الثالوث القدوس (6) أقنوم الابن

الثالوث القدوس  
(6)
أقنوم الابن
                                                                                                                       دكتورة وداد عباس توفيق

التسميات لا تشير إلى اختلاف في الطبيعة وإنَّما في الصفات التي تصف الكيانات، وتميِّز الأقانيم ... فكل أقنوم متمايز عن الآخر بخاصية ينفرد بها ولا يشاركه فيه الأقنومين الآخرين.

فالأقنوم الأول الآب هو الينبوع والأصل والمبدأ، والأقنوم الثاني الابن المولود منه وقد أعطاه طبيعته وجوْهره وصفاته، فهو "رسم أقنومه" (عب 1: 3)، مساوٍ له تمامًا وله نفس طبيعته بحيث أن من يراه فقد رأى الآب كما قال عن ذاته في (يو 14: 9). لذلك كان من اللائق أن يُدعى الأقنوم الأوَّل "آب"، والأقنوم الثاني "ابن".

ولآنه ابن الآب فهو أيضًا "الكلمة" الذي به كلَّمنا الآب: "كلَّمنا هذه الأيام الأخيرة في ابنه" (عب 1: 1)، وفيه عرفنا الآب وعرفنا مشيئته للبشر: "الابن الوحيد الذي في حضنِ الآب هو خبَّر" (يو 1: 18).

ولكن ما طبيعة ولادة الابن من الآب؟ هل هي كولادة البشر لأبنائهم؟

إن ولادة الأجساد يدخل فيها الزمن، أما ولادة الآب للابن فهي ولادة روحيَّة لا يتخللها الزمن، لأن الله روح.

ويفسرها لنا قداسة البابا شنودة الثالث بمثال، فيقول[1] أنَّها ليست كما في البشر نتيجة زواج وإنجاب، ولا كما في الثالوث الوثني إيزيس وأوزوريس وحورس حيْث يختلفوا في وقت وجودهم، الواحد تالي للآخرين زمنيًا. أمَّا في الثالوث المسيحي فالثلاثة أقانيم متساوية في الأزليَّة.

ويشرح القدِّيس أثناسيوس الاختلاف بيْن الولادة بيْن البشر والولادة الإلهيَّة من جانب آخر، فيقول[2] إن طبيعة أجساد البشر مركبة وفي حالة تغير مستمر، والله ليس هكذا لأنه غير مركب في طبيعته، ليس فيه تجزئة أو إضافة من خارجه كما بين البشر ...

ونحاول أحيانًا القول بأنها كولادة الكلمة من العقل، ولكن حتى هذا يختلف.

ويوضح لنا القديس كيرلس الأورشليمي الفروق[3]، فيقول: إن ولادة الآب للابن تختلف عن ولادة الكلمة من العقل عند البشر. والفرق إن العقل موجود جوهريًا داخلنا، أما الكلمة فتنتشر في الهواء وتتبدد. أما بالنسبة للمسيح فهو ككلمة موجود جوهرياً في الآب وليس ككلمة ملفوظة ... مولود إزليًا بشكل لا يوصف.
ارتباط الأبوَّة بالبنوَّة

لا يمكننا أن نتحدَّث عن الآب بدونِ الابن، أو نفكر في الابن منفصلاً عن الآب ... لأنَّ لفظَ "آب" يعني بالضرورة وجود "ابن"، ولفظ "ابن" يعني أنه بالتأكيد ابن لآب، ولكن لا يشير إلى أيَّة علة لوجودِ الآب ذاته. فأبوةَ الآب مرتبطة بالابن ...

والكتاب المقدس أيضًا يصف الابن بأنَّه "قوَّة الله" و "حكمة الله" (1كو 1: 24) و "رسم أقنومه" و بهاء مجده" (عب 1: 3) ... وهذا يعني كما يقول القدِّيس غريغوريوس النزينزي[4] أنه لو لم يكن الابن موجودًا في وقتٍ ما، فالآب أيضًا لا يكون موجودًا ... فإلغاء الواحد يلغي الآخر ... فلا يمكن تصوُّر بداية بدون الكلمة، ولا آب بغير ابن، ولا إله بغير حكمة ولا صانع بغير يد! لذلك لا يمكن الحديث عن أحدِ الأقنوميْن إلاَّ في علاقته بالآخر ... لأنَّه لا يمكن أن نتصَّور أقنوم الآب بدون رسم (صورة) له أو بدون مجد أو بهاء ... فطالما هناك مجد لابد أن له بهاء ... تمامًا كما أنَّ الشمس تعطي شعاعًا وضوءًا، وهما ليسا شمس أخرى وإنَّما صادران عن الشمس، والشمس لا توجد بدونهما.

   ولقداسة البابا شنودة الثالث قول شهير عن علاقةَ الابن بالآب بأنَّ الابن هو [عقلُ الله الناطق، أو نطقُ الله العاقل].

وهناك الكثير يقوله القديس أثناسيوس عن هذا الارتباط  بين الآب والابن، فيقول:
[حينما ندعو الله آب، فنحن نعني في ذات الوقت وجود الابن. هكذا أيضاً كل من يؤمن بالابن يؤمن أيضاً بالآب ..... لأنَّ اللاهوت واحد، وكذلك الكرامة واحدة، وواحدة أيضاً العبادة التي تقدَّم للآب في الابن ومن خلاله. ومن يعبد هكذا يعبد الإله الواحد، فهناك إلهٌ واحد ولا إله غيره ..... ولكن هذا لا يعني إنكار الابن، حاشا! لأنَّه في ذاك الواحد ... ومن ذلك الواحد والوحيد، الكلمة والحكمة والضياء.][5]
كوْن الآب هو العلَّة والأصل لا يعني أنَّ الابن أدنى في الطبيعة أو تالٍ في الوجود. فالابن أزلي مع الآب ومساوٍ له في الطبيعة والجوْهر ومماثل في كلِّ شئٍ. وبهذا يختلف عن الخليقة في: أن الخليقة جاءت فيما بعد، فهي ليست أزليَّة مع الآب، أنها جاءت من العدم بإرادته وقدرته ولم يمس طبيعته أي تغيير، وأنها ليست مستمدَّة من جوْهر الله أو مماثلةً له في الطبيعة ... فالخالق أو الصانع يُنتج شيئًا خارجيًا ليس من جوْهره.
هنا يورد نيافة المطران الأنبا بيشوي ملاحظة هامة، هي[6]:
كون الآب له كينونة حقيقية وهو الأصل في الكينونة للابن والروح القدس لا يعني أنَّ الكيْنونة أو الجوْهر قاصرًا على الآب وحده، فليس الواحد منهم منفصلًا في الكيْنونه أو الجوْهر عن الآخريْن.

أيضًا ينبِّه القدِّيس أغسطينوس في اعترافاته لحقيقة أخرى تتعلق بالإرسال والمساواة، يقول[7]: أن إرسال الابن من الآب، لا يحول بأي شكل دون أن نؤمن بالمساواة ... ولكن الإرسال لأن الابن من الآب، وليس الآب من الابن. كما ان الابن هو كلمة الآب وحكمته ...

أيضًا يثبت القدِّيس أغسطينوس مساواةَ الابن للآب عن طريق إثبات الوحدانيَّة في العمل[8]، يورد أولاً الآيات: "لنا إلهٌ واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له، وربٌ واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به" (1كو 8: 6)؛ وآية أخرى: "لأنَّ منه وبه وله كلَّ الأشياء. له المجد إلى الأبد. آمين" (رو 11: 36) ..... والآية في إنجيل يوحنا "كلُّ شئٍ به كان وبغيره لم يكن شئٌ ممَّا كان" (يو 1: 3).

ثم يناقش بالمنطق: إذا كانت بعض الأشياء قد عملها الآب، والبعض عمله الابن، إذن لم يعمل الآب كلَّ الأشياء ولا الابن كل الأشياء ... ولكن إذا كانت كل الأشياء قد عملها الآب، وكل الأشياء قد عملها الابن، إذن ذات الأشياء قد عملها الآب والابن ... وهكذا فإن الابن يكون مساوٍ للآب، وعمل الآب والابن غير منقسم، وبالتالي فإنَّه هو نفسه غير مخلوق، وإنَّما هو والآب عملا كلَّ شئٍ كان ...

ويشرح القدِّيس أثناسيوس المساواة بطريقة أخرى، يقول[9]:
إن جوْهر الكلمة ليس مختلفًا في النوع، وإلا فهذا يعني أن شيء غريب وغير مماثل أضيف لجوهر الله! الأمر الثاني أن التماثل ليس في الظاهر فقط، لئلاَّ يبدو من جهةٍ ما – أو كليَّةً - مختلفًا في الجوْهر، مثلما نجد النحاس يلمع كالذهب والفضة كالقصدير، بينما هذه المعادن مختلفة في الطبيعة وفي الجوْهر.
ثم يورد مثال الشعاع والضوْء، فيقول[10]:
من يمكنه القوْل بأنَّ الشعاع غير مماثل للشمس وغريب عنها؟ بل في ثقة يقول أنهما واحد، والواحد يظهر في الآخر، بحيْث أنَّ من يرى هذا يرى ذاك أيضاً؟ وهذه الوحدانيَّة أو الخاصيَّة الطبيعيَّة هي التي يسميها المؤمنون والذين يرون على نحوٍ صحيح (أي فكرهم سليم) "مولودٌ، واحدٌ في الجوْهر".

كما يثبت مساواة الابن للآب في الألوهة بتطابق الصفات، فيقول[11]: إذا تأملنا صفات الآب سنعرف أن الابن صورته حقيقة لأن هذه الصفات لابدَّ أن تكون في الصورة بحيث أنَّ "من رأى الابن فقد رأى الآب" (يو 14: 9).

وأيضًا يناقش القديس أثناسيوس الآريوسيين من جهة فكرة لماذا لا يكون الابن أيضًا أبًا إذا كان الابن هو صورة كاملة من الآب!  

فيفند هذه الفكرة قائلاً[12]: لأنَّ الله، إذ هو كاملٌ، ليس مصدر سلالة. وإنما هو الآب الوحيد للابن الوحيد. أمَّا البشر فهم ليسوا آباء وأبناء حقيقة، بل هم ظلال للحقيقى.

أيضًا لأن الابن لا يصبح أب لأنه أخذ من الآب أن يكون غير متغيِّر أبداً، وهو هو دائمًا. (أي دائمًا ابن، كما أن الآب دائمًا آب) ...

أزلية الابن وارتباطها بالمساواة في الجوهر والطبيعة

ترتبط المساواة في الجوهر بيْن الآب والابن بأزليَّتهما وبالاتحاد في الجوهر والطبيعة:
فكما سبق القول أنَّ الابن هو قوَّة الله، وهو الحكمة والحق والنور والتقديس والسلام والحياة وإلى غير ذلك من صفات ... إذًا لو أنَّ الابن ليس في الآب من الأزل يكون الآب بدون هذه الصفات قبل وجود الابن! فكيف إذًا يكون حكيماً بغير الحكمة المولودة منه؟ وكيف يكون الحق بدون الحق المولود منه؟ لذلك فإن تلازُم وجود الابن والآب معًا من الأزل، مع الروح أيضاً، هو ضرورة منطقيَّة ولاهوتيَّة.
وهذا ما يؤكده أيضًا الآباء، فالقديس غريغوريوس النيسي يناقش:[13]
أولاً عبارة "الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبَّر" (يو 1: 18)، تقول أنه في حضن الآب، وليس صار في حضن الآب، أي في زمن لاحق!

أيضًا القول بأنَّ الآب وُجِد بذاته بصرف النظر عن الصفات التي فيه هو أمرٌ غاية في العقوق والخبل (حسب تعبير القديس النيسي)! لأنَّه إذا كان الابن كما يقول الكتاب هو قوَّة الله، والحكمة، والحق، والنور، والتقديس، والسلام، والحياة، وما شابه، إذًا حسب قول الهراطقة قبل أن يوجد الابن لم يكن لهذه الأمور وجودٌ على الإطلاق. وإذا لم يكن لها وجود، فلابد أنهم تصوَّروا بالتأكيد حضن الآب خاليًا من هذه الصفات.

ثم يقول مواصلاً الرد على أونوميوس: إذا كان الله الابن الوحيد حسب كلام أنوميوس "لم يكن موجودًا قبل ميلاده"، بينما المسيح هو "قوَّة الله وحكمة الله" (1كو 1: 24) ورسم أقنومه (عب 1: 3)، والبهاء، إذًا بالتأكيد الآب أيضاً لم يكن موجودًا ... لأنَّه من غير الممكن أن نتصوَّر بالعقل أقنوم بدون رسم أو مجد أو بهاء ... فالنتيجة المنطقية لعدم وجود البهاء: إلغاء المجد. وهو أمر خطير يصوره بأنهم بذلك  كأنَّهم يؤيِّدون النظريات الأبيقوريَّة وهم يبشرون بالإلحاد تحت مظهر المسيحيَّة! (تخيلوا إلى هذا الحد المفهوم الخاطئ لعقيدة معينة يأخذنا إلى الإلحاد المستتر!!)

هكذا نفهم أيضًا قول الرب: "خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم." (يو 16: 28) أنه لا يعني أنه فارقه، لكنَّه دائمًا مع الآب، لأنَّه في حضن الآب، ولم يكن حضن الآب أبدًا خاليًا من الابن.   

الاتحاد بين الآب والابن دون انفصال مع التمايز بينهما

لا يمكننا إضافة الله الآب والله الابن معاً وحسبانهما إلهيْن، لأنَّهما ليسا إلهيْن بل إلهٌ واحد. كما لا يمكننا الخلط بينهما لأنَّهما أقنومان وليسا أقنومًا واحدًا.

في المقالة الأولى ضد الآريوسيين يفند القديس أثناسيوس قول الآريوسيين أنَّ الآب خلق لنفسه ابناً من العدم كأداة يخلق بها العالم! فيقول: أن الابن ليس خارجي عن الآب، فلم يدبِّر الآب لذاته حكمةً وابناً وكلمةً من الخارج، بل هو فيه (يو 14: 10). وأنهم بقولهم هذا يبرهنون على ضعفِ الخالق، أنه لم تكن له القدرة في ذاته أن يخلق الكون ولكن دبَّر لنفسه أداة من الخارج، كما يفعل نجَّار أو صانع سفن غير قادر على صنع أي شئٍ بدون قادوم ومنشار!!!

ثم يناقش الأزلية والاتحاد في الجوهر، بنفس المنطق بالإضافة إلى أنَّ كلَّ الآيات تستنكر البدعة الآريوسية وتثبت اتِّحاد الابن في الجوْهر مع الآب. فأيضًا بالمنطق هكذا يقول القديس أثناسيوس: [من رأى نورًا بغير ضياء؟ من فقد عقله ليقول أن الله كان في أي وقتٍ بغير عقل أو بغير حكمة؟]   [14]

ثم أننا لو لم نؤمن أن الابن موجودٌ من البدء مع الآب فإنَّنا ننسبُ للآب تغيُّر إذ صار أبًا فيما بعد. وهو أمر غير معقول.

وهناك تشبيهات كثيرة قدمها الآباء لتوضيح هذه المفاهيم، ذكرنا بعضًا منها في المقال الثاني عن "تمايز الأقانيم"، من بينها تشبيهات للقديس أثناسيوس عن تناغم حركة الكون، ربان واحد للسفينة، عازف واحد للقيثارة، تناسق حركة أعضاء الجسد، وأيضًا تشبيهات للقديس أغسطينوس عن الماء في أكواب ثلاثة هو نفس الماء، والخشب في الشجرة هو نفس الخشب في الفروع والجذع والجذر، وأيضًا تشبيهات لقداسة البابا شنودة الثالث ... وآباء غيرهم.

نضيف هنا مثال آخر للقديس أثناسيوس في كتابه "قانون الإيمان"، يؤكد به الاتِّحاد والتمايُز بيْن الآب والابن، هو مثال النهر، فيقول:
[كما أنَّ النهر الخارج من النبع ليس منفصلاً عنه، ومع ذلك فهما شيئان مرئيان ولهما اسمان، هكذا ليس الآب ابن ولا الابن آب ... فمثلما النبع ليس نهرًا ولا النهر نبعًا، ولكن كلاهما نفس المياه الواحدة التي تحملها القناة من النبع إلى النهر، هكذا الوهيَّة الآب تعبُر إلى الابن دون تدفُّق ولا انقسام.]
ومن آباء آخرين يناقشون الاتحاد مع التمايز نجد القدِّيس كيرلس الأورشليمي يقول:
["الآب فيَّ وأنا فيه" (يو 14: 11). لم يقل أنا الآب، ولكن الآب فيَّ ... وأيضاً لم يقل أنا والآب واحد am (في المفرد)، وإنَّما أنا والآب واحد are (في الجمع) (وهذا الفارق يظهر في اللغة الإنجليزية)، وذلك لكي لا نفصل بينهما، ولا نخلط بيْن الابن - والآب.]

ثم يقول عبارة عميقة: [واحدٌ هما، لأنَّ الكرامة تخصُّ اللاهوت، حيث أنَّ الله وَلَدَ إلهًا. واحدٌ هما، من حيْث ملكوتهما، لأنَّ الآب لا يحكم على هؤلاء والابن على أولئك ... وإنَّما ملكوت الآب هو أيضاً ملكوت الابن ... واحدٌ هما، لأنّ ليس هناك تنافر أو انفصال بينهما: لأنَّ ما يشاءه الآب، يشاءه الابن أيضاً ... واحدٌ هما، لأنَّ أعمال المسيح في الخلق ليست غير أعمال الآب لأنَّ الآب خلْق جميع الأشياء بالابن.]

ونفس الفكر نجده عند القدِّيس إيلاري أسقف بواتييه، حيْث يقول:
الإيمان الواحد هو الاعتراف بالآب في الابن والابن في الآب من خلال الاتِّحاد غير المنقسم – بغيرِ تشويش لكن بغيرِ انفصال، غير مختلطيْن ولكن متطابقيْن ... فهناك ولادة وليس انفصال. هناك ابن وليس تبنِّي. هو إله وليس مخلوق. وهو ليس إله من نوعٍ مختلف وإنَّما الآب والابن واحد لأنَّ الطبيعة لم تتغيَّر بالميلاد بحيْث تصير غريبة عن خاصيَّة الأصل.

الابن غير مخلوق

ردًا على من قالوا أنَّ الابن مخلوق وليس إلهًا يقول لهم القدِّيس غريغوريوس النيسي:
كيف يكون حقيقيًا أنَّ "كل شيء به كان" إذا كان الابن نفسه من الأشياء التي كانت؟ إمَّا أنَّه يكون خَلَق ذاته ... أو، إذا كان ذلك غير طبيعي على الإطلاق يكون الكلام بدون أساس.

ثم نفس ما قيل من قبل: إذا كنا نؤمن أنَّ المسيح هو حكمة الله وقوَّة الله، كما يقول القدِّيس بولس الرسول (1 كو 1: 24)، فإنَّ القوْل بأنَّ حكمة الله مخلوقة تعني أنَّ حكمته هي شيء خارجي عنه ناله فيما بعد بعملية خلق ولم يكن له في البداية. ولكنَّنا لا يمكن أن نتصوَّر أنَّ الله الآب كان بغيرِ حكمته أو كان حضنه خاليًا من الابن في أيِّ وقتٍ. فهو دائمًا في الآب.

ألوهية الابن

نؤمن ونردِّد في قانون الإيمان "إلهٌ حق من إلهٍ حق". فما معنى هذا؟

إنَّ ألوهيَّة الابن ليست مشاركة خارجية في ألوهيَّة الآب Partnership of Godhead but unity، ولكنَّها هي ذات الألوهيَّة. فالسيد المسيح ذاته يقول في أكثرِ من موضع: "أنا والآب واحد" (يو10: 30)؛ "الذي رآني فقد رأى الآب ... أني في الآب والآب فيَّ (يو 14: 9، 10). وكلُّ مجد الآب هو للابن كقوله في مناجاته للآب: "وكلُّ ما هو لي فهو لك، وما هو لك فهو لي" (يو 17: 10). وسوف يأتي في مجد أبيه للدينونة (مر 8: 38).

ألوهيَّة الابن أيضًا تعني أنَّ له كلَّ صفات وخواص الألوهة ... فهو في الآب ليس في جانبٍ واحد فقط، وإنَّما في كلِّ شئٍ ... في جميع الصفات الجوهرية ...

وبالطبع لا يمكن أن نتكلم عن صفات الألوهة كاملة فهي تفوق الحصر وتفوق الإدراك ...

 


[1] قداسة البابا شنودة الثالث: التثليث والتوحيد، عظة في 26/ 3/ 1977
[2] St. Athanasius: Defense of the Nicene Definition, Ch. 3: 11, p. 157, Vol. 4 NPNF
[3]  St. Cyril of Jerusalem: Catechetical Lectures 11: 10, p. 66, Vol. 7 NPNF
[4] St. Gregory Nazianzen: 5th Theological Oration on the Holy Spirit, 32, p. 328, Vol. 7 NPNF
[5] St. Athanasius: Discourse III Against the Arians, Ch. 23: 6, p. 397, Vol. 4 NPNF
[6] نيافة المطران الأنبا بيشوي: محاضرات في اللاهوت العقائدي والمقارن، ص 47، 2001م
[7] St. Augustine: Confessions, Book 4, Ch. 20, p. 83, Vol. 1
[8] St. Augustine: The Trinity, Book I, Ch. 6: 12, p. 23, Vo. 3
[9] St. Athanasius: Defense of the Nicene Definition, Ch. 23, p. 165, Vol. 4
[10] Ibid. Defense of the Nicene Definition, Ch. 24, p. 166, Vol. 4
[11] St. Athanasius: Discourse I Against the Arians, Ch. 6: 21, p. 318, Vol. 4
[12] Ibid. Ch. 6: 16, p. 316
[13] St. Gregory of Nyssa: Against Eunomius, Book 2: 2, p.102, Vol. 5
[14] Ibid. Discourse II Against the Arians, Ch. 18: 32, p. 365

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس