(3)
ضرورة التجسد الإلهي
نتناول في هذا المقال:
ضرورة التجسد؛ الفداء كهدف وسبب للتجسد؛ الفداء كمبادرة حب من الله للإنسان .. ثم لفظ "لأجل" أو"بدلاً من".
ضرورة التجسد:
تتمثل ضرورة التجسد في الحال الذي كان الإنسان قد وصل إليه بعد السقوط. فبعد أن سقط الإنسان الأول صار خاضعًا لعقوبة الموت بكل ما انطوى عليه من موت روحي وأدبي وأبدي، وانطمست الصورة الإلهية التي خُلق عليها الإنسان، ونقل كل ذلك إلى ذريته، فكانت البشرية تسير في طريقِ الفناء. حالة مرعبة وصل إليها البشر ...[1]
عبَّر القدِّيس أثناسيوس عن هذه الحالة المرعبة التي وقع فيها البشر بقوله:
وكان أمام الله أحد أمريْن: إما أن يتنازل عن كلمته التي نطق بها – أي حكم الموت – ويكون اللهُ كاذبًا بينما هو الحق ذاته .. أو أن يترك الإنسان يهلك .. وهذا ضد صلاح الله، وضد قدرته أن يعجز عن انقاذه؟! كان خيرًا للإنسان لو لم يُخلق، من أن يُخلق ليلقى هذا المصير!
هكذا يقول القدِّيس أثناسيوس:
ويواصل الشرح قائلاً:
ونجد نفس الفكر في تعليم قداسة البابا شنودة الثالث، إذ يقول:
ونستخلص من أقوال القديس أثناسيوس ومثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث أنه:
إذا نفَّذ الله الحكم وهلك الإنسان، لكان هذا:
ضدَّ قدرة الله، إذ يكون غير قادرٍ على حماية خليقته التي يحبها!
أما إذا لم ينفِّذ الله الحكم الذي حكم به بعدل على الإنسان فإن هذا يكون:
ضدَّ صدق الله، إذ لا ينفِّذ كلمته التي نطق بها. وكيف يصير الله كاذبًا وهو أبو الحق وكلمته لا يسقط منها حرفٌ واحد!
ولأن الإنسان لم يكن يستطيع أن يخلِّص نفسه من الموت نتيجة الخطية، ولم يكن الله يريد للإنسان الذي على صورته أن يموت، لذلك كان التدبير الإلهي الفائق من الله العادل الرحوم.
إذ رأى الله في عدله أنَّه لابد من تنفيذ الحكم الصادر من الله وفاءًا للعدل الإلهي بموتِ الإنسان عقابًا للخطية، حيث لا يمكن أن يستمر الخاطئ دون عقاب رادع ...
ورأى برحمته الإلهية أن تكون هناك كفَّارة (فدية) تحمل الخطيَّة والعقوبة بدلاً من الإنسان الخاطئ فيتبرأ الإنسان، ليس بمعنى عدم تنفيذ الحكم ضده، ولكن بتنفيذ الحكم في الكفارة الذي ينوب عنه، وبذلك يتحقَّق العدل الإلهي مع الرحمة الإلهية. فكان السبيل لذلك هو التجسد الإلهي .. أن يتجسد أقنوم الابن ليمكن أن يحمل في الجسد البشري الذي يأخذه لنفسه خطية الإنسان وينفِّذ في ذاته حكم الموت بدلاً منه، فيكون دمه هو الثمن والفدية التي بها يتحرَّر الإنسان من الدين (الموت) طالما قد سدّده عنه الفادي ..
من هنا كانت ضرورة التجسد: لتتميم هذا التدبير .. لأن الله الغير المائت والغير المتجسد ما كان يمكنه أن يموت، لهذا كان لابد أن يتَّخذ لنفسه جسدًا بشريًا لكي يمكنه أن يموت فيه ويقدِّم هذا الجسد فدية عن الإنسان إذ يحمل بدلاً منه العقوبة.
هكذا تحقق الفداء، الهدف الأساسي والسبب الرئيسي للتجسد ..
الهدف لأنه غاية هذا التدبير الإلهي ..
والسبب لأن هذا الهدف ما كان يمكن أن يتم بغير التجسد. فكما سبق القول هو كإله لم يكن يمكن أن يموت أو يقدِّم ذاته ذبيحة مقبولة، لذلك كان التدبير أن يأخذ جسدًا خاصًا له من نفس الجنس الذي أخطأ ووقع تحت عقوبة الموت. فيقول القديس بولس الرسول: "فإذ قد تشارك الأولاد في اللحمِ والدم، اشترك هو أيضًا كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، أي إبليس، ويعتق أولئك الذين - خوفًا من الموتِ - كانوا جميعًا كلَّ حياتهم تحت العبودية" (عب 2: 14، 15). وكما نقول في ترنيمة القيامة المجيدة: "بالموت داس الموت والذين في القبور أنعم عليهم بالحياة". هذا هو الغرض الأساسي والسبب الذي من أجله أخذ جسدًا بشريًا وفيه حمل خطايانا على الخشبة ومات عن الجميع، من أجل الجميع، وبدلاً عن الجميع. ولأن فداؤنا هو الغاية، فلو كان قد فعل أشياء كثيرة في تجسده ولم يتمِّم الفداء لما تحقق خلاص الإنسان ...
الفداء إذًا هو التقاء لعدل الله ورحمته ومبادرةَ حب من الله للإنسان:
بدأها بإخلاء الذات وأتمَّها بموت الصليب: "الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه، آخذًا شكل عبد، صائرًا في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه، وأطاع حتى الموت، موت الصليب" (في 2: 6-8) ... هو لم يعتبرها اختلاسًا أن يكون معادلاً لله لأنه بالفعل كذلك لأنه صورة الله من جوهره وطبيعته. هكذا وهو الله تنازل وأخلى ذاته ليكون في شكل عبد، في صورة الإنسان. وإذ وُجد في الهيئة كإنسان أطاع حتى الموت. وهذا هو الهدف الرئيسي .. "ليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مت 20: 28؛ مر 10: 45)؛ "بدم نفسه، دخل مرةً واحدة إلى الأقداس، فوُجد فداءً أبديًا" (عب 9: 12)؛ "عالمين أنك افتديتم لا بأشياء تفنى .... بل بدم كريم، كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح" (1 بط 1: 18، 19). لذلك في ترنيمة الأربعة الكائنات الحية والأربعة والعشرين قسيسًا أمام العرش، يقولون: "مستحقٌ أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه، لأنك ذُبحت واشتريتنا لله بدمك" (رؤ 5: 9) ...
بدأها بالتجسُّد، وأتمَّها بكفَّارة الصليب، حيث حمل الكلمة اللوغوس في الجسد الذي اتَّخذه لنفسه العقوبةَ كاملةً نيابة عن البشر، وأباد الموت بموته، محقِّقًا خلاص الإنسان الهالك: "لأنَّ ابن الإنسان قد جاء ليطلب ويخلِّص ما قد هلك" (لو 19: 10، مت 18: 11).
إنَّه الحبُّ الإلهي الذي جعله يُخلي ذاته ويموت عنَّا دون استحقاق من جانبنا: "ولكنَّ الله بيَّن محبته لنا، لأنَّه ونحن بعد خطاة، مات المسيح لأجلنا" (رو 5: 8)؛ "... ابن الله الذي أحبَّني وأسلم نفسه لأجلي" (غل 2: 20)؛ وهي نفس إرادة الآب: "الذي لم يشفق علي ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين" (رو 8: 32)
هنا نوضح مفهوم لفظ "لأجل" أو "عن":
ربما يظن البعض أن لفظ "لأجلنا" في الآيات السابقة لا تعني أنه مات بدلاً منا! وهذا الفكر قاد البعض إلى إنكار نيابة المسيح عن البشر! نجد الرد على هذا الفكر عند الآباء:
يقول القديس أثناسيوس صراحة في أكثر من نص:
[إذ كان الجميع تحت قصاص فساد الموت، فقد بذل جسده بدلاً من الجميع In The stead of all، وقدَّمه للآب.][7]
[إذ هو كلمة الآب وفوق الكل، كان وحده قادرًا بطبيعة الأمر أن يعيد خلق كل شيء ويتألم عن الجميع on behalf of all][8]
[أخذ لنفسه جسدًا قابلاً للموت، حتى باتحاده بالكلمة الذي هو فوق الكل يصلح أن يموت بدلاً من الكل In The stead of all ويمكن بسبب الكلمة الذي حل فيه (أي في هذا الجسد) يظل غير قابلاً للفساد، وهكذا يبيد الفساد عن الجميع بنعمة القيامة.][9]
ملحوظة أخرى في النص الأخير بالإضافة إلى تفسير القديس أثناسيوس للموت النيابي، هناك تأكيد على عدم فساد جسد الرب يسوع: أن الجسد الذي أخذه الكلمة لنفسه بسبب اتحاده بالكلمة يظل غير قابل للفساد، وطالما أن الاتحاد بين هذا الجسد البشري الذي أخذه وبين الكلمة في ذات اللحظة – اللحظة صفر من الزمان – فإنه لا يمكن أن يكون فاسدًا أو يعتريه أي فساد طوال وجوده فيه وهو على الأرض أو بعد موته، بل ويبيد الفساد عن الجميع. ولكن متى يصبح الجميع غير فاسدٍ؟ في القيامة. ففي ذلك الحين فقط يلبس الفاسد عدم فساد والمائت عدم موت.
نعود إلى لفظ "لأجل" فنعرض التفسير اللغوي للفظ:
وردت الكلمة في النص العربي عدة مرات "لأجل" وعدة مرات "عن"، أما النص الإنجليزي ترجمة King James فاللفظ واحد “for” في كل الآيات سواء التي تمت ترجمتها "لأجل" أو "عن" ... وفي القواميس كلمة “for” لها العديد من المعاني ومن بينها "بدلاً من" و "لصالح" ... وفي اللغة اليونانية أيضًا في كل الآيات السابقة اللفظ واحد وهو υπερ له عدة معانٍ من بينها: "لأجل"، "بدلاً من"[10]، وتترجم on behalf of كما ورد في العهد الجديد اليوناني إنجليزي بالترجمة الحرفية الإنجليزية لكل الآيات[11]، وهي في القواميس تعني إما "لأجل"، أو "نيابة عن آخر" (قاموس Longman انجليزي/انجليزي، المورد انجليزي/عربي).
إذًا السيد المسيح ناب عنا بحمل الخطية وعقوبتها التي هي الموت.
وحتى لو افترضنا أن اللفظ يعني "لأجل" فالمعنى واحد: تجسد لأجلنا، ولماذا تجسد؟ الغرض من تجسده هو خلاصنا. وكيف يكون الخلاص؟ بتقدمة جسده ذبيحة. ولماذا يقدِّم ذاته ذبيحة وهو بار بلا خطية؟ لأنه حمل خطايانا على الخشبة: "الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة" (1بط 2: 24)، وبالتالي حمل العقوبة أيضًا: "تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البار من أجل الأثمة" (1بط 3: 18) ..
لهذا أخذ الجسد البشري لكي يبيد فيه الموت ويبيد فيه إبليس الذي كان له سلطان على البشر بسبب خطيتهم، ويحررهم من سلطانه .. لم يكن أحد سواه يستطيع ذلك.
هذا الجسد البشري الذي أخذه مخلِّصنا كان أحد الشروط الأساسية لقبول ذبيحته ... شروط كان لابد أن تتوافر في الفادي لكي يفي العدل الإلهي، وسوف نعرض شروط الفادي في مقال لاحق إن شاء الرب.
المجد لك يا محب البشر
⸭
Comments
Post a Comment