جسد السيد المسيح
هل أخذ جسدًا فاسدًا أو قابلاً للفساد؟
                                                                                                                              دكتورة وداد عباس توفيق
أولاً ما معنى الفساد؟

يرد لفظ "فساد" في الكتاب المقدس بمعنييْن: الفساد بمعنى السلوك الخاطئ أو الخطية. والفساد بمعنى التحلُّل والفناء، حسب طبيعة الأجساد كما يقول القديس أثناسيوس.

فهل كان للسيد المسيح مثل هذا الجسد الفاسد بأي من المعنييْن؟ بالتأكيد لا، من الجهتين. لا من جهة السلوك والخطية أثناء تجسده فهو البار الذي كان يعلِّم البر، ولا من جهة تحلُّل الجسد بعد الموت،  فقد قام قيامة مجيدة بقوة لاهوته، كما جاء في نبوة داود النبي: "لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيك يرى فسادًا" (مز 16: 10).

فمن جهة الفساد بالخطية أو السلوك الخاطئ:

حقًا السيد المسيح أخذ جسدًا مماثلاً لنا، من الطبيعة التي فسدت، ولكن باتحادها بأقنوم الكلمة في نفس لحظة الحبل به قدَّس الجسد الذي أخذه لنفسه منها. فقد جاء لهذا الغرض: أن يخلِّص ويقدِّس البشرية. فليس من المنطقي أن يولد ويظل بالجسد الفاسد، ويقدِّسه فقط عند القيامة! إننا بذلك نفصل ناسوته عن لاهوته وكأن الجسد لم يكن متحدًا باللاهوت الذي قدَّس هذا الجسد، وكأن الذي صًلب كان مجرد إنسان خاطئ! فهل كان أثناء تجسده يفعل أي خطية؟! حاشا!

أخذ جسدًا حقيقيًا من مادة الطبيعة البشرية، ولكنه لم يأتِ عن طريق التناسل الطبيعي. فلم يأتِ حاملاً الخطية الجدية مثل باقي البشر، الذي عبَّر عنهم داود النبي بقوله: "هأنذا بالإثم صورت، وبالخطية حبلت بي أمي" (مز 51: 5). إنما السيد المسيح بعمل إلهي فوق إدراك البشر قدَّس بالروح القدس أحشاء العذراء لكي لا يرث المولود منها الخطية الجدية، وأيضًا باتحاد اللاهوت بهذا الجسد قدَّسه في ذات لحظة الحبل به.

الطبيعة البشرية للابن كانت التدبير الأزلي للثالوث القدوس، أعدها الآب وأخذها الابن وكوَّنها الروح القدس بالقوة الإعجازية، قوة العليّ التي ظللت العذراء فقدَّستها وملأتها نعمة لتلد هذا القدوس. أعد لها الآب من الأزل بمشورته وحكمته ومحبته. لذلك قال الابن: "ذبيحة وقربانًا لم تُرِد، ولكن هيأت لي جسدًا" (عب 10: 5).

فهل الآب الذي خلق الإنسان من البداية نقيًا طاهرًا على صورته كشبهه، يمكن أن يُعدّ لابنه الوحيد الأزلي جسد ساقط فاسد مدنَّس، أو حتى قابل للفساد والتحلُّل؟ ابنه الذي هو بهاء مجده ورسم أقنومه، أي جسد يمكن أن يُعدَّه له سوى طبيعة نقية مقدَّسة غير مائتة وغير قابلة للفساد، حتى لو من جنس البشر الذي فسد بالخطية؟!

وهل يمكن أن روح الله القدوس يكوِّن للابن طبيعة ليست مقدَّسة وفاسدة ليوحدها الكلمة بذاته؟! أم أنه يقدِّس الأحشاء والمادة التي سيتحد بها الكلمة في ذات اللحظة؟ وهذا هو الإعجاز الإلهي في التدبير الأزلي.

فأي منطق وأي آيات في الكتاب المقدَّس تقول غير هذا؟! ألا يعتبر القول بغير هذا تجديف؟

فإذا قال أحد أن الجسد الذي أخذه لنفسه جسد فاسد أو قابل للفساد لأنه شابهنا في كل شيء، نقول لهذا ولد من عذراء ومن الروح القدس. والروح القدس طهر أحشاءها فلم يرث المولود منها الخطية الأولى لأبوينا. هو شابهنا في كل شيء، إنسان كامل، لكي يمكن أن يكفِّر عن خطايانا، لأنه وحده البار الذي بلا خطية (عب 4: 15) الذي يمكن أن يتمِّم هذا.

هكذا كانت بشارة الملاك للعذراء مريم من البداية: "القدوس المولود منك يُدعى ابن الله" (لو 1: 25) فكيف يكون قدوسًا وجسده فاسدًا؟! أليس باتحاد الجسد البشري بالكلمة تقدَّس وتطهَّر من الفساد والخطية؟! إنه رئيس الكهنة القدوس بلاخطية: "قدوس بلا شر ولا دنس، قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عب 7:36).

أيضًا كونه الفادي والفدية الذي جاء لكي يفدي الخطاة ويطهِّرهم من الفساد والخطية، فكيف يكون هو فاسدًا؟! هل يمكن أن يلبس الفادي جسدًا فاسدًا ويظل له طوال حياته على الأرض حتى القيامة ليتحول إلى عدم فساد؟ وهل كفدية يمكن أن تكون فاسدة؟ هل يقبلها الآب عن الفاسدين بالخطية؟! كلام غير منطقي .. فإذا كنا نعترف أنه الفادي والفدية فلابد أن يكون بارًا بلا خطية لكي يمكن أن يشفع في الخطاة. كما قال في العهد القديم: "أنا أنا الرب وليس غيري مخلِّص ... هكذا يقول الرب فاديكم قدوس إسرائيل" (إش 43: 11، 14)

 لقد أكد بره بنفسه، قائلاً: "من منكم يبكِّتني على خطية؟" بينما قال عن الروح القدس: "ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية" .. فهل كان فيه ما يبكته عليه روحه القدوس؟! فلو كان فيه فساد الخطية ما كان يقول لهم هذا.

فلو لم يكن قدوس، ما كان يمكن أن يقف أمام الله ليشفع في البشر بدمه!

لو لم يكن قدوس، ما كان دمه يصلح للشفاعة ويكون مقبولاً لدي الآبن! فدمه الثمين يطهِّر من كل خطية، كقول القديس بطرس: "عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى ... من سيرتكم الباطلة ... بل بدمٍ كريم، كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح" (1بط 1: 18، 19).

إنه الحمل الذي بلا عيب الذي كان يرمز إليه خروف الفصح الذي كان من شروطه أن يكون بلا عيب إشارة لبر الفادي.

بل إن الكتاب المقدس في أكثر من موضع يعرِّفنا عن غضب الله من الفساد والفاسدين وعقابه لهم، ويعطي أمثلة للفساد السلوكي كالظلم، عبادة الأوثان وغيرها، كما في الآيات:

(إر 12: 10): "رعاة كثيرون أفسدوا كرمي".

(تك 6: 11): "وفسدت الأرض أمام الله وامتلأت الأرض ظلمًا. ورأى الله الأرض فإذا هي قد فسدت، إذ كان كل البشر قد أفسد طريقه على الأرض. فقال الله لنوح: نهاية كل بشر قد أتت أمامي، لأن الأرض امتلأت ظلمًا منهم. فها أنا مهلكهم مع الأرض" ... وجلب الطوفان الذي أهلك كل جسد، ما عدا نوح وأسرته إذ وجد نعمة في عيني الرب لأنه كان رجلاً بارًا كاملاً في أجياله (تك 6: 8، 9).

فهل الله الذي يكره الفساد ويعاقب إلى درجة إهلاك كل جسد، يترك الجسد الذي اتخذه ابنه فاسدًا مثل البشر الذين جاء ليخلِّصهم من هذا الفساد؟ وكيف يخلِّصهم وهو بجسد فاسد؟!

وفي العهد الجديد:

في الموعظة على الجبل يعطي السيد المسيح وصايا عن السلوك بالبر وينهي عن أي خطايا (مت 5-7). فهل إذا كانت طبيعته قابلة للفساد يفعل غير ما يقول ويشابه من يعظهم؟!

بل إنه يوضح نهاية الفساد من خلال تشبيه ملح الأرض، يقول: "أنتم ملح الأرض، ولكن إن فسد الملح فبماذا يملح؟ لا يصلح بعد لشيء، إلاّ لأن يُطرح خارجًا ويداس من الناس" (مت 5: 13). فإذا كان يقول هذا عن الفاسد أنه يُطرح خارجًا ويداس من الناس، فهل يمكن أن يكون هو ذاته بجسد فاسد؟ هذا إذا كان الفساد يعني السلوك الخاطئ والخطية.

يشهد له الرسل الأطهار الذين عاينوه، فيقول القديس بطرس الرسول في عظة يوم الخمسين: "ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار ... ورئيس الحياة قتلتموه" (أع 3: 14، 15).

ويقول القديس بولس الرسول بعد أن تحدث عن الذين لن يرثوا ملكوت الله: "لكن اغتسلتم، بل تقدَّستم، بل تبرَّرتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا" (1كو 6: 11). فكيف نتبرر باسمه إذا كان هو في جسد فاسد، رغم اتحاد الناسوت باللاهوت بغير انفصال؟! "لأنه جعل الذي لم يفعل خطية، خطية لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه" (2كو 5: 21).

آلامه الخلاصية لم تكن بسبب خطية له وإنما بسبب خطايا كل البشر التي حملها في جسده: "فإن المسيح أيضًا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البار من أجل الأثمة" (1بط 3: 18)، "الذي لم يفعل خطية، ولا وُجِد في فمه مكر" (1بط 2: 22). لذلك يقول القديس بولس الرسول: "فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية، دان الخطية في الجسد" (رو 8: 2، 3).

هذا عن الفساد المتمثِّل في الخطية والسلوك الخاطئ ...

أما عن الفساد الذي يعني التحلل الجسدي والفناء فالقيامة خير دليل على أنه لم يجتَزه. لم يتحلَّل أو يفسد الجسد الراقد في القبر ثلاثة أيام، وكيف يفسد وهو متِّحد باللاهوت!

ماذا قال الآباء القديسون عن جسد السيد المسيح؟

القديس أثناسيوس، وهو أكثر من تكلَّم بوضوح عن جسد السيد المسيح، يتكلَّم عن الفساد بمعنى التحلل (فساد الموت)، وأيضًا عن فساد الخطية، يقول:

[وهكذا إذ أخذ من أجسادنا جسدًا من طبيعة مماثلة، وإذ كان الجميع تحت عقوبة فساد الموت، لذلك بذله للموت نيابة عن الكل، وقدَّمه للآب. فعل هذا بشفقته، لكي أولاً يكون الجميع قد مات فيه فيبطل الناموس الذي كان يستلزم فناء البشر ... وثانيًا حيث أن البشر اتجهوا نحو الفساد، فيعيدهم ثانية إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بتخصيص جسده وبنعمة القيامة يخلِّصهم من الموت مثل القش من النار ... ][1]

وأيضًا:

[لما كان من الضروري أيضًا أن يتم سداد الدين المستحق على الجميع: لأن الجميع ... كان ينبغي أن يموت، وبالفعل لهذا السبب خاصة  جاء في وسطنا. ولهذا الغرض، بعد أن قدم أدلة ألوهيته من أعماله، قدم ذبيحته بعد ذلك نيابة عن الكل، وسلَّم هيكله للموت نيابة عن الكل، أولاً لكي يبرئ ويحرر البشر من معصيتهم القديمة، ثم لكي يُظهر ذاته أقوى حتى من الموت، مُظهرًا جسده غير فاسد، كباكورة لقيامة الجميع ...

هكذا إذًا لأن الجسد يشارك نفس الطبيعة مع الجميع إذ أنه جسد بشري، وإن كان بمعجزة فريدة تكوَّن من عذراء فقط، لكنه كان مائتًا، لذلك كان لابد أن يموت أيضًا مثل نظرائه. ولكن بسبب اتحاد الكلمة به، لم يعد خاضعًا للفساد بجسب طبيعته، وإنما بسبب الكلمة الذي جاء ليحل فيه صار بعيدًا عن منال الفساد.

هكذا حدث أمران عجيبان في الحال، أن موت الجميع تحقق في جسد الرب، وأن الموت والفساد أبيدا كلية بسبب الكلمة الذي اتحد به.][2]

ويقول القديس أثناسيوس أيضًا:

[إن الموت الذي يحل بالبشر يحل بهم لأنه موافق لضعف طبيعتهم، فإذ هم لا يستطيعوا الثبات للنهاية ينحلوا بمرور الزمن. ولهذا أيضًا تصيبهم الأمراض، فيمرضون ويموتون. ولكن الرب ليس ضعيفًا، بل هو قوة الله وكلمة الله والحياة ذاتها.

فإذا كان خلع جسده في موضع ما سرًا، وعلى فراش مثل البشر، لكان يُظَن أنه فعل هذا بما يتناسب مع ضعف طبيعته ولأنه لم يكن فيه شيء يفوق البشر الآخرين ... ولم يكن من الملائم أيضًا أن يمرض الرب الذي شفى أمراض الآخرين، ولا كان من اللائق أن يفقد الجسد قوته الذي فيه يعطي قوة لضعفات الآخرين أيضًا.

فلماذا إذًا لم يمنع الموت كما فعل مع المرض؟ لأنه لهذا أخذ الجسد، ولم يكن من المناسب منعه عنه لئلا تعاق القيامة، كما لم يكن ملائمًا للمرض أن يسبق موته، لئلا يُظّن ضعفًا من جانب من كان في الجسد. ألم يجوع إذًا؟ نعم، جاع، بما يتناسب مع خواص جسده. ولكنه لم يمت من الجوع، بسبب الرب الذي لبس هذا الجسد. هكذا، حتى وإن كان قد مات ليفدي الجميع، لكنه لم يرَ فسادًا. لأن جسده قام ثانية سليمًا تمامًا، إذا الجسد لم يكن لجسد آخر بل للحياة ذاته.][3]

وكما قيل عن الجوع أنه من خواص الجسد، وليس نتيجة للخطية، يمكن أيضًا القول عن العطش، والتعب، والنوم، والبكاء، وغيرها، إنها الآلام الطبيعية التي قال عنها القديس يعقوب في رسالته عن إيليا النبي: "كان إيليا إنسانًا تحت الآلام مثلنا" (يع 5: 17) وفي الإنجليزية "له نفس طبيعتنا with a nature like ours". إذًا هذه الأمور: الجوع والعطش والتعب وغيرها هي من طبيعة الأجساد، وليست نتيجة للخطية.

وأيضًا يقول القديس أثناسيوس:

[... وكما أن القش بطبيعته تفنيه النار، فإذا افترضنا أولاً أن شخصًا ما يبعد النار عن القش، فعلى الرغم من أن القش لا يحترق، لكنه يظل مجرد قش يخشي تهديد النار، فالنار من خاصيتها الطبيعية التهامه. بينما لو أن شخص ما (ثانيًا) أحاط القش بكمية من الأسبستوس، المادة التي يقال أنها مضادة للنار، فلا يعود القش يخشى النار، إذ أصبح أمنًا إذ هو محاط بمادة غير قابلة للاحتراق.

وبنفس هذه الطريقة يمكن القول من جهة الجسد والموت. فإذا أُبعد (الكلمة) الموت عن الجسد بمجرد أمر منه، لظل رغم ذلك مائتًا وقابلاً للفساد بحسب طبيعة الأجساد. ولكن لكي لا يكون كذلك، فقد وضع الجسد عليه كلمة الله غير المتجسد، وهكذا لم يعد يخشى الموت أو الفساد، لأنه قد صارت له الحياة كلًباس، وفيه أبيد الفساد.][4]

ويقول أيضًا:

[فكما أنه كائن في الخليقة، ومع ذلك لا يأخذ من طبيعتها بأدني درجة، بل إن كل الأشياء تأخذ من قوته، هكذا بينما استخدم الجسد كأداة لم يأخذ خواص الجسد، لكنه على النقيض قدس الجسد.][5]

ويتحدث أيضًا عن فساد الخطية فيقول في مقاله الثالث ضد الآريوسيين:

[... "لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدِّي آدم" (رو 5: 14). هكذا ظل الإنسان مائتًا وقابلاً للفساد كما من قبل، وعرضة للميول الخاصة بطبيعته. لكن الآن، وقد صار الكلمة إنسانًا ... لم تعد هذه الأشياء تمس الجسد بسبب الكلمة الذي جاء فيه، بل هو أبادها، فلم يعد البشر يستمرون خطاة وأموات بسبب ميولهم الخاصة، ولكن إذ قاموا بقوة الكلمة يظلون دائمًا غير مائتين وغير قابلين للفساد ...][6]

وعن أن السيد المسيح أخذ الحكم بإدانة خطية البشر في ذاته يقول:

["فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية، دان الخطية في الجسد" ذلك بأن خلصه من المعصية، التي كان أسيرًا لها باستمرار ... "لأنه لم يرسل الله بانه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلِّص العالم" (يو3: 17). فمن قبل كان العالم باعتباره مذنبًا تحت دينونة الناموس، ولكن الآن أخذ الكلمة في ذاته الدينونة وتألم بالجسد عن الكل فمنح الخلاص للكل.] [7]  

هذه مجرد أمثلة قليلة من كتابات القديس أثناسيوس عن جسد المخلِّص الغير الفاسد والغير القابل للفساد.

وهو نفس الفكر لقديسين آخرين، منهم على سبيل المثال:

القديس يوستينوس الشهيد يري أن الطبيعة البشرية التي أصبحت فاسدة وكان الكلمة يريد تحقيق الخلاص لهذه الطبيعة فكان لاب\ أن تلبس تلك الطبيعة الحياة التي يمكن أن تبيد فيها الفساد وتحفظ لها الخلود. فكيف يبيد الفساد إن كان هو قابلاً للفساد!

يقول القديس يوستينوس في ذلك:

[الله خلق الإنسان من البداية ... وأعطي اختبار عن طريق وصية، إذا حفظها ينال الخلود، أما إذا تعداها يكون نصيبه العكس. ولكن الإنسان سرعان ما تطلع إلى التعدِّي، وأصبح بالطبيعة خاضعًا للفساد. وإذ صار الفساد متأصلاً في الطبيعة كان لابد أنه (الكلمة) الذي أراد أن يخلِّص هذه الطبيعة، أن يكون إنسانًا أباد السبب المؤدي للفساد.

ولم يكن يمكن أن يتم ذلك سوى باتحاد الحياة بالطبيعة بذاك الذي لحقه الفساد، وبذلك يبيد الفساد ويحفظ الذي أخذه غير مائت بعد ذلك.

لهذا كان من الضروري أن الكلمة يأخذ جسدًا لكي يخلِّصنا من موت الفساد الطبيعي، لأنه إذ كان كما تقولون أبعد عنا الموت بمجرد إيماءة منه، لكان الموت بالفعل لا يقترب إلينا بسبب مشيئته هذه، ولكن رغم ذلك يمكن أن نصير ثانية عرضة للفساد إذ لنا في أنفسنا ذلك الفساد الطبيعي.][8]

وأيضًا القديس كيرلس الأورشليمي يؤكد بر المسيح وأنه صلب ليس لخطايا له ولكن لخطايانا نحن، ويعدِّد الخطايا السلوكية التي يدان عليها االخاطئ ولم تكن له، يقول:

[إذ كان في الجسد مثل الآخرين، صُلب، لكن ليس لخطايا مماثلة. لم يساق للموت لشهوة ما للغير ... ولا لشهوة جسدية ... ولا للطم أو ضرب أحد ... ولا لازدراء بالناموس ... ولا لشتم نبي ... ولا لسلب أجرة أجير ... ولا لخطأ بالقول أو الفعل أو الفكر ... جاء للآلام بإرادته وليس على غير إرادته.][9]

والقديس يوحنا ذهبي الفم يفسر قول بولس الرسول أنه صار خطية لأجلنا، يقول:

"لأنه جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه" (2كو 5: 21) ... فيقول: معنى هذا أنه سمح أن يدان بالموت واللعنة كخاطئ. والأهم أنه لكي نصير نحن، ليس أبرارًا، بل نصير بر الله فيه![10]

هذا هو فادينا ومخلِّصنا القدوس الذي بذل نفسه فدية لأجلنا ... البار من أجل الأثمة ...

له كل المجد مع أبيه الصالح والروح القدس إلى الأبد. آمين

 



[1] St. Athanasius, Incarnation of the Word, Ch. 8: 4, p. 40, Vol. 4, NPNF
[2] Ibid. Ch. 20: 2-5, p. 47, NPNF, Vol. 4
[3] Ibid. 21: 4-7, p. 47, 48
[4] Ibid. 44: 7, 8, p. 61
[5] Ibid. 43: 6, p. 60
[6] St. Athanasius, Discourse 3, Ch. 26: 33, p. 411, 412
[7] Ibid. Discourse I, 60: 9, p. 341
[8] St. Justin Martyr, Fragments of Lost Works, 11, p. 301, Vol. 1, ANF
[9] St. Cyril of Jerusalem, Catechetical Lectures, 13: 5, p. 83, Vol. 7 NPNF
[10] St. John Chrysostom, Homily 11 on 2Corinthians, p. 334, Vol. 12, NPNF

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس