التجسد الإلهي
(6)
التجسد والفداء في القداس الغريغوري

                                                                                                                             دكتورة وداد عباس توفيق

مع قرب نهاية صوم الميلاد المجيد وبداية العام الجديد الذي يتبارك بميلاد القدوس .. لنتأمل معًا في الترابط بين الليتورجية وعقيدة التجسد والفداء من خلال القداس الغريغوري ...

في القداس الغريغوري نجد بوضوح ملخَّص لقصة الفداء منذ الخليقة الأولي والتجسد والفداء وحتى أهم بركاته .. في عبارات عميقة قوية صاغها القدِّيس غريغوريوس الناطق بالإلهيات بعمق وبراعة في التعبير واعتمادَا على الكتاب المقدَّس .. عبارات ترددها الكنيسة ترفعنا فيها إلى السماويات لنعرف مقدار المحبة التي أحبنا بها الله العادل والرحوم فنبادله المحبة ونصنع مسرته ...

نبدأ بالعبارة:

[من أجلِ الصلاحِ وحده، مما لم يكن كوَّنت الإنسان وجعلته في فردوْس النعيم، وعندما سقط بغوايةِ العدوِّ ومخالفة وصيتك المقدَّسة، وأردت أن تجدِّده وتردَّه إلى رتبته الأولى، لا ملاك، ولا رئيس ملائكة، ولا رئيس آباء، ولا نبي ائتمنتهم على خلاصنا. بل أنت بغير استحالةٍ تجسَّدت وتانَّست وشابهتنا في كلِّ شئٍ ما خلا الخطيَّة وحدها.] 

فلنحلل كل كلمة لنرى قصة الخلق والسقوط والتجسُّد واضحة بارزة:

"من أجل الصلاح وحده" ..

هذه الكلمات توضِّح غرض الله من خلق الإنسان .. لا لشيء سوى صلاحه .. أراد أن يخلق كائنًا يكون على صورته كشبهه، ويكون موضع محبته، ويزوِّده بكل النعم والبركات، ويميِّزه عن كل خليقة أخرى .. لم يكن محتاجًا كما قد يظن البعض إلى مخلوق يتعبَّد له، فقد كان لديه الملائكة بطغماتها تسبحه ليل نهار ...

وكما يقول القداس الغريغوري في جزء آخر:

[خلقتني إنسانًا كمحب للبشر، ولم تكن محتاجًا إلى عبوديتي، بل أنا المحتاج إلى ربوبيتك] .. [من أجل تعطفاتك الجزيلة كوَّنتني إذ لم أكن] ...

"مما لم يكن كوَّنت الإنسان" ..

إن هذه العبارة ترد على نظرية التطور التي نادى بها داروين وأتباعه Theory Evolution، ولا يزال هناك من ينادي بها في تحدٍ للكتاب المقدَّس والوحي الإلهي .. فالعبارة واضحة أن الله كوَّن الإنسان من العدم .. لم يكن محتاجًا لمادة يخلقه منها، كما يقول أيضًا أصحاب النظرية المادية Materialistic Theory أن الله خلق الخليقة من مادة كانت موجودة! كلام غير منطقي متناقض، إذ يرد على نفسه بالعقل إن لم يكونوا مؤمنين بالكتاب المقدَّس: كيف يقولون أنه إله، ولكنه يحتاج إلى مادة يخلق منها؟ هل الإله ليس لديه القدرة ويحتاج إلى شيء يعمل به؟! وهل الله الذي خلق كل هذا الكون بهذه الدقة العجيبة لم يكن يستطيع أن يوجده من لا شيء! ثم من أين جاءت هذه المادة الأولى؟ أليس أيضًا هناك من أوجدها؟ وهل الذي أوجدها أقدر من الله الخالق؟!!! كلام يدحض نفسه ...

"وجعلته في فردوس النعيم" ..

هذا يؤكِّد لنا الحقيقة التاريخية التي وردت في سفر التكوين أن الله أنبت للإنسان الأول جنة مزدانة بكل أنواع النباتات ووضعه فيها لينعم بكل ما بها.

ففي جزء آخر يصف القديس غريغوريوس هذا الفردوس والسلطان الذي أعطاه الله للإنسان على الخليقة الأخرى من حيوانات وطيور وغيرها، ولم يمنع عنه شيئًا، فيقول:

[أقمت السماء لي سقفًا، ثبتَّ لي الأرض لأمشي عليها، من أجلي ألجمت البحر .. من أجلي أظهرت طبيعة الحيوان، أخضعت كل شيء تحت قدميَّ. لم تدعني معوزًا شيئًا من أعمال كرامتك.]

[كتبت في صورة سلطانك. وضعت في موهبة النطق. فتحت لي الفردوس لأتنعم.]

نعم، رفع سماءً فوق الأرض كقبة وسقفًا يزيد من جمال الكون، وأعطي الأرض ثباتًا لكي يستطيع الإنسان أن يعيش عليها وليست كالبحر بأمواجه غير المستقرة.

بل وحتى هذا البحر ألجمه أي وضع له حدود حتى لا يفيض ويُغرق الأرض والبشر، فالبحر في سلطانه لأنه خالقه. فيقول في (إر 5: 22): "أنا الذي وضعت الرمل تخومًا للبحر فريضة أبدية لا يتعداها، فتتلاطم ولا تستطيع، وتعج أمواجه ولا تتجاوزها" .. يا للروعة! مجرد رمال ناعمة تمنع فيضان البحر الكبير!! والطبيعة أيضًا تطيعه فلا تؤذي الإنسان، وبأمره يمكن أيضًا أن تُهلك كما حدث في الطوفان أيام نوح. ولكن الله وضع ميثاقًا بينه وبين البشر أن لا يكون طوفان يهلك الأرض، ووضع قوسه في السماء كعلامة للميثاق (قوس قزح). وفي العهد الجديد رأينا السيد المسيح ينتهر البحر والأمواج فتطيعه ويصير هدوء (لو 8: 24) .. هذا يعلِّمنا أن حين تثور الطبيعة فهذا بأمر الله أو بسماحه لحكمة هو يعلمها ... 

وأظهر طبيعة الحيوان .. عرَّف الإنسان التمييز بين الوحوش والحيوانات الأليفة التي يمكنه استخدامها لمنفعته .. وأخضع الكل له .. أعطاه السلطان وميَّزه بموهبة النطق فالحيوان أعجم، والإنسان هو الوحيد الذي له الطبيعة العاقلة الناطقة كصورة له ... ثم ماذا؟

"وعندما سقط بغوايةِ العدوِّ ومخالفة وصيتك المقدَّسة" ..

هنا توضيح لقضية سقوط هذا الإنسان الأول .. كان السقوط بغواية من العدو، الشيطان الذي تكلَّم في الحية، ومخالفة من جانب الإنسان للوصية المقدَّسة، أي خطية عصيان.

هذا رغم تحذيرات الله له، فيقول القديس غريغوريوس:

[أظهرت لي شجرة الحياة. عرَّفتني شوكة الموت. غرسٌ واحد نهيتني أن آكل منه .. فأكلت بإرادتي، تركت عني ناموسك برأيي وتكاسلت عن وصاياك. أنا اختطفت لي قضية الموت.]

خطية عصيان ... مخالفة بإرادته الحرة للوصية التي نهاه الله فيها عن غرس واحد، شجرة واحدة .. فلم يطق صبرًا على الحرمان منها، فجلب لنفسه حكم الموت ...

وماذا عن إرادة الله؟

"وأردت أن تجدِّده وترده إلى رتبته الأولي" ..
هنا تتَّضح إرادة الله للإنسان، أن لا يتركه في سقوطه وخطيته وإنما يجدَّده، يجدِّد الصورة التي خلقه عليها، ويعيده إلى مكانته الأولي المميَّزة كصورة الله وكملك وسيد على كل الخليقة. فماذا فعل؟

"لا ملاك، ولا رئيس ملائكة، ولا رئيس آباء، ولا نبي ائتمنتهم على خلاصنا" ..

كما ذكرنا من قبل أن لم يكن أحد يصلح لتحقيق الخلاص للبشرية سوى الابن الله الكلمة. أما باقي الخليقة فينقصها الشروط التي تلزم لتحقيق الفداء .. فالملائكة ورؤساء الملائكة ليسوا من الجنس البشري الذي أخطأ وهم أيضًا محدودون .. ورؤساء الآباء والأنبياء وإن كانوا من الجنس البشرى لكنهم محدودين وأيضًا يعوزهم البر، فلا أحد بار ليس ولا واحد بينما أحد الشروط الأساسية في الفادي أن يكون بارًا بلا خطية ليستطيع أن يحمل خطايا كل البشر، وإلاّ فإنه يموت عن نفسه، وحتى في هذه الحالة لا يمكنه أن يخلِّص نفسه ...

ماذا إذًا؟

"بل أنت بغير استحالة تجسَّدت" ..
أنت الله الكلمة، الأقنوم الثاني من الثالوث القدوس، اتَّخذت لك جسدًا "آفتشي ساركس" .. لكي تظهر لنا فيه وتعلن لنا الآب الذي أنت كائن فيه دائمًا، في الجسد رأيناك ورأينا فيك الآب، وقبل أن نراك كنت معنا غير مرئي .. وتجسدك يا إلهي كان بغير استحالة .. كما قلنا في طبيعة التجسد أنه لم يتخلَّ عن جوهره، ولم يترك ألوهيته ولم يتغيَّر .. نعم لم تتحوَّل إلى إنسان وإنما احتفظت بألوهيتك وبشريتك في ذات الوقت ...

"وتأنست وشابهتنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها" ..

ليس فقط أخذت جسدًا مرئيًا كظهوراتك في العهد القديم، وإنما هو جسد بشري كامل .. لهذا فإن الكنيسة الحريصة على صحة العقيدة حين رأت بدعة تنتقص من ناسوت المسيح بالقول أنه جسد ونفس فقط دون روح عاقل بحجة أن اللاهوت حل محل الروح البشرية، بادرت الكنيسة ووضعت في قانون إيمانها لفظ "وتأنس" تأكيدًا على كمال ناسوت المسيح ...

ومما يؤكد كمال الناسوت أنه شابهنا في كل شيء .. فكان إله كامل وإنسان كامل .. يمارس صفات الطبيعتين .. ما خلا الخطية لأنه القدوس الذي بلا خطية .. ولا يمكن أن يكون له خطية وإلاّ فلا يصلح أن يفدي الخطاة إذ يكون هو نفسه في حاجة للخلاص من الخطية وحاشا له كإله متَّحد بإنسان أن يكون خاطئًا ...

أيضًا في نفس القداس الغريغوري يعرِّفنا من هو الكلمة المتجسد؟ فيقول:

[أيها الكائن الذي كان، الدائم إلى الأبد، الذاتي والمساوي والجليس والخالق الشريك مع الآب.]

"أنه الكائن الذي كان، الدائم إلى الأبد" ..

القديس غريغوريوس يخاطب الابن في هذا القداس بصفات الألوهة، فهوالذي كان في الماضي من الأزل، وكائن في الحاضر، وكائن إلى الأبد. وقد عبَّر الله بنفسه عن هذا في العهد القديم حين سأله موسى النبي عن اسمه ليقول لفرعون، فقال أن اسمه :"أهيه الذي أهيه" I AM وهكذا أيضًا أمره أن يقول لبني إسرائيل: "أهيه أرسلني" I AM has sent me (خر 3: 14) ولفظ "أهيه" أي "أنا هو" .. أنا هو، كنت وأكون وسأكون، لأنه فوق الزمن .. وفي العهد الجديد كان السيد المسيح يذكِّرهم بهذا الاسم إشارة إلى العهد القديم .. قالها صراحة لليهود وهو يعلِّم في الهيكل: "إن لم تؤمنوا أنّي أنا هو تموتون في خطاياكم" (يو 8: 24). ثم في نفس المناسبة: "فحينئذ تفهمون أنّي أنا هو" (يو 8: 28).

ثم يواصل القداس الغريغوري وصف الابن السيد المسيح:

"أنه الذاتيّ" ..

يترجمها البعض "الأزلي" .. ولكن يمكن أن تعني تمايز أقنومه كابن. فهو والآب واحد ولكنه أقنوم متمايز عن الآب ...

"المساوي" ..

هو مساوٍ للآب في الجوهر والطبيعة، كما سيوضِّح بعد ذلك ..

"والجليس" ..

هو الجالس مع الآب في عرشه .. رآه القديس استفانوس قائمًا عن يمين العظمة ...

"والخالق الشريك مع الآب" ..

نعم أقنوم الحكمة والكلمة هو الخالق والشريك في العمل مع الآب .. الذي به كان كل شيء .. الذي به خلق العالمين .. ليس أن الآب ترك له مهمة الخلق، ولكنه شريك معه في العمل وواحد معه في كل صفات الألوهة ...

ثم يواصف القديس غريغوريوس وصف التجسد، يقول: 

[أنت الكائن في كل زمان أتيت إلينا على الأرض. أتيت إلى بطن العذراء، أيها الغير المحوى .. وضعت ذاتك وأخذت شكل العبد وباركت طبيعتي فيك. وأكملت ناموسك عني. عرَّفتني القيام من سقطتي.]

"الكائن في كل زمان أتيت إلينا على الأرض" ..

أنه كائن دائمًا في كل زمان فلا يخلو منه زمان أو عصر من العصور .. ولكنه شاء أن يأتي ويظهر بيننا على الأرض في ملء الزمان، الوقت الذي اختاره ...

"أتيت إلى بطن العذراء، أيها الغير المحوى" ..
أتي إلينا إلى أحشاء العذراء، ولكن أحشاء البتول لم تحده، فهو الله الذي لا يحويه أو يحدَّه مكان أو زمان ...

"وضعت ذاتك وأخذت شكل العبد" ..

جاء إلينا في اتضاع، آخذًا شكل عبد، ولد في مزود إذ ليس له مكان في البيت، وبعد ذلك ليس له أين يسند رأسه ...

"باركت طبيعتي فيك. وأكملت ناموسك عني. عرَّفتني القيام من سقطتي" ..

فماذا حقَّق في مجيئه؟ بمجيئه تباركت طبيعتنا البشرية بكل النعم التي أعطاها لنا والتي كلَّلها بصلبه .. وأيضًا أكمل الناموس بدلاً من البشر الذين فشلوا في تنفيذ الناموس، فنفَّذه في ذاته .. وعلَّم البشر كيفية القيام من السقطة التي تورطوا فيها منذ آدم أبيهم، بالإيمان والتوبة والمعمودية والأعمال الصالحة وكل الوسائط الأخرى: "إن لم تؤمنوا أني أنا هو تموتون في خطاياكم" (يو 8: 24)؛ "إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون" (لو 13: 3، 5)؛ "من آمن واعتمد خلص" (مر 16: 16) ... وكل الوصايا الأخرى اللازمة لنوالهم حياة أبدية ...

وماذا أيضًا عن صفات الابن اللاهوتية وبركات تجسده؟

[أيها الكائن السيد الرب، الإله الحق من الإله الحق، الذي أظهر لنا نور الآب. الذي أنعم علينا بمعرفة الروح القدس الحقيقية. الذي أظهر لنا هذا السر العظيم الذي للحياة]

"الكائن السيد الرب، الإله الحق من الإله الحق" ..

نعم هو الرب .. هو الإله الحق من الإله الحق كما نعترف في قانون الإيمان ...

"الذي أظهر لنا نور الآب. الذي أنعم علينا بمعرفة الروح القدس الحقيقية" ..

فكما هو إله حق من إله حق، نعترف أيضًا أنه نور من نور .. هو الذي أعلن لنا الآب النور الحقيقي ورأيناه فيه "من رآني فقد رأى الآب" .. وليس فقط أعلن لنا الآب، وإنما أيضًا عرَّفنا من هو الروح القدس معرفة حقيقية، أنه روح الآب وروح الابن، وأنه المرشد والمعزي والذي يمكث معنا إلى الأبد .. وأنه منبثق من الآب ومرسل منه، وأنه الله لأن التجديف عليه لا مغفرة لها .. هذه المعرفة هي نعمة من الله لكي نسلك في النور ...

"الذي أظهر لنا هذا السر العظيم الذي للحياة" ..

إنه سر الخلاص الذي أعادنا للحياة .. سر جسده ودمه .. سر الفداء والبذل لأجلنا ...

ويكمل القديس غريغوريوس في عبارات أخرى:

[أنت يا سيدي حوَّلت لي العقوبة خلاصًا] ...

"حوَّلت لي العقوبة خلاصًا" ..

اعتراف صريح بأنه كانت هناك عقوبة لنا، بسبب خطيتنا .. ولكن حين أتى إلينا كان الغرض تحويل هذه العقوبة إلى خلاص .. بدم ذاته .. كان لابد أن يصنع بنفسه هذا الخلاص بسبب محبته للبشر ... لم يكن الإنسان يستطيع أن يخلِّص نفسه أو يجسر أن يقف أمامه بخطيته، فإذا بهذا الإله المحب العجيب يسعى إليه بنفسه ...

[كراعٍ صالح سعيت في طلب الضال. كأب حقيقي تعبت معي أنا الذي سقط. ربطتني بكل الأدوية المؤدية إلى الحياة.] 

"كراعٍ صالح سعيت في طلب الضال" ..

يسعى إلى هذا الضال العاجز ليرده بكل السبل .. يأخذ المبادرة لأنه يعلم أن الضال يحتاج من يعيده، فيترك الـ 99 ويبحث عن هذا الواحد الضال .. نعم فهو الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف، يطلب الضال ويسترد المطرود ويجبر الكسير ويعصب الجريح (حز 34 : 16) ...

"كأب حقيقي تعبت معي أنا الذي سقط" ..

ليس فقط راعٍ صالح، بل الأكثر أنه الأب الحقيقي الذي يتعب مع أبنائه الذين شردوا وسقطوا فلا يتخلىّ عنهم بل بنعمته ومحبته وطول أناته يساعدهم للرجوع مهما قاوموا ...

"ربطتني بكل الأدوية المؤدية إلى الحياة" ..

وبعد أن أعاد ابنه الضال أعطانا وسائط النعمة، الأدوية التي تعطينا القدرة على الاستمرار في الحياة معه وفيه .. أعطانا جسده ودمه لنثبت فيه ونحيا به لأنه الحياة .. وأعطانا الكهنوت الذي يخدم هذه الوسائط لنا ...

والعبارة الرائعة التي تشهد بالحب الإلهي السامي:

[أنت الذي أرسلت لي الأنبياء من أجلي أنا المريض. أعطيتني الناموس عونًا. أنت الذي خدمت لي الخلاص لما خالفت ناموسك .. أكملت ناموسك عني.]

"أرسلت الأنبياء من أجلي أنا المريض" ..

جاء كراعٍ صالح، كأب حقيقي، وكطبيب من أجلنا نحن المرضى .. أرسل الأنبياء لتحذير الإنسان المريض ووصف الدواء ...

"أعطيتني الناموس عونًا ... خدمت لي الخلاص لما خالفت ناموسك ... أكملت ناموسك عني" ..

أعطى الناموس لإرشاد الإنسان إلى الله ومساعدته للتمييز بين الخطأ والصواب بعد أن أصابهم المرض ولم يستطيعوا القيام منه، فإذا بهم يخالفوا هذا الناموس .. ولكن هذا الإله المحب، يا للعجب! حتى بعد مخالفة الإنسان لناموسه دبَّر له الخلاص .. والأروع الذي يفوق العقل البشري أنه أكمل الناموس نيابة عن الإنسان .. تمَّم الناموس في ذاته حين لم نستطع أن نتممه.

ثم أتم عمل الفداء ... حمل عقاب خطايانا كاملاً .. احتمل الآلام والخزي والعار .. صار لعنة لأجلنا وهو البار ...

ولكن ماذا كانت الوسيلة لتحقيق كل ذلك؟

"وأكملت التدبير بالجسد" ..

هذا التدبير الإلهي الأزلي، الخلاص والفداء وكل البركات، ما كان يمكن أن تتم لولا التجسد الإلهي. أكملت هذا التدبير باتِّخاذك الجسد البشري .. والغرض أن تتمِّم فيه الفداء بتقديم ذاتك ذبيحة على الصليب لتستوفي العدل الإلهي وتنقذ الإنسان من العقوبة بتنفيذها فيك أنت ذاتك!!! لم يكن يمكن أن تتمِّم ذلك في ألوهيتك لأنه الله غير مائت، لذلك أخذت جسدًا لكي تموت فيه. "لذلك عند دخوله إلى العالم يقول: ’ذبيحة وقربانًا لم تُرد، ولكن هيأت لي جسدًا. بمحرقات وذبائح للخطية لم تُسر. ثم قلتُ: هأنذا أجيء .. لأفعل مشيئتك يا الله‘" (عب 10: 5، 6) ...
يا لعظم هذا التدبير .. الذي أصلح ما أفسده الإنسان .. لم يترك الله الإنسان لأنه كان يريد له الحياة الأبدية في عشرة معه ...

ونختتم هذه التأملات بالعبارة الرائعة في القداس الغريغوري لنقول معه في كل قداس:

"أقدم لك يا سيدي مشورات حريتي. وأكتب أعمالي تبعًا لأقوالك" ...

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس