانيم وعدم الخلط بين أقنوم وآخر.

هذا يؤ كده القدِّ يس غريغوريوس النيسي بقوله:

]بينما الآب غير مبتدئ وغير مولود، الابن غير مبتدئ ... وإن كان ليس غير مولود. [9][

ويوضح القدِّيس كيرلس الأورشليمي عدم تحوُّل أحدهما إلى الآخر، بل استمرار  كل منهما كما هو، فيقول:

]الوالد لم يتحوَّل إلى ابن، ولا المولود صار آبًا. ولكن من آب واحد وحيد هناك ابنٌ مولود واحد وحيد. فليس هناك اثنان غير مولوديْن، ولا اثنان مولوديْن وحيديْن، ولكن آبٌ واحد غير مولود (لأنَّ غير المولود هو الذي ليس له أب(، وابنٌ واحد مولود أزليًا من الآب، مولود ليس في الزمان، ولكن قبل كل الدهور...][10]

رابعًا - الآب هو المبدأ أو الأصل أو العلة
  The Principle / The Cause

الآب هو أصل كل وجود، في المسيح وبالمسيح. هو مصدر الكل. بينما هو موجود بذاته، لم يستمد وجوده من خارج، أي من علة أخرى، بل يمتلكه من ذاته وفي ذاته، هو أيضًا علَّة كل الموجودات .

عن هذا يقول القدِّيس غريغوريوس النزينزي:

]هو ذاته علة كل الأشياء، وليس له علَّة سابقة. [11][

ويوضح القدِّيس باسيليوس الكبير هذا المفهوم من عمل الله في الخلق بعبارة موجزة:

]العلَّة الأصليَّة لكل المصنوعات هو الآب؛ والعلَّة المُبدِّعة هو الابن، والعلَّة المتمِّمة هو الروح. [12][

أي أن الآب خلق كل شيء بالابن من خلال الروح القدس  ...

هنا لابد أن نكون مدركين أن كون الآب هو علِّة الابن والأصل بالنسبة للابن، وكذلك الروح القدس، هذا لا يعني أنَّه يسبقه، فالشمس لا تسبق شعاعها، فطالما وجدت شمس كان هناك شعاعها.

خامسًا - تمايُز أقنوم الآب عن أقنوم الابن

هما أقنومان وليسا أقنوم واحد يصير مرة آبًا ومرةً أخرى ابنًا! هما أقنومان لكلٍ منهما خاصيته التى يتميَّز بها عن الأقنوم الآخر. ومع ذلك فهما متَّحدان، الآب في الابن والابن في الآب بغير انفصال لكونهما واحد في الجوْهر. وقد سبق توضيح تمايز الأقانيم تفصيلاً في مقال سابق.

نضيف هنا قول للقديس إيلاري عن التمايز مع الاتحاد، يقول:

]هناك تمايُز لأنَّهما آب وابن. ولا يعني هذا أنَّ طبيعتهما الإلهيَّة مختلفة في النوع، فكلاهما واحدٌ:  إلهٌ من إله، إلهٌ واحد مولودٌ من إله واحد غير مولود. ليسا إلهيْن، وإنَّما واحدٌ من واحد. ليسا غير مولوديْن، لأنَّ الابن مولود من غيرِّ المولود..ليس هناك تعدُّد، لأنَّ حياةَ الإله الحي هي في المسيح الحي[13][

]"أنا والآب واحد" (يو 10: 30): هي كلمات الابن الوحيد للآب غيرِّ المولود. هي صوت الإله الواحد معلنًا عن ذاته أ نَّه آب وابن؛ آب يتكلم في الابن، وابن في الآب ..... لأنَّ فيه - أي الابن - يحلُّ كلَّ ملء اللاهوت جسديًا  )كو 2: 9).][14]

ثم يؤكد أنَّ التمايُّز بيْن الأقانيم يظهر في العمل الذي يختص به كل منهم.

ويقول أيضًا:

]هناك ثلاثة أقانيم: آب، وابن، وروح قدس. الله  (الآب) من جانبه هو علَّة كل الأشياء، غير مولود على الإطلاق ... أما الابن فهو مولود من الآب خارج دائرة الزمن، قبل العالمين، وكائنٌ كابن وحيد للآب الوحيد. [15][

حقًا كان الآباء القديسون يتكلمون بالروح القدس العامل فيهم بقوة  ...



[1] St. Athanasius: Discourse I Against the Arians, Ch. 6: 21, p. 319, Vol. 4 NPNF
[2] St. Gregory of Nyssa: Against Eunomius, 2: 2, p. 102, Vol. 5 NPNF
[3] St. Gregory Nazianzen: 3rd Oration on the Son, 5, p. 302 NPNF
[4] St. Cyril of Jerusalem, Catechetical Lectures, 11: 18, p. 69 NPNF
[5] St. Athanasius: Discourse I Against the Arians, Ch. 7: 24-25, p. 320-321, Vol. 4 NPNF
[6] قداسة البابا شنودة الثالث: التثليث والتوحيد، عظة في 26/ 7/ 1977
[7] St. Hilary of Poitiers: The Trinity, 2: 7, p. 54, Vol. 9 NPNF
[8] John of Damascus: Exposition of the Orthodox Faith, Ch. 8, p. 6, Vol. 9 NPNF
[9] St. Gregory of Nyssa, Against Eunomius, Book 1: 33, p. 78, Vol. 5 NPNF
[10] St. Cyril of Jerusalem: Catechetical Lectures, 11: 13, p. 67, Vol. 7 NPNF
[11] St. Gregory Nazianzen: 5th Theological Oration on the Holy Spirit, 33, p. 328, Vol. 7 NPNF
[12] St. Basil: On the Spirit, Ch. 16: 38, p. 23 Vol. 8 NPNF
[13] St. Hilary of Poitiers: The Trinity, Book 2: 10, 11, p. 55, Vol. 9 NPNF
[14] Ibid. 2: 20, p. 57
[15] Ibid. Book 6: 6, p. 99

 

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس