التجسد الإلهي
(5)
مفهوم شركة الطبيعة الألهية بحسب الآباء
                                                                                                             دكتورة وداد عباس توفيق 
    
     إحدى بركات التجسَّد أن يأخذ طبيعتنا البشرية ويعطينا شركة طبيعته الإلهية:*

ما المفهوم السليم الآبائي لهذا؟ ... هناك عبارة وردت في رسالة القديس بطرس الثانية يقول فيها: "لكي تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية" (2 بط 1: 4) ... هذه العبارة، بالإضافة إلى عبارة للقديس أثناسيوس "لكي نصير إلهًا" وعبارة في المزمور (82) "أنا قلت أنكم آلهة" ... أثارت هذه العبارات جدلاً كبيرًا ومناقشات عديدة إذ فهمها البعض فهمًا خاطئًا على أنها تعني أنه صارت لنا الطبيعة الإلهية!!! بالطبع هذا مفهوم خاطئ. فماذا قال الآباء الأوائل في ذلك وكيف فهمها آباء الكنيسة؟ نناقش العبارات الثلاث بالتفصيل.

ماذا تعني شركة الطبيعة الإلهية؟ بالتأكيد لا تعني أن نكون آلهة، أو نشترك في الطبيعة الإلهية. وإنَّما بصورة مبسطة كما فهمها الآباء قبل أن نناقش بالتفصيل:

أننا، على الرغمِ من ضعفاتنا التي لا نفقدها، ننال إمكانيات ترتفع بنا من خلال اتِّحادنا به ... وننال قدرة على التغلُّب على ضعف طبيعتنا.

ويعبِّر القدِّيس أغسطينوس عن ذلك بقوله:

[صار شريكًا في ضعفنا مع احتفاظه بألوهيته، حتى أنَّنا إذ نتحوَّل إلى ما هو أفضل بمشاركتنا في بره وعدم موته، نفقد صفات الخطيَّة والموت التي لنا، ونحتفظ بكلِّ ما هو صالح مما غرسه في طبيعتنا واكتمل الآن بالمشاركة في صلاحِ طبيعته.][1]

فلنبدأ أولاً بالآية (2 بط 1: 3-11) والآيات التي قبلها والتي بعدها لنفهم المقصود: يقول القديس بطرس: "كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى، بمعرفة الذي دعانا بالمجد والفضيلة، اللذين بهما قد وهب لنا المواعيد العُظمى والثمينة، لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية، هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة. ولهذا عينه – وأنتم باذلون كل اجتهاد – قدموا في إيمانكم فضيلة، وفي الفضيلة معرفة ............ لأنه هكذا يقدَّم لكم بسعة دخول إلى ملكوت ربنا ومخلِّصنا يسوع المسيح الأبدي".

من هذه الآيات يتضح مفهوم القديس بطرس الرسول لشركة الطبيعة الإلهية:

أنها دعوة بقدرته الإلهية منحتنا وسائط الحياة والتقوى ... دعوة للمجد والفضيلة ... وبهذا ننال المواعيد العظمي والثمينة التي بها نصير شركاء الطبيعة الإلهية (وليس شركاء في الطبيعة الإلهية) ... وهذا يعني كما ورد في الآية أن نهرب من الفساد الذي في العالم بالشهوة ... متى؟ حين نحقِّق الغرض: لهذا الغرض نبذل كل اجتهاد لنقدم الفضيلة والمعرفة والتعفف والصبر والتقوى والمحبة ... بل يقول "أن الذي ليس عنده هذه، هو أعمى قصير البصر، قد نسى تطهير خطاياه السالفة ... لذلك بالأكثر اجتهدوا ... لأنكم إذا فعلتم ذلك، لن تزلوا أبدًا. لأنه هكذا يقدَّم لكم بسعة دخول إلى ملكوت ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الأبدي"  

إذًا هناك هبة تعطينا إمكانيات أن نحيا في الفضيلة فننال المواعيد، أي الدخول إلى ملكوت ربنا الأبدي ... وإذا لم نجتهد لنحقِّق هذا فكأننا عميان نسينا تطهير خطايانا السالفة ... وهل لمن لم يتطهر من الخطايا يمكن أن يشارك الطبيعة الإلهية؟؟؟! ... بل إننا إذا لم نجتهد يمكن أن نزِّل ونفقد الدعوة ... أما إذا اجتهدنا فننال بسعة الدخول إلى الملكوت.

أي كلام أوضح من هذا؟! ومع هذا الوضوح يستند البعض إلى آيات وأقوالِ لبعض القدِّيسين بتفسير خاطئ ...

وهناك ثانيًا من يستند لقول القدِّيس أثناسيوس: [الكلمةُ صار إنسانًا حتى نصير نحن إلهًا!]

فماذا يعني القديس أثناسيوس بهذا القول؟ من كتاباته الأخرى يتضح مفهومه أنه لم يكن يقصد أنَّه تصير لنا الطبيعة الإلهية، طبيعة الله، أو نصير آلهة بالطبيعة! فلنر بعض أمثل من كتاباته:

قوله في مقاله الأول ضد الآريوسيين:
["إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله" (يو 10: 35)، وإذا كان كلُّ الذين دُعوا أبناءً وآلهة، سواءً في الأرض أو في السماء، هم كذلك بالتبنِّي والتأليه من خلالِ الكلمة، والابن نفسه هو الكلمة، هكذا من الواضح أنَّهم جميعًا، وهو قبلهم، بل بالأحرى وحده هو الابن الحقيقي، وهو وحده إلهٌ حق من إلهٍ حق.][2]
هنا التألُّه يعني التبنِّي، وأنَّ الابن الكلمة هو وحده الحقيقي والإله الحق، بينما  البشر بالتبنِّي.

وفي نفس المقال الأول يقول:

[كما بموته متنا جميعًا في المسيح، هكذا أيضًا في المسيح نفسه نرتفعُ عاليًا، إذ نقوم من الأموات ونصعد إلى السماءِ حيث دخل يسوع سابقًا عنَّا ... وهو ذاته، الذي يقدِّس الجميع يقول أيضًا أنَّه قدَّس ذاته للآب من أجلنا، ليس لكي يصير الكلمة مقدَّسًا، ولكن لكي في ذاته يقدِّسنا جميعًا.][3]

هنا يورد القدِّيس أثناسيوس لفظًا موازيًا للتأليه هو في النص الإنجليزي highly exalted، ويعني تعظيم وارتفاع في المكانة، وذلك بتقدِّيسه لنا. وهو لفظٌ معادلٌ للفظ“deify”  الذي نترجمه دائمًا "يؤلِّه"، بينما في الحقيقة له أكثر من معنى بحسب القواميس العربية والإنجليزية. فاللفظٌ أيضًا يعني "اتِّخاذ شئٌ ما موضعَ عبادة"، وأيضًا "تعظيم إلى درجةٍ كبيرة"، وكذلك "إعطاء قيمة أكبر لشئٍ ما". هكذا يمتنع أي لبس لو أخذنا اللفظ بمعنى تعظيم الإنسان بما هو فوق قيمته الحقيقية، وهو ما يتَّفق مع قول القدِّيس أثناسيوس في هذه الفقرة.

وفي مقاله الثالث ضد الآريوسيين يقول القدِّيس أثناسيوس:

[لقد صار إنسانًا وقام ثانيةً، نال هذا في الجسد لكي لأجله يكون للبشر من ذلك الحين فصاعدًا السلطان على الشياطين إذ صاروا شركاءَ طبيعةٍ إلهية، وفي السماءِ إذ تحرَّروا من الفساد يملكون إلى الأبد.][4]

دعونا نحلِّل هذا القول للقديس أثناسيوس، هناك نقطتان: النقطة الأولى أنه يقول "صاروا شركاء طبيعة إلهية" وليس بإداة التعريف (ال) "الطبيعة الإلهية" ... في النص الإنجليزي: partakers of a divine nature  وليس "the"، والنقطة الثانية أنه متي يكون هذا؟ "في السماء" بعد أن يكونوا تحرروا من الفساد. وهذا التحرر يكون في القيامة العامة حيث يقام الأموات عديمي فساد، والأحياء يتغيَّروا (1 كو 15: 52) ... أما من وقت تجسده فيكون للبشر سلطان على الشياطين، كهبة وليس كآلهة ... أيضًا ماذا لو أصروا على البقاء في الفساد رافضين التحرر بالإيمان بالمسيح؟ هل صاروا آلهة ويملكون؟! بأي منطق هذا؟!

وعن العبارة الثالثة في مزمور (82) هناك شرح واضح للقدِّيس إيريناؤس وكأنه يرد على من يخطر بذهنه هذا الفكر، يقول:

[لقد أعلنها: "أنا قلت أنَّكم آلهة، وبني العلىِّ كلكُّم" (مز 82: 6، 7). ولكن لأنَّنا لا يمكننا أن ندَّعي قوة اللاهوت فإنَّه يُضيف قائلاً: "لكن مثل الناس تموتون". هكذا يُبرز الحقيقتيْن: تعطُّف موهبته المجانية، وضعفنا، وأيضًا أنَّ لنا سلطان على ذواتنا.][5]

وعبارة "السلطان على ذواتنا" تتفق مع قول القديس بولس الرسول: "أقمع جسدي واستعبده، حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" (1 كو 9: 27)

وفي تفسير بطريرك الكنيسة قداسة البابا شنودة الثالث لعبارة "شركة الطبيعة الإلهية" يقول قداسته بطريقةٍ واضحة مبسَّطة لا تخرج عن فكر الآباء الأوائل:

[يفهمون خطأ عبارة "شركاء الطبيعة الإلهية" الموجودة في (2 بط 1: 4)؛ يعتبرون أنَّها شركةٌ مع الثالوث ... وشركةٌ في طبيعة اللاهوت. ولقد قلت لكم كثيرًا أنَّنا نشترك مع الطبيعة الإلهية في العمل وليس في اللاهوت، ولا في الجوهر، ولا في الأقنوم، ولا في الطبيعة الإلهية، كما نقول في أوشية المسافرين: "اشترك في العمل مع عبيدك في كلِّ عملٍ صالح". ولذلك حين نقرأ نفس الآية التي وردت فيها هذه العبارة (2 بط 1: 4) يقول معلِّمنا بطرس الرسول: "وُهب لنا المواعيد العظمى والثمينة لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد". فليس معناها قادرين على كلِّ شئٍ، وموجودين في كلِّ مكانٍ، ولا خالقين، ولكن يعني نشترك مع طبيعة الله التي تقودنا إلى البر في عمل الصالحات والهرب من الفساد.]

ويستكمل التوضيح قائلاً:

[والعجيب أنَّهم يُحضرون كلمة آلهة وأبناء وينسبونها إلى القدِّيس كيرلس الكبير! طبعًا القدِّيس كيرلس الكبير لم يقل أنَّنا نصيرُ آلهة وننافس الله في ألوهيته، لكن مثلما قيل لموسى بالنسبة لفرعون، وما قيل لموسى بالنسبة لهرون ... (خر7: 1) (خر 4: 16).][6]

وأيضًا يقول قداسته:

[قال بولس الرسول عن نفسه وعن زميله أبولس في (1 كو 3: 9) "نحن عاملان مع الله"، أي نشترك مع الله في العمل، ومع ذلك ليست شركة في كلِّ عملٍ، فالله من أعماله الخلق، ونحن لا نشترك مع الله في الخلق طبعًا. وأيضًا نحن نخطيءُ أحيانًا، وفيما نخطيءُ لا نكون شركاءً مع الله في العمل، إنَّما نكون منفصلين عنه. إذًا نحن شركاء مع الله في العمل، ولكنها ليست شركة دائمة إنَّما شركةٌ مع الطبيعة الإلهية حينما نسلك حسب مشيئة الله ... ثم أنَّ شركةَ الطبيعة الإلهية هي بقدر الإمكان عودةٌ إلى الصورةِ الإلهية التي خُلق على مثالها.][7]

إذًا بعض عرض بعض أقوال الآباء الواضحة كمثال نلخص كل هذا في نقاط محدَّدة:

-    المفهوم الصحيح من آيات الرسالة الثانية للقديس بطرس نفسها أنها تعنى دعوة للفضيلة لكي ننال المواعيد بالهروب من الفساد الذي في العالم ...

-    بالنسبة للقديس أغسطينوس تعنى أن نتحول إلى ما هو أفضل ...

-    بالنسبة للقديس أثناسيوس يقول صراحة رغم التعبيرين التبني والتأليه، فإنه هو الابن الحقيقي وحده، وهو إله حق من إله حق، وبالطبع البشر ليسوا كذلك ...

-    وأيضًا حسب تفسير القديس أثناسيوس أنها ارتفاع إلى مكانة أعلى وسلطان على الشياطين بعد أن نتحرر من الفساد ...

-    بالنسبة للقديس إيريناؤس فإنه ينبِّه إلى بقية الآية في (مزمور 82: 6، 7) أن رغم هذا التعبير في لكنه أعقبه بأننا مثل البشر نموت: "أنا قلت أنكم آلهة وبنو العلي كلكم. لكن مثل الناس تموتون ...".

-    وبالنسبة لقداسة البابا شنودة الثالث فإنه يورد قول الله لموسى وهرون "جعلتك إلهًا لفرعون" فهذا لا يعني أن موسى خالق لفرعون أو له سلطان عليه! وإنما هي شركة في العمل، عودة للصورة الإلهية ...

بركات التجسد الإلهي فلتعمل في حياتنا بروحه القدوس لنحيا حسب مشيئته ونصنع مرضاته...



* مقتطفات من كتاب: وداد عباس توفيق، "الفداء عدل ورحمة" الطبعات الأولى - الثالثة 2007 - 2019 ، مع إضافات عديدة
 [1] St. Augustine: The City of God, Book 21, Ch. 15, P. 465 - Vol. 2
[2] Ibid. Discourse 1: 39 Against the Arians, P. 329
[3] Ibid. Discourse 1: 41, P. 330
[4] Ibid. Discourse 3: 40, P. 415
[5] St. Irenaeus: Against Heresies, 4: 38: 4, P. 522 – Vol. 1  Ante-Nicene Fathers
[6]  قداسة البابا شنودة الثالث: محاضرات في اللاهوت المقارن لقسم اللاهوت بمعهد الدراسات القبطية في 2004، محاضرة 4، ص 7، 8
[7]  قداسة البابا شنودة الثالث: نفس المرجع ، المحاضرة 5،  ص 4

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس