المسيح فادينا القدوس - مفهوم الفادي والفدية
⸭
المسيح فادينا القدوس
مفهوم الفادي والفدية
دكتورة وداد عباس توفيق
إن من الخطأ أن نفصل بين الفادي والفدية، ونقول أن الآب فادي والابن فدية!! إننا بذلك نفصل بين الأقانيم ونفصل بينهم في المشيئة. كما أن تدبير الفداء هو تدبير الثالوث القدوس من الأزل، أتمَّه الابن بتجسده في ملء الزمان. فالابن هو الفادي الذي قدَّم دمه فدية قبلها الآب عن جنس البشر. وهذا المفهوم واضح في صلوات جمعة الصلبوت حيث نقول:
[هذا الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة على الصليب عن خلاص جنسنا. فاشتمَّه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثه ... نسجد لك أيها المسيح، مع أبيك الصالح والروح القدس، لأنك صلبت وخلصتنا. ارحمنا]
فهناك اتِّحاد بين الأقانيم في كل الصفات، كما أن هناك اتِّحاد في المشيئة:
اتِّحاد الأقانيم يعني أن لكل الأقانيم ذات الصفات الجوهرية للاهوت، ومن بينها الحكمة، والقداسة، والعدل ...
ومع اتحاد الأقانيم هناك أيضًا اتحاد المشيئة: الآب أرسل الابن وبذله من أجل خلاص البشر "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16). الآب لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين" (رو 8: 32).
وفي ذلك يقول القديس أثناسيوس: [1]
[إن سبب مجيئه هو نحن ... فإن تعدياتنا استدعت تعطف الكلمة لكي يسرع لمعونتنا ويظهر بين البشر. فالغرض من تجسده هو نحن، ومن أجل خلاصنا أظهر محبة كبيرة، إذ ظهر وولد في جسد بشري].
بل إن الابن أيضًا يقيم ويحيي من يشاء كما يفعل الآب: "لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضًا يحيي من يشاء" (يو 5: 21) فهل يمكن أن الابن يشاء أن يحيي أحدًا لا يشاء الآب أن يحييه!
عمل المسيح الفدائي: "بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوُجِد فداءً أبديًا" (عب 9: 12). وفي هذا يقول القديس أثناسيوس:[2]
[ما قاله بنفسه موضِّحًا بأية ميتة كان سيفدى الجميع: "وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع" (يو 12: 32) ... قدَّم جسده للموت عن الكل، حتى به يعد من جديد الطريق إلى السموات.]
لهذا كان لابد من شروط عديدة تتحقق في الفادي: أولها أن يكون إنسانًا، لهذا أخذ جسدًا، لكي يحمل خطية الإنسان ويموت بدلاً منه ليفي العدل الإلهي ويسدد الدين الذي هو حكم الموت. فليس الفادي إذًا هو الآب، لأن الآب لم يتجسد. ويقول القديس أثناسيوس: [3]
[إذ رأى الكلمة أن فساد البشرية لا يمكن أن يبطل إلا بالموت ... وأنه من المستحيل أن يكابد الكلمة الموت لأنه غير مائت، ولأنه ابن الآب، لهذا أخذ لنفسه جسدًا قابلاً للموت.]
وكونه إنسان وإله يعني أن له طبيعة قابلة للموت، وسلطان للانتصار على الموت. هكذا أمكن أن يموت الابن في الجسد الذي اتخذه لذاته، وبسلطانه الإلهي يهزم الشيطان الذي له سلطان الموت. ويقول القديس أغسطينوس: [4]
[رأى الله من الأفضل أن يأخذ في ذاته إنسان من خلاله يهزم عدو الجنس البشري، أي من ذات الجنس الذي سبق أن انهزم.]
اذًا كان التدبير الأزلي تدبير الآب والابن معًا، بل تدبير الثالوث، نفَّذه الكلمة الأقنوم الثاني في ملء الزمان بالتجسد دون انفصال عن الآب والروح القدس في الفكر والمشيئة.
ويتضح شرط تجسد الفادي (والشروط الأخرى كالبر وعدم المحدودية) في عبارة القداس الغريغوري الذي يخاطب الابن بعبارة: "لا ملاك ولا رئيس ملائكة، ولا رئيس آباء، ولا نبي ائتمنتهم على خلاصنا .. بل أنت بغير استحالة تجسدت وتأنست ..." هنا العبارة صريحة أن الذي دبر الفداء هو الله الذي أخذ لنفسه جسدًا تمم فيه الفداء.
· المسيح أيضًا هو الفدية كما هو الفادي .. فهو الحمل الذي بلا عيب، ودمه الثمين هو الفدية: "عالمين أنكم قد أفتديتم لا بأشياء تفنى ... بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح" (1بط 1: 19). هو الفادي: "الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا" (أف 1: 7؛ كو 1: 14)، الذي بذل نفسه لكي يفدينا من كل إثم (تي 2: 14). بهذا الفداء الذي بيسوع المسيح نتبرر بنعمته (رو 3: 24). هو الفادي الذي قال عنه إشعياء النبي: "ويأتي الفادي إلى صهيون وإلى التائبين عن المعصية في يعقوب" (إش 59: 20). فهل نؤمن بالآب وحده كفادٍ، والابن وحده كفدية؟ وهل الآب هو الذي صلب، أم الابن المتجسد الفادي والفدية، المصلوب والواحد مع الآب؟
· هو أيضًا المخلِّص: "قولوا لابنة صهيون هوذا مخلِّصك آتٍ" (إش 62: 11)؛ "خرجت لخلاص شعبك" (حب 3: 13)؛ "ليس بأحد غيره الخلاص" (أع 4: 12). وفي بشارة الملاك ليوسف: "فستلد ابنًا وتدعو اسمه يسوع. لأنه يخلَّص شعبه من خطاياهم" (مت 1: 21). "لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلِّص ما قد هلك" (لو 19: 10؛ مت 18: 11). نقول له في صلوات الأجبية في طلبة الساعة السادسة: "أعنا يا الله مخلصنا من أجل مجد اسمك القدوس ... صنعت خلاصًا في وسط الأرض كلها أيها المسيح إلهنا عندما بسطت يديك الطاهرتين على عود الصليب...".
· وهو خبز الحياة المن السماوي الذي يهب حياة لمن يأكل منه، والصخرة الروحية التي تابعت الشعب القديم ليشرب ويحيا "... شربوا شرابًا واحدًا روحيًا، لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح" (1كو 10: 4-6). لذلك كمثال أمرالله بضرب العصا مرة واحدة كما أن السيد المسيح صلب مرة واحدة وطعن في جنبه ففاض منه دم وماء (يو 19: 34) ليحيا به شعبه إلى الأبد. كانت الحية النحاسية المرفوعة رمزًا له، من ينظر إليها يحيا، هكذا كان "ينبغي أن يرفع ابن الإنسان لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 14).
· هو رئيس الكهنة والذبيحة هي ذبيحة ذاته: "فعل هذا مرة واحدة، إذ قدَّم نفسه" (عب 7: 27) .. هو الكاهن والذبيحة معًا كما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: أنه ذاته الضحية والكاهن والذبيحة. لأنه لو كان الأمر غير ذلك وكانت هناك حاجة إلى تقديم ذبائح كثيرة لكان لابد أن يصلب مرارًا كثيرة [5]. ويوضح القديس أغسطينوس أن الذبيحة (الفدية) واجبة فقط للإله الحقيقي الواحد مقدمة من الكاهن الحقيقي الواحد الوسيط بين الله والإنسان.[6] ويخاطبه قائلاً:
فالآب هو الذي تقبل الذبيحة من الكاهن والذبيح الرب يسوع المسيح الابن المتحد بالجسد البشري. هكذا نقول في جمعة الصلبوت "الذي أصعد ذاته وقت المساء على الجلجثة، فاشتمه أبوه الصالح ...".
· وهو الوسيط الوحيد الحقيقي بن الله والبشر "الإنسان الواحد يسوع المسيح" (رو 5: 15) "لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس: الإنسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع" (1تي 2: 5، 6). وساطته قائمة على بذل دمه فدية. يصف القديس أغسطينوس هذا بعبارة قوية يقول:
[الوسيط الوحيد الحقيقي ذاته الذي يصالحنا مع الله بذبيحة السلام، يظل واحدًا مع من قدمت له الذبيحة ... هو ذاته المقدِّم للذبيحة، والتقدمة ذاتها في آنٍ واحد.]
كما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم أن الوسيط لابد أن يكون له صلة بالطرفين فلا يرتبط بواحد وينفصل عن الآخر: "فإذا لم يشارك في طبيعة الآب فلا يكون وسيطًا، بل منفصلاً عنه. فكما هو شريك في طبيعة البشر لأنه جاء للبشر، هو أيضًا شريك في طبيعة الله لأنه جاء من الله، ولأنه كان سيتوسط بين طبيعتين ... لذلك كما صار إنسانًا كان أيضًا إلهًا".[11]
· جاء المسيح عاملاً الصلح بين السمائيين والأرضيين بعد العداوة والانقسام .. فالصلح هو تدبير الثالوث نفذه الابن بدمه. "جعل الاثنين واحدًا ... لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا، صانعًا سلامًا ... ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلاً العداوة به " (أف 2: 14- 16). ويشرح القديس يوحنا ذهبي الفم هذه العبارة، يقول[12] أنه لم يكلِّف غيره بهذه المهمة، بل هو ذاته، بنفسه صهر الاثنين معًا وجعل منهما كيانًا مجيدًا. ويقول القديس هيلاري أسقف بواتييه أنه قدَّم ذاته للموت ... مقدِّمًا ذاته بإرادته ذبيحة لله الآب ... بتقديم ذاته لله الآب ... قدّم تقدمة مقبولة هي الجسد الذي أخذه. [13] وأيضًا يوحنا الدمشقي يقول: [14]
[مات لأنه أخذ على نفسه أن يموت نيابة عنا، ولأنه جعل نفسه تقدمة للآب من أجلنا. لأننا أخطأنا ضده، فكان اللائق أن يأخذ فدية عنا، وأن نتحرر بذلك من الإدانة.]
في كل هذه الأقوال واضح أمران: أن الابن قدَّم ذاته بإرادته عنا كلنا .. وأنه قدمه للآب كذبيحة وحيدة مقبولة لتوافر الشروط فيها.
· إنه أيضًا خروف الفصح الحقيقي، فهو حمل الله الذي يرفع خطية العالم (يو 1: 29). الحمل الذي بغير عيب، القدوس المذبوح من اليهود أنفسهم فكان كما يقول لاكتانتيوس خلاصًا لكل من كان مكتوبًا على جباههم علامة الدم، أي الصليب الذي سفك دمه عليه.[15]
المجد لك يا فادينا القدوس
المجد للآب والابن والروح القدس .. الإله الواحد. آمين
⸭
[1] St. Athanasius: Incarnation of the Word, 4: 2, 3, P. 38 – Vol. 4 NPNF, 2nd Series
[2] Ibid. 25: 1- 6, P. 49, 50
[3] Ibid. 9:1 , P. 40, 41
[4] St. Augustine: On the Trinity, Ch. 18, P. 180 - Vol. 3
[5] St. John Chrysostom: Homily 17: 3 On Hebrews, P. 447 - Vol. 14 NPNF, 1st Series
[6] Ibid. Book 22: 17, P. 277
[7] St. Augustine: Expositions on Psalm 65: 6, 7, P. 270 - Vol. 8 NPNF 2nd Series
[8] Ibid. On Psalm 133, P. 623
[9] Ibid. Confessions, 10: 43, P. 162 –Vol. 1
[10]Ibid. On the Trinity, Book 4, Ch. 14, P. 79 - Vol. 3
[11] St. John Chrysostom: Homily 7 On 1Timothy, P. 430 - Vol. 13
[12] Ibid. Homily 5 On Ephesus, P. 73
[13] St. Hilary of Poitiers: Homilies on Psalms 53: 13, P. 246, 247 - Vol. 9 NPNF
[14] John of Damascus: An Exposition of the Orthodox Faith, 3: 27 - Vol. 9 NPNF
[15] Lactantius: The Divine Institutes, Book 4: 27, P. 129 - Vol. 7 ANF
Comments
Post a Comment