التجسد الإلهي

(4)

شروط الفادي 

                                             وعدم محدودية الخطية ضد الله                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                    دكتورة وداد عباس توفيق

نتناول في هذا المقال شروط الفادي وعدم محدودية الخطية ضد الله:[1]
كما سبق القول أن الفداء كان مبادرةُ حب من الله: بدأها بالتجسُّد، وأتمَّها على الصليب، من أجل خلاصنا،  كما نقول في قانون الإيمان: [من أجلِنا نحن البشر، ومن أجلِ خلاصنا، نزلَ من السماء، وتجسَّد من الروح القدس، ومن مريم العذراء تأنَّس، وصُلب عنَّا ...]

الله في محبته للبشر أراد أن يخلصهم من الموت الذي تردوا فيه بسبب خطيتهم. فكان الفداء هو التدبير الإلهي لأجل خلاص الإنسان، ولكي يتحقق كان لابد من شروط تتحقق في الفادي، لكي يمكنه أن يفي للعدل الإلهي بدين الخطية الغير المحدودة، أي الموت عن الجميع.  

أولاً - شروط الفادي:

تتلخص في أن يكون إنسانًا؛ أن يكون بارًا؛ أن يكون بطبيعة قابلة للموت، ولا سلطان للموت عليه؛ وأن يكون غير محدود.

1)   أن يكون إنسانًا:

ولماذا؟ لأنَّ الذي أخطأ وصدر الحكم عليه إنسان، والذي انخدع من الشيطان هو مولود المرأة. فلابدَّ أن ينهزم أيضًا من مولود المرأة، أي من ذاتِ الطبيعة التي فرِح بخداعها.

يقول القدِّيس إيريناؤس في هذا:

]حقًا، ما كان يمكن بعدلٍ أن ينهزم العدو لو لم يكن الذي هزمه إنسانًا مولود امرأة – لأنَّه بامرأة تسلَّط على الإنسان في البداية ... وكما تردَّى جنسنا في الموت من خلال إنسان مهزوم، يمكن أيضًا أن نرتفع ثانية إلى الحياة بواسطة إنسانٍ منتصر. وكما أنَّه بإنسانٍ نال الموتُ النصرَ علينا، هكذا أيضًا بإنسانٍ ننالَ النصر على الموت.[[2]

ويقول القدِّيس أغسطينوس:

[... لكى يُقهَر الشيطان من ذاتِ الطبيعة التي كان موضع افتخاره أنَّه خدعها.][3]
[رأى الله من الأفضل أن يأخذ في ذاته إنسان، من خلاله يهزم عدو الجنس البشرى، أي من ذاتِ الجنس الذي سبق أن انهزم.][4]
هكذا أخذ الكلمة جسدًا لكي يحمل خطيَّة الإنسان ويموت بدلاً منه. وكما بإنسانٍ انتصر الموْت على البشر، هكذا بإنسانٍ ينتصرُ البشر على الموت.

2)  أن يكون بارًا:

لابدَّ أن يكون الفادي بارًا بلا خطيَّة. فمن غيرِ المنطقي أن يكون خاطئًا وإلاَّ كان الأوْلى أن يموت عن خطاياه الشخصية، وما كان يمكنه أن يقترب من الله ليشفع في الخطاة. لذلك كان يُشترط في ذبيحة العهد القديم التي كانت رمزًا له أن تكون بلا عيْب، تمهيدًا لفكرة برِّ الفادي. وليس هناك أحدُ بلا خطيَّة الاّ الله القدوس وحده. فغيره ليس بارٌ ولا واحد.

ولكن لأن كلُّ من يولد بالطريقةِ الطبيعية يحمل نفس الطبيعة الفاسدة، لذلك وُلد المسيح بطريقةٍ لا ترث الخطيَّة الأصلية. وُلد من عذراء، وقدَّس الروحُ القدس مستودعها كما ذكرنا من قبل. وهكذا عاش السيد المسيح بدون خطية كما يؤكد هو بذاته أنَّه بلا خطيَّة فيقول: "من منكم يبكِّتني على خطيَّة" (يو 8: 46)، وعن الشيطان يقول: "ليس له فيَّ شيءٌ" (يو 14: 30). كما قيل عن السيد المسيح "الذي لم يعرف الخطيَّة" (2 كو 5: 21)؛ "ليس فيه خطيَّة" (1 يو 3: 5)، "قدوسٌ بلا شرٍ ولا دنس" (عب 7: 26). حياة كمال وضع لنا بها المثال: "تعلموا مني ... " (مت 11: 29)، وقرن الأقوال بالأفعال فحقق كل ما قاله حتى محبة الأعداء على الصليب، كما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم.[5]

ويقول القدِّيس أغسطينوس:

[بعد أن أقامت الخطيَّة هوَّةً كبيرة بين الله والجنس البشرى، استلزم الأمر وسيطًا يكون وحده من الجنس البشري يُولد، ويعيش، ويموت بدون خطيَّة.][6]

ويصف القديس أثناسيوس قداسة جسد الرب، يقول:

أنه كلي القداسة، وهو القدوس حسب إعلان رئيس الملائكة جبرائيل للعذراء، حيث كوَّنه الروح القدس وجعله لباسًا للكلمة كبشارة الملاك للعذراء.[7] فكيف لا يكون بارًا وهو القدوس.

3)  أن يكون بطبيعته قابلاً للموت، وقادر أن لا يستمر في الموت:

أولاً كإنسان لكي يمكنه أن يحمل العقوبة ويموت عن البشر، لأن الله بطبيعته غير مائتٍ، فلم يكن يصلح أن يحمل حكمَ الموْت في ذاته كإله. لهذا كان سبب التجسد أن يكون له هذا الجسد الذي يمكن أن يموت فيه.

وثانيًا كإله لا يبقي مائتًا لأن لو مات ولم يقم ما كان الإنسان ينتفع شيئًا من موته،. ويكون الموتُ قد انتصر عليه. لذلك لابدَّ أن يكون قادرًا على أن يقوم ثانية فتقوم فيه البشرية وتحيا من جديد، أى له سلطان على الموت ولا سلطان للموت عليه ... فكونه إله أقام الجسد المتَّحد به، لأنه هو الحياة ذاتها ... هذا هو تدبير التجسُّد.

ويوضح القدِّيس أثناسيوس هذه النقطة، يقول: 
    [لم يكن هناك من يمكنه أن يجعل المائت غير مائت سوى ربنا يسوع المسيح الذي هو الحياة ذاتها.][8] 

    [ماذا كان يمكن أن تكون نهاية هذا الجسد بعد أن حل فيه الكلمة؟ لأنه كان لابد أن يموت إذ هو جسد قابل للموت، وأن     يقدِّمه للموت نيابة عن الجميع، فلأجل هذه الغاية أعدَّه المخلِّص لنفسه. لكن كان من المستحيل أن يبقى هذا الجسد ميِّتًا     بعد أن جُعل هيكلاً للحياة. ولهذا إذ قد مات كجسد مائت فإنه عاد إلى الحياة بسبب الحياة الذي فيه.][9] 

    [إذ رأى الكلمة أنَّ فسادَ البشريَّة لا يمكن أن يبطُل إلاَّ بالموتِ كشرطٍ لازم، وأنَّه من المستحيل أن يكابد الكلمة الموت     لأنَّه غير مائتٍ، ولأنَّه ابن الآب، لهذا أخذ لنفسه جسدًا قابلاً للموت، حتى بمشاركته الكلمة الذي هو فوق الكل يمكنه أن     يموت بدلاً من الكلِّ، وحتى يبقى في عدم فساد بسبب الكلمة الذي أتى وحلَّ فيه.][10]

ويوضح القديس أغسطينوس ضرورة أن يكون قادرًا على أن لا يبقي في الموت، يقول:

[هناك أمران ضروريان: أن يصير مائتًا؛ وأن لا يستمر مائتًا. صار بالفعل مائتًا، دون إضعاف إلوهية الكلمة، وإنَّما متَّحِدًا بضعفِ الجسد. كما أنَّه لم يستمر مائتًا بالجسد، لكنَّه أقامه من الموْت لأنَّ ثمر وساطته الحقيقي هو أنَّ أولئك الذين لأجلِ فدائهم صار وسيطًا لا يبقون في موت الجسد أبديًا.][11]

هنا يثور التساؤل: وماذا عن ذبائح العهد القديم، أو عن خليقة أخرى، أو حتى أبرار وقديسين من البشر كان يمكن أن يكونوا كفارة للإنسان؟

أما عن الذبائح فهي لم يكن تتوافر فيها الشروط المطلوبة في الفادي.

فقد كانت مجرد رموز تقوم على مفهوم النيابة .. تمهيدًا لفكرة الفداء، وهي أن يحمل بريء خطيَّة خاطئ، ويموت عنه، فيقبل الله الذبيحة، ويغفر للخاطئ، رغم أنَّ الذبيح لم يفعل خطيَّة. لهذا كان الخاطئ يضع يده على الذبيحة كإشارة إلى انتقال خطيته إلى الذبيحة لتحملها عنه وتموت بدلاً منه .. كرمز يشير إلى نيابة السيد المسيح عنَّا. وهو ما يؤكده القديس أثناسيوس في أكثر من موضع كما ذكرنا من قبل.

كما أن هناك عنصر الإرادة في الفداء لأن الفداء يحمل صورةَ الحب والبذل .. وهذا لم يكن يتحقَّق في الحيوانات، فهي تقدَّم للذبح دون إرادتها ..

وأيضًا ضرورة أن تكون من نفس الجنس الذي أخطأ وصدر ضده الحكم .. وهذا أيضًا غير موجود في الذبائح الحيوانية، فهي ليست من الجنس الصادر ضده الحكم.

وشرط هام أن تكون غير محدودة .. ولكن الذبائح بالطبع محدودة. لهذا لم تكن الذبائح الحيوانية تكفي وكانت تتكرر لأنَّ فاعليتها أيضًا محدودة. فكلما أخطأ إنسان كان يقدِّم ذبيحة، وحتى رئيسُ الكهنة كان يقدِّم ذبيحةً كلَّ عام حتى يمكنه الدخول إلى الأقداس. هذا ما يؤكده القدِّيس بولس الرسول في قوله: "لأنَّه لا يمكن أنَّ دمَ ثيران وتيوس يرفع الخطايا ... ذبيحةً وقربانًا لم تُرِد، ولكن هيأت لي جسدًا" (عب 10: 4 ، 5).

أما عن خليقة أخرى نقية تموت بدلاً من الإنسان:

الملائكة ... لا يصلحون لأنَّهم ليسوا من الجنس البشرى، وهو الشرط الأول. وأيضًا شرطٌ آخر غير متوافر فيهم هو عدم المحدودية. فالملائكة محدودون.

والقدِّيسون أو الانبياء أيضًا لا يصلحون لأنَّهم محدودون، فإن ماتوا يموتون عن أنفسهم فقط وليس عن غيرهم. كما أنه ليس بار ولا واحد فمهما كانوا أبرارًا فليس البر الكامل الذي يؤهلهم لحمل خطايا الآخرين. هكذا نجد أن كلُّ هذه الشروط لم تكن لتتوافر في أي مخلوقٍ.

4)  أن يكون غير محدود:

الشرط الأهم بالنسبة للإنسان الذي يفدي البشر أن يكون غير محدود، وهذا مستحيل بالنسبة للبشر .. فلماذا هذا الشرط؟ أولاً لأن خطيَّة الإنسان الأول كانت ضد الله غير المحدود .. وثانيًا لأن أثرها ممتد إلى كل نسل آدم إلى آخر الدهور. ثالثًا كانت تحتاج كفَّارةٍ غير محدودة تكفي لحملِ ورفعِ خطايا كل البشر في جميع الأجيال، من آدم إلى آخر الدهور.  

لأن لو كان الفادي مجرد إنسان محدود ما كان يمكنه أن يحمل خطايا غيره، بل وأيضًا في كل العصور وإلى آخر الدهور. ولو كان إلهًا فقط ما كان يمكنه أن يموت كما أشرنا من قبل. فالحل الوحيد أن يكون إنسان متَّحد بالله الكلمة لتكون له هذه القدرة على حمل خطايا الجميع في كل الأجيال.

وهنا يجدر أن نعرض مفهوم غير محدودية الخطية والكفارة ..

ثانيًا - مفهوم عدم محدودية الخطية ضد الله الغير المحدود:

معنى عدم محدودية الخطية أنها ممتدة الأثر، ولا مغفرة لها، وجسيمة.

*  فهي ممتدة الأثر لأنها غير قاصرة على من ارتكبها وإنما امتدت إلى كل نسله وإلى الأبد ..

*  ولا مغفرة لها لأن الوصية كانت صريحة وواضحة وكان لدى الإنسان كل الإمكانيات أن لا يرتكبها، لذلك كانت عقوبتها غير محدودة، أي أبدية.
*  وهي جسيمة لأنها ضد الله غير المحدود وحده فلو كانت ضد إنسان آخر لكان لها شفاعة وتوبة ومغفرة، ولم تكن بنفس القدر من الجسامة.

فمن جهة جسامتها، لو فكرنا بالمنطق والعدالة البشرية يقاس الخطأ بملابساته:

الشخص الذي ارتُكب ضده الخطأ، فالخطأ ضد رئيس ليس بجسامة الخطأ ضد شخص عادي والعقوبة تختلف .. وأيضًا الشخص الذي ارتكب الخطأ، هل مدرك عاقل أم لا فالله عادل لا يحاسب إنسان غير واعٍ لما يفعل، وفي حالة الخطية ضد الله كانت بوعي لأن الله منح الإنسان العقل والتمييز .. والظروف والملابسات للخطأ المصاحبة للخطأ، هل كان يعلم بالوصية والقانون أم يجهل.

هذا عن العدالة البشرية والمنطق، فبالأحرى مع الله العدل المطلق، كانت الوصية واضحة وصريحة، والعقوبة أيضًا فلا عذر للإنسان بالجهل .. وكان للإنسان كل الإمكانيات أن لا يقع فيها، وكان لديه الوعي والتمييز وحرية الإرادة .. ولم يكن محتاجًا إلى شيء.

فإن قال أحد كيف نصف الخطية بصفات شخصية (ما يسميه البعض شخصنة الخطية) .. فالرد موجود في الكتاب المقدس وأقوال الآباء القديسين:

أولاً - من جهة شخصنة الخطية:

يتحدث الكتاب المقدس في العديد من الآيات عن الخطية معنويًا ككيان وشخص، فمرة يقول أن لها فم يستد (أي 5: 16)، ومرة أنها تملك كسيد (رو 3: 21، 6: 12)، بل قيل أيضًا عن الموت أنه يملك (رو 5: 14، 17)، والنعمة أيضًا تملك (رو 5: 21)، والبر كسيد (رو 6: 18)، وعن الخطية تعيش كإنسان يخدع ويقتل (رو 7: 9-11)، وكخاطئ، أنها خاطئة جدًا (رو 7: 13)، وكأسد أو كإنسان يربض وله اشتياق للانقضاض على الإنسان، كما في قول الله لقايين (تك 4: 7) .. بل حتى الخليقة توصف بصفات شخصية في قول القديس بولس الرسول أنها تئن وتتمخص كما نئن نحن في أنفسنا (رو 8: 22).

ثانيًا - من جهة جسامة الخطية الموجهة ضد الله:

·  (خر 32: 30، 31) وصف موسى النبي لخطية الشعب بعبادة العجل الذهبي أنها "خطية عظيمة".

·  (تك 20: 6-9) وصف الرب لخطية أبيمالك في أخذ سارة زوجة أبينا إبراهيم أنها "خطية عظيمة"، وأنها خطية ضده "أمسكتك أن تخطئ إليّ"، وأنها تؤدي إلى موت أبيمالك وكل من له "موتًا تموت وكل من لك".

·  (خر 32: 33) الخطية نحو الله نتيجتها محو من كتابه! حين قال له موسى عن خطية الشعب أن لم يغفر لهم يمحوه من كتابه، قال له الله: "من أخطأ إليّ أمحوه من كتابي".

·  (رو 5: 18) خطية آدم، معصية الله، جلبت الموت إلى جميع الناس.

·  (مت 12: 31، 32؛ مر 3: 29؛ لو 12: 10) التجديف على الروح القدس لا مغفرة له: "كل خطية وتجديف يُغفر للناس، وأما التجديف على الروح القدس فلن يُغفر للناس ... من قال كلمة على ابن الإنسان يُغفر له، وأما من قال على الروح القدس فلن يُغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي" .. "يكون مستوجب دينونة أبدية". هنا جسامة خطية التجديف على روح الله.

·  (عب 10: 28، 29) "من خالف ناموس موسى فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة. فكم عقابًا أشرّ تظنون أنه يحسب مستحقًا من داس ابن الله ...". هنا جسامة الاستهانة بابن الله.

فماذا يعني أن الخطية ضد الله عاقبتها الموت الأبدي؟ وما معنى أن من خالف الناموس – رغم أن الله أعطاه – يموت بدون رأفة، ورغم شدة هذا العقاب، لكن هناك العقاب الأشد الذي ينتظر من داس ابن الله؟

ألا يعني هذا أن الخطية ضد الله غير محدودة، أبدية، جسيمة، بلا مغفرة، لأنه الله غير المحدود؟!

ثالثًا – بعض أقوال آباء:

على سبيل المثال القديس يوحنا ذهبي الفم يتحدث في أكثر من موضع عن جسامة الخطية ضد الله وجسامة عقوبتها واختلافها عن العقوبات المحدودة، يقول:
[إذا أخطأ إنسان ضد آخر فإنهم يصلّون لأجله، ولكن إذا أخطأ ضد الله، فمن يتوسل لأجله.][12]

وعن درجات العقاب، يقول:

[انظروا كيف يتدرج قليلاً قليلاً في العقوبات ... إذا كنتم قد احتقرتم الوصايا السابقة، ترون كيف أدى الغضب إلى الإهانة، لأنك دعيت أخاك "رقا". أيضًا قررت عقوبة أخرى "المجمع". فإذا تجاهلتم حتى هذه وشرعتم في الأكثر جسامة، لن أوقع عليكم بعد ذلك العقوبات المحدودة finite، ولكن العقوبة التي لا تموت: جهنم .][13]

فإذا كان وصف العقوبات بالمحدودة فهي عاقبة خطية غير محدودة، وإذا كانت ضد الله فليس من الخطأ أن نقول أنها ضد الله الغير المحدود فهي من صفات الله المطلقة القاصرة عليه.

وعن مثل العبد الشرير، يقول:

[ترون مدى الفارق الكبير بين الخطية ضد إنسان والخطية ضد الله؟ إنه كبير مثل الفارق بين عشرة الآف وزنة ومائة دينار، بل وأكثر .... من الفائدة ومن الكرامة التي نلتموها، تصير خطايانا أكثر جسامة.][14]

الخلاصة:

أن خطية آدم كانت غير محدودة لأن أثرها امتد إلى كل الأجيال، ولأن عقابها ممتد إلى الأبد ليس لفترة معينة. وهي ضد الله الغير المحدود. لذلك استدعت عقوبة غير محدودة. فوصف الخطية أو العقوبة أو البر أو الموت بصفات معنوية فهو إشارة إلى المدى الذي تمتد إليه، كما رأينا من شواهد كتابية عديدة على سبيل المثال.

ولو لم تكن الخطية غير محدودة لما استلزمت أن الله يتدخل ويأخذ جسديًا بشريًا ليحمل هذه الخطية وعقوبتها بتقديم الجسد الذي أخذه كفارة غير محدودة للوفاء بالدين الذي يدين به كل البشر أي الموت. لأنه ما من بشر كان يصلح ويكفي للوفاء بالدين لأن كل البشر (أو الذبائح) محدودة فأثرها قاصر على من حققها ولا يمتد لغيره أو لزمن بعيد.

وليتنا لا نخلط بين المفهوم السليم وبين مفهوم من يقول نفس تعبير "الخطية غير المحدودة" ولكن يُرجع السبب إلى أنها أهانة لكرامة الله! وهو مفهوم خاطئ يُنسب إلى نظرية الترضية لأنسيلم الذي نرفض فكره وأوضحناه في مقالات سابقة.

أما في الكتاب المقدَّس وفكر الآباء فتعبير الخطية غير المحدودة والكفارة غير المحدودة يشير كما أوضحنا إلى امتداد الأثر.



[1] مقتطفات من كتاب: وداد عباس توفيق، "الفداء عدل ورحمة" الطبعات الأولى - الثالثة 2007 - 2019 ، مع إضافات عديدة
[2] St. Irenaeus: Against Heresies, Book 5, Ch. 21: 1, P. 549 - Vol. 1 ANF
[3] St. Augustine: Enchiridion (Faith, Hope, and Love), Ch. 108, P. 272 - Vol. 3  NPNF
[4] St. Augustine: On the Trinity, Ch. 18, P. 180 - Vol. 3
[5] St. John Chrysostom: Homily 1 on Acts of the Apostles, p. 4, Vol. 8
      [6]  St. Augustine: Enchiridion  Ch. 108, P. 272
[7] St. Athanasius: Letter 60 to Adelphius, 7, p. 577
[8] Ibid. 20: 1, p. 47
[9] Ibid. 31: 4, p. 53
[10] St. Athanasius: Incarnation of the Word, 9:1 , P. 40, 41
[11] St. Augustine: The City of God, 9: 15, p. 173, 174
[12] St. John Chrysostom: Homily 76 on the Gospel of St. Matthew, NPNF, Vol. 10, p. 455, 456
[13] Ibid. Homily 16: 11,  p. 111
[14] Ibid. Homily 61, p. 376

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس