التجسد الإلهي (1) مفهوم وطبيعة التجسد
بداية ما هو التجسد وما الفرق بينه وبين الظهور:
التجسد في المسيحية يعني أن الله الابن الكلمة الأقنوم الثاني أخذ لنفسه جسدًا بشريًا كاملاً من الطبيعة البشرية ليتمم فيه التدبير الأزلي: الفداء. كما سيرد التوضيح بعد ذلك.
أما الظهور فيعني أخذ هيئة جسدية، قد تكون بشرية أو هيئة ملاك أو أي مظهر يكون فيه ظاهرًا للعين البشرية، لكن لم يأخذ طبيعة الملاك أو البشر أو غير ذلك.
من حيث الظهور كان للسيد المسيح ظهورات عديدة في العهد القديم تأكَّدت في العهد الجديد. نذكر البعض منها:
- ظهورالرب لموسي النبي على هيئة ملاك في عليقة مشتعلة بالنار في (خر 3: 2-16)، ولما مال لينظر قال له الرب: "أنا إله إبيك: إله إبراهيم وإله إسحق، وإله يعقوب" فغطَّى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله. وفي هذه المرة أرسله إلى فرعون ليُخرج الشعب. ولما سأله عن اسمه ليقول لبني إسرائيل قال له "أهيه الذي أهيه" "يهوه إله آبائكم ... هذا اسمي إلى الأبد" I AM WHO I AM.
وهذا ما ذكَّرهم به في العهد الجديد القديس استفانوس أثناء محاكمته في المجمع مع أحداث أخرى (أع 7: 30-34) إذ ذكر لهم ظهوره لموسى في العليقة وقوله له أنه إله آبائه وأن المكان الذي يقف فيه أرض مقدسة لذا عليه أن يخلع حذائه، وهو ما ورد بالفعل في سفر الخروج. ثم أثناء رجمه شَخَص إلى السماء فرأي مجد الله ويسوع قائمًا عن يمين الله (أع 7: 55، 56).
وهذا ما أكَّده السيد المسيح حين قال لليهود: "أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح" (يو 8: 56-59). فلما فهموا كلامه خطأ وقالوا أنه ليس له بعد خمسين سنة فكيف رأى إبراهيم، أكد لهم: "قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" ... كان بالطبع يتكلم عن ما قبل تجسده وأزليته. لذلك رفعوا حجارة ليرجموه.
- ظهوره لمنوح أبي شمشون في هيئة رجل الله بمنظر مرهب، ولما سأله عن اسمه قال له: "لماذا تسأل عن اسمي وهو عجيب؟" .. وعندما صنع منوح تقدمة وأصعدها للرب كان عند صعود اللهيب عن المذبح نحو السماء أن ملاك الرب صعد في لهيب المذبح واختفي عن ناظرهما، فقال منوح لامرأته: "نموت موتًا لأننا قد رأينا الله" (قض 13).
- ظهوره لدانيال النبي في الرؤيا بشبه إنسان حين طلب المعنى وأمر جبرائيل الملاك أن يفسر له الرؤيا (دا 8: 15، 16): "وكان لما رأيت أنا دانيال الرؤيا وطلبت المعنى، إذا بشبه إنسان واقف قبالتي، وسمعت صوت إنسان ... فنادى وقال: يا جبرائيل، فهِّم هذا الرجل الرؤيا".
- ظهوره لحزقيال النبي وحوله منظر لمعان وتكلَّم معه: "هكذا منظر اللمعان من حوله. هذا منظر شبه مجد الرب. ولما رأيته خررت على وجهي وسمعت صوت متكلِّم ... وقال لي: يا ابن آدم أنا مرسلك إلى بني إسرائيل ... فتقول لهم: هكذا قال السيد الرب" (حز 1: 28-2: 5).
- وأيضًا ظهوره لإشعياء النبي بمنظر مهيب وصفه قائلاً: "رأيت السيد جالسًا على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل. السرافيم واقفون فوقه ... وهذا نادى ذلك وقال: قدوس، قدوس، قدوس رب الجنود . مجده ملء كل الأرض ..." ثم أحاديثه مع إشعياء النبي والنبوات التي نطقها على فمه.
هذه مجرد أمثلة لظهورات عديدة في هيئات مختلفة ... ولكن لم يكن أي منها تجسد بمعنى أخذ الطبيعة التي ظهر بها.
هنا ننتقل إلى التجسد..[1]
التجسُّد كما ذكرنا في البداية يعني أنَّ الله الأقنوم الثاني، الابن، الكلمة اللوغوس أخذ لنفسه جسدًا بشريًا خاصًا به من الطبيعة البشرية، وفي هذا الجسد صار ظاهرًا لنا بطريقةٍ مرئية، بعد أن كان معنا بطريقةٍ غير مرئية. قبل ذلك لم نكن نستطيع أن نراه لأن مجد اللاهوت لا يراه أحد، كما قال عن ذاته حين أراد موسى النبي أن يراه: " الإنسان لا يراني ويعيش" (خر 33: 20). لذلك خبأه في نقرة من الجبل وغطاها بيده وجاز من قدامه، وكانت النتيجة أن جلد وجهه صار يلمع لدرجة أنه وضع برقعًا على وجهه!
ومتى حدث التجسد بهذا المعنى؟ في ملء الزمان، الوقت الذي اختاره ليحل فيه بيننا، الوقت المعيَّن من الأزل، الذي مهد له بطرق متنوعة على مدى أجيال عديدة. "عظيمٌ هو سرُ التقوى، الله ظهر في الجسد" (1 تى 3: 16). ظهر لنا لكي نراه بينما كان في العالم لأنه إزلي أبدي، وكُوِّن العالم به كما نعرف من (يو 1: 10، 11) "به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يو 1: 3).
فالذي تجسَّد هو الله الكلمة، الأقنومُ الثاني من الثالوث القدوس، أقنومُ الحكمة، اللوغوس الذي من الأزل، كما يعلِّمنا القديس يوحنا الحبيب، قائلاً: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله" (يو 1: 1) ... "والكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا ..." (يو 1: 14).
بتجسده حل بيننا، جاء إلى العالم من عند الآب ولم يفارق الآب، لم ينفصل عن الآب، لأن الآب والابن والروح القدس الثالوث القدوس واحد بغير انفصال. ولأنه كما قال: "صدقوني أني في الآب والآب فيَّ" (يو 14: 10، 11)، "أنا والآب واحد" (يو 10: 30) ... أيضًا وبإيجاز: لأنَّه لا يمكن أن يكون الآب في وقتٍ ما بدون ابن، فالأبوة هي الصفة الأقنومية له، والأبوة تعني أن هناك ابن ... فطالما أنه آب من الأزل فلابد أن الابن أيضًا من الأزل، أزلي مع الآب ...
إذًا جاء إلينا وظل هناك، وأيضًا قبل أن يجئ إلينا كان هنا أيضًا، لأنَّه مالئُ السماء والأرض كما يشهد عن ذاته في سفر إرميا: (إر 23: 24)، ولأنه كما قلنا "كان في العالم، وكوِّن العالم به" (يو 1: 10)، "الذي به عمل العالمين" (عب 1: 2).
وكيف تجسَّد؟ تجسَّد بأن اتَحد بالطبيعة البشرية في جسد خاص به في بطن العذراء. فاتحدت الطبيعة اللاهوتية للكلمة بالطبيعة البشرية التي أخذها في ذات لحظة الحبل المقدس، أو ما يمكن وصفه أنه من النقطة صفر من الزمن. ذلك بعد أن طهَّر الروح القدس مستودعها حتى لا يأخذ المولود منها الخطيَّة الموروثة، ولكي يشابهنا في كلِّ شئٍ ما خلا الخطيَّة فهو القدوس، كما قال لها الملاك: "الروحُ القدس يحلُّ عليكِ وقوةُ العليِّ تظلّلِك، فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يدعى ابن الله" (لو 1: 35).
حل في أحشائها وأخذ منها الجسد وهيَ لا تزال عذراء، واستمرت عذراء بعد ولادته (دائمة البتولية). وليس هذا غريبًا فقد دخل إلى العلية والأبواب مغلَّقة (يو 20: 26) وأشار إلى ذلك في سفر حزقيال عن باب المشرق الذي دخل به رب المجد ويظل مغلقًا، قائلاً: "هذا الباب يظل مغلقًا، لا يفتح ولا يدخل منه إنسان، لأن الرب إله إسرائيل دخل منه فيكون مغلقًا" (حز 44: 2).
الجسد الذي اتَّخذه لنفسه في تجسده كان جسدًا حقيقيًا، وطبيعةً بشريةً حقيقية مماثلة لطبيعتنا، ومرَّ بمراحلِ النمو الطبيعية من الطفولة إلى الرجولة: يأكل، ويشرب، وينام. وحَّد الطبيعتيْن في شخصه.
تجسَّد وتأنَّس، كما نقول في قانون الإيمان. أي صار إنسانًا كاملاً من جسدٍ، ونفس، وروح. ظل إلهًا كاملاً وإنسانًا كاملاً. وليس كما إدَّعى "أبوليناريوس" الذي نَفي في بدعته أن يكون للمسيحِ روح بشرية عاقلة لأنَّ اللاهوت كما قال يمكنه أن يقوم بدورها! وكأن للمسيح جسد بشري ونفس بشرية فقط، أي ليست طبيعة بشرية كاملة ... وقد أدينت بدعته.
في تجسُّده كانت له الطبيعتان بكل صفاتهما ...
ظلَّت له صفاتُ الألوهة، إذ هو صورةُ الله غير المنظور( كو 1: 15)؛ بهاء مجده ورسمُ أقنومه (عب 1: 3). هو أزلي مع الآب، غير مائتٍ، وغير متغيرٍ، وكلُّ صفاتِ الألوهة الأخرى.
وأخذ كلَّ صفات البشرية، وليس الهيئة البشرية فقط ... لأنه أخلى ذاته وهو ربُّ المجد: "أخذ صورةَ عبد صائرًا في شبه الناس" (في 2: 7)، فكان خاضعًا للموت، وله كل سمات الجسد البشري، بما في ذلك المشاعر البشرية الحقيقية: يتعب، وينام، ويحزن، ويبكي. حين أقام لعازر بكى؛ اشتهى شهوةً أن يأكل الفصح مع تلاميذه؛ حين دنت ساعته حزن (يو 11: 35؛ لو 22: 15؛ مت 26: 38). فكما كان له جسد بشري حقيقي ونفس بشرية حقيقية، كانت له أيضًا مشاعر بشرية حقيقية. هذه المشاعر بالتأكيد لم تُنسب إليه زيفًا، كما يقول القديس أغسطينوس.[3]
ويقول أيضًا: تصوروا لو أن الله قد كوَّن طبيعة بشرية للمسيح بغير ولادة من أم، ولكن بطريقة أخرى، وقدَّمه للبشر فجأة، أو لم يمر الرب بمراحل النمو من الطفولة إلى الرجولة، ولم يتناول طعامًا أو ينل نومًا! لو حدث هذا لكان من المستحيل أن نصدَّق أنه أخذ طبيعة بشرية حقيقية![4]
إن طبيعة التجسد تعني كيف كان في تجسده، فنعرف أن جوهره الإلهي لم يتغير .. أنه لم يترك ألوهيته .. أن الجسد لم يحد اللاهوت .. ولم يتجزأ .. ولم ينطفئ مجده
ويوضح لنا القدِّيس أغسطينوس هذا بتشبيه لتوضيح المعنى أكثر، فيقول:
ويقول القديس أغسطينوس أيضًا:
2) في تجسده لم يترك ألوهيته:
كان يمارس صفات الطبيعتين، كان يقيمَ الموتى، ويشفي المرضى، ويصنع المعجزات ... ليس كما كان يفعل البشر والأنبياء بقوةِ الله فيهم أو بصلواتٍ إلى الله لكي يستجيب ... إنَّما كان السيد المسيح يصنع المعجزة بقوتهِ الإلهية، بأمرٍ منه، كما فعل في إقامة لعازر حين قال له: "هلم خارجًا" (يو 11: 43)، وكما قال للمفلوج: "مغفورة لك خطاياك"، ولما تذمروا في قلوبهم قال لهم: "لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا" ثم قال للمفلوج: "قم احمل سريرك وامشِ" (مت 9: 1-8)، وفي شفاء المولود أعمى طلي بالطين عينيه وأمره أن يذهب ويغتسل في بركة سلوام، فمضى واغتسل وأتي بصيرًا (يو 9: 6، 7) فهي معجزة خلق عينين له. وأيضًا في إخراج الشياطين مرات عديدة.
كل هذه الأعمال كانت تشهد بألوهيته وقد أكَّد هو بذاته ذلك موجِّهًا الأنظار إلى الأعمال ليعرفوا أنه الله المتجسد. فكان يقول لهم: "فآمِنوا بالأعمال، لكي تعرفوا وتؤمنوا أنَّ الآب فيَّ وأنا فيه" (يو 10: 38)؛ "صدِّقوني أنِّي في الآب والآب فيَّ، وإلاَّ فصدِّقوني بسببِ الأعمالِ نفسها" (يو 14: 11). هنا نقول هل كان الأنبياء والرسل الذين صنعوا المعجزات بقوةِ الروح يجسروا أن يطلبوا من الناس أن يؤمنوا بهم، أو أن يدَّعوا أنهم في الله والله فيهم؟!!!
3) في تجسُّده الجسد لم يحدُّ اللاهوت:
الجسد لم يحد اللاهوت فظل اللاهوت كما هو غير محدود. وكما يعلِّمنا القديس أثناسيوس أنه لم يكن وهو حاضرٌ في الجسدِ غائبًا عن أيِّ مكانٍ آخر ... كان مالئُ كل مكان وكل زمان، ولكنَّه كائنٌ دائمًا في أبيهِ وحده كلية ... وهو في الجسد لم يخلو الكوْنُ من وجوده وأيضًا من عملهِ وعنايته.[7] ومع وجوده في كل مكان لم يكن يحويه شئ كما نقول في القداس الإلهي "غير المحوى، غير المبتدئ، الأزلي" ...
كان حاضرًا في السماءِ، وعلى الأرضِ، وما بينهما. كان يتكلَّم مع نيقوديموس معلِّم الناموس ويقول عن ذاته: "ليس أحدٌ صعدَ إلى السماءِ إلاَّ الذي نزلَ من السماء، ابن البشر الذي هو في السماء" (يو 3: 13)! كان يقول هذا وهو على الأرض يتحدَّث معه ... ويقول أنه في السماء في ذات الوقت!! هو إذن لم يحدَّه حيِّزٌ مكاني معيَّن كما لا يحده زمن معيَّن.
كما أن شعاعُ الشمس في حجرةٍ ما على سبيل المثال لا يمنع من وجوده في أماكن أخرى، بل إنَّه يسطع على كلِّ سطح الأرض المواجه للشمسِ بأكملهِ. فهو كإله لم يحدَّه رحمُ العذراء كجنين، ولم يحتوِه جسدٌ صغير يختفي فيه كطفلٍ رضيع ويظلُّ فيه حتى يصير رجلاً!
4) في تجسده اللاهوت لم يتجزأ:
لم يتجزأ لاهوته باتحاده بالجسد البشري، حاشا لله أن يتجزأ!! لأن الله روح بسيط كامل متكامل ... لذلك هو كان قبل التجسد وأثناء وجوده في الجسد وبعد صعوده حاضرٌ بأكملهِ، وبكاملِ ألوهيته في كلِّ مكان ... إذا كانت طبيعة الروح تختلف كثيرًا عن طبيعةِ الجسد ولها قدرات أكبر، فكم بالأحرى تختلف طبيعة الله الخالق النفس والجسد والروح! هكذا وهو في الجسد الذي اتخذه لنفسه كان كاملاً وخارجه كإله كان أيضًا كاملاً.
مثال آخر في صلبه وقيامته، كان لاهوته كاملاً بينما الجسد الذي أخذه لنفسه على الصليب ثم في القبر، وبلاهوته نزل إلى الجحيم ليحرر الذين في أسر إبليس وفتح باب الفردوس وأدخلهم. وأيضًا في قيامته قام الجسد بقوة اللاهوت. فهل تجزأ اللاهوت ونزل جزء إلى الجحيم وظل جزء آخر في القبر؟! اللاهوت لا يتجزأ.
ويوضَح القديس أغسطينوس هذا المفهوم، يقول: أن كوْنه يملأ الكوْن لا يعني الملء الذي يحدث حين يملأ الهواءُ أو الماءُ أو الضوء حيِّزًا مكانيًا معيَّنًا. وإنَّما الملء يعني أنَّه حاضرٌ في كلِّ مكانٍ بتمامهِ ...
ويقول عبارة عميقة: أنه يأتي دون أن يترك المكان الذي كان فيه ... ويغادر دون أن يترك المكان الذي أتى إليه! فنقول أنَّه أتى حين يُظهر ذاتَه لنا ... ونقول أنَّه غادر حين يختفي عن أعيننا. وسواءً ظاهرًا أم مختفيًا فهو حاضرٌ معنا كالنورِ للعيون، سواءً رأته العيون أم لم تره، أو كالصوتِ للأذن، سواءً كانت الأذن تسمعه أم لا. [8]
وكما هو موجود دائمًا كاملاً في كل مكان، هو أيضًا موجودٌ في كلِّ زمان. فحين جاء إلينا لا يعنى هذا أنَّه جاء في الماضي، بل هو كان بيننا في الماضي والحاضر والمستقبل، كما قال: "قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" ... كائن دائمًا ... بل هو أيضًا داخلنا، في قلوبنا ...
ويقول القدِّيس أغسطينوس بهذا المعنى متحدثًا عن الصعود عبارة جميلة:
5) حلوله في الجسد لم يُنقصه أو يُطفئ مجده:
أجمل ما قيل عن هذه النقطة ما قاله القدِّيس أثناسيوس بتشبيه الشمس، إذ يقول:
⸭
Comments
Post a Comment