ما المفهوم السليم الآبائي لهذا؟ ... هناك عبارة وردت في رسالة القديس بطرس الثانية يقول فيها: "لكي تصيروا شركاء الطبيعة الإلهية" (2 بط 1: 4) ... هذه العبارة، بالإضافة إلى عبارة للقديس أثناسيوس "لكي نصير إلهًا" وعبارة في المزمور (82) "أنا قلت أنكم آلهة" ... أثارت هذه العبارات جدلاً كبيرًا ومناقشات عديدة إذ فهمها البعض فهمًا خاطئًا على أنها تعني أنه صارت لنا الطبيعة الإلهية!!! بالطبع هذا مفهوم خاطئ. فماذا قال الآباء الأوائل في ذلك وكيف فهمها آباء الكنيسة؟ نناقش العبارات الثلاث بالتفصيل.
ماذا تعني شركة الطبيعة الإلهية؟ بالتأكيد لا تعني أن نكون آلهة، أو نشترك في الطبيعة الإلهية. وإنَّما بصورة مبسطة كما فهمها الآباء قبل أن نناقش بالتفصيل:
ويعبِّر القدِّيس أغسطينوس عن ذلك بقوله:
[صار شريكًا في ضعفنا مع احتفاظه بألوهيته، حتى أنَّنا إذ نتحوَّل إلى ما هو أفضل بمشاركتنا في بره وعدم موته، نفقد صفات الخطيَّة والموت التي لنا، ونحتفظ بكلِّ ما هو صالح مما غرسه في طبيعتنا واكتمل الآن بالمشاركة في صلاحِ طبيعته.][1]
فلنبدأ أولاً بالآية (2 بط 1: 3-11) والآيات التي قبلها والتي بعدها لنفهم المقصود: يقول القديس بطرس: "كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى، بمعرفة الذي دعانا بالمجد والفضيلة، اللذين بهما قد وهب لنا المواعيد العُظمى والثمينة، لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية، هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة. ولهذا عينه – وأنتم باذلون كل اجتهاد – قدموا في إيمانكم فضيلة، وفي الفضيلة معرفة ............ لأنه هكذا يقدَّم لكم بسعة دخول إلى ملكوت ربنا ومخلِّصنا يسوع المسيح الأبدي".
من هذه الآيات يتضح مفهوم القديس بطرس الرسول لشركة الطبيعة الإلهية:
إذًا هناك هبة تعطينا إمكانيات أن نحيا في الفضيلة فننال المواعيد، أي الدخول إلى ملكوت ربنا الأبدي ... وإذا لم نجتهد لنحقِّق هذا فكأننا عميان نسينا تطهير خطايانا السالفة ... وهل لمن لم يتطهر من الخطايا يمكن أن يشارك الطبيعة الإلهية؟؟؟! ... بل إننا إذا لم نجتهد يمكن أن نزِّل ونفقد الدعوة ... أما إذا اجتهدنا فننال بسعة الدخول إلى الملكوت.
وهناك ثانيًا من يستند لقول القدِّيس أثناسيوس: [الكلمةُ صار إنسانًا حتى نصير نحن إلهًا!]
فماذا يعني القديس أثناسيوس بهذا القول؟ من كتاباته الأخرى يتضح مفهومه أنه لم يكن يقصد أنَّه تصير لنا الطبيعة الإلهية، طبيعة الله، أو نصير آلهة بالطبيعة! فلنر بعض أمثل من كتاباته:
وفي نفس المقال الأول يقول:
هنا يورد القدِّيس أثناسيوس لفظًا موازيًا للتأليه هو في النص الإنجليزي highly exalted، ويعني تعظيم وارتفاع في المكانة، وذلك بتقدِّيسه لنا. وهو لفظٌ معادلٌ للفظ“deify” الذي نترجمه دائمًا "يؤلِّه"، بينما في الحقيقة له أكثر من معنى بحسب القواميس العربية والإنجليزية. فاللفظٌ أيضًا يعني "اتِّخاذ شئٌ ما موضعَ عبادة"، وأيضًا "تعظيم إلى درجةٍ كبيرة"، وكذلك "إعطاء قيمة أكبر لشئٍ ما". هكذا يمتنع أي لبس لو أخذنا اللفظ بمعنى تعظيم الإنسان بما هو فوق قيمته الحقيقية، وهو ما يتَّفق مع قول القدِّيس أثناسيوس في هذه الفقرة.
وفي مقاله الثالث ضد الآريوسيين يقول القدِّيس أثناسيوس:
دعونا نحلِّل هذا القول للقديس أثناسيوس، هناك نقطتان: النقطة الأولى أنه يقول "صاروا شركاء طبيعة إلهية" وليس بإداة التعريف (ال) "الطبيعة الإلهية" ... في النص الإنجليزي: partakers of a divine nature وليس "the"، والنقطة الثانية أنه متي يكون هذا؟ "في السماء" بعد أن يكونوا تحرروا من الفساد. وهذا التحرر يكون في القيامة العامة حيث يقام الأموات عديمي فساد، والأحياء يتغيَّروا (1 كو 15: 52) ... أما من وقت تجسده فيكون للبشر سلطان على الشياطين، كهبة وليس كآلهة ... أيضًا ماذا لو أصروا على البقاء في الفساد رافضين التحرر بالإيمان بالمسيح؟ هل صاروا آلهة ويملكون؟! بأي منطق هذا؟!
وعن العبارة الثالثة في مزمور (82) هناك شرح واضح للقدِّيس إيريناؤس وكأنه يرد على من يخطر بذهنه هذا الفكر، يقول:
وعبارة "السلطان على ذواتنا" تتفق مع قول القديس بولس الرسول: "أقمع جسدي واستعبده، حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" (1 كو 9: 27)
وفي تفسير بطريرك الكنيسة قداسة البابا شنودة الثالث لعبارة "شركة الطبيعة الإلهية" يقول قداسته بطريقةٍ واضحة مبسَّطة لا تخرج عن فكر الآباء الأوائل:
ويستكمل التوضيح قائلاً:
وأيضًا يقول قداسته:
إذًا بعض عرض بعض أقوال الآباء الواضحة كمثال نلخص كل هذا في نقاط محدَّدة:
- المفهوم الصحيح من آيات الرسالة الثانية للقديس بطرس نفسها أنها تعنى دعوة للفضيلة لكي ننال المواعيد بالهروب من الفساد الذي في العالم ...
- بالنسبة للقديس أغسطينوس تعنى أن نتحول إلى ما هو أفضل ...
- بالنسبة للقديس أثناسيوس يقول صراحة رغم التعبيرين التبني والتأليه، فإنه هو الابن الحقيقي وحده، وهو إله حق من إله حق، وبالطبع البشر ليسوا كذلك ...
- وأيضًا حسب تفسير القديس أثناسيوس أنها ارتفاع إلى مكانة أعلى وسلطان على الشياطين بعد أن نتحرر من الفساد ...
- بالنسبة للقديس إيريناؤس فإنه ينبِّه إلى بقية الآية في (مزمور 82: 6، 7) أن رغم هذا التعبير في لكنه أعقبه بأننا مثل البشر نموت: "أنا قلت أنكم آلهة وبنو العلي كلكم. لكن مثل الناس تموتون ...".
- وبالنسبة لقداسة البابا شنودة الثالث فإنه يورد قول الله لموسى وهرون "جعلتك إلهًا لفرعون" فهذا لا يعني أن موسى خالق لفرعون أو له سلطان عليه! وإنما هي شركة في العمل، عودة للصورة الإلهية ...
بركات التجسد الإلهي فلتعمل في حياتنا بروحه القدوس لنحيا حسب مشيئته ونصنع مرضاته...
⸭
Comments
Post a Comment