(4)
شروط الفادي
وعدم محدودية الخطية ضد الله دكتورة وداد عباس توفيق
الله في محبته للبشر أراد أن يخلصهم من الموت الذي تردوا فيه بسبب خطيتهم. فكان الفداء هو التدبير الإلهي لأجل خلاص الإنسان، ولكي يتحقق كان لابد من شروط تتحقق في الفادي، لكي يمكنه أن يفي للعدل الإلهي بدين الخطية الغير المحدودة، أي الموت عن الجميع.
أولاً - شروط الفادي:
1) أن يكون إنسانًا:
يقول القدِّيس إيريناؤس في هذا:
ويقول القدِّيس أغسطينوس:
2) أن يكون بارًا:
ولكن لأن كلُّ من يولد بالطريقةِ الطبيعية يحمل نفس الطبيعة الفاسدة، لذلك وُلد المسيح بطريقةٍ لا ترث الخطيَّة الأصلية. وُلد من عذراء، وقدَّس الروحُ القدس مستودعها كما ذكرنا من قبل. وهكذا عاش السيد المسيح بدون خطية كما يؤكد هو بذاته أنَّه بلا خطيَّة فيقول: "من منكم يبكِّتني على خطيَّة" (يو 8: 46)، وعن الشيطان يقول: "ليس له فيَّ شيءٌ" (يو 14: 30). كما قيل عن السيد المسيح "الذي لم يعرف الخطيَّة" (2 كو 5: 21)؛ "ليس فيه خطيَّة" (1 يو 3: 5)، "قدوسٌ بلا شرٍ ولا دنس" (عب 7: 26). حياة كمال وضع لنا بها المثال: "تعلموا مني ... " (مت 11: 29)، وقرن الأقوال بالأفعال فحقق كل ما قاله حتى محبة الأعداء على الصليب، كما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم.[5]
ويقول القدِّيس أغسطينوس:
ويصف القديس أثناسيوس قداسة جسد الرب، يقول:
3) أن يكون بطبيعته قابلاً للموت، وقادر أن لا يستمر في الموت:
وثانيًا كإله لا يبقي مائتًا لأن لو مات ولم يقم ما كان الإنسان ينتفع شيئًا من موته،. ويكون الموتُ قد انتصر عليه. لذلك لابدَّ أن يكون قادرًا على أن يقوم ثانية فتقوم فيه البشرية وتحيا من جديد، أى له سلطان على الموت ولا سلطان للموت عليه ... فكونه إله أقام الجسد المتَّحد به، لأنه هو الحياة ذاتها ... هذا هو تدبير التجسُّد.
[ماذا كان يمكن أن تكون نهاية هذا الجسد بعد أن حل فيه الكلمة؟ لأنه كان لابد أن يموت إذ هو جسد قابل للموت، وأن يقدِّمه للموت نيابة عن الجميع، فلأجل هذه الغاية أعدَّه المخلِّص لنفسه. لكن كان من المستحيل أن يبقى هذا الجسد ميِّتًا بعد أن جُعل هيكلاً للحياة. ولهذا إذ قد مات كجسد مائت فإنه عاد إلى الحياة بسبب الحياة الذي فيه.][9]
ويوضح القديس أغسطينوس ضرورة أن يكون قادرًا على أن لا يبقي في الموت، يقول:
[هناك أمران ضروريان: أن يصير مائتًا؛ وأن لا يستمر مائتًا. صار بالفعل مائتًا، دون إضعاف إلوهية الكلمة، وإنَّما متَّحِدًا بضعفِ الجسد. كما أنَّه لم يستمر مائتًا بالجسد، لكنَّه أقامه من الموْت لأنَّ ثمر وساطته الحقيقي هو أنَّ أولئك الذين لأجلِ فدائهم صار وسيطًا لا يبقون في موت الجسد أبديًا.][11]
هنا يثور التساؤل: وماذا عن ذبائح العهد القديم، أو عن خليقة أخرى، أو حتى أبرار وقديسين من البشر كان يمكن أن يكونوا كفارة للإنسان؟
أما عن الذبائح فهي لم يكن تتوافر فيها الشروط المطلوبة في الفادي.
كما أن هناك عنصر الإرادة في الفداء لأن الفداء يحمل صورةَ الحب والبذل .. وهذا لم يكن يتحقَّق في الحيوانات، فهي تقدَّم للذبح دون إرادتها ..
وأيضًا ضرورة أن تكون من نفس الجنس الذي أخطأ وصدر ضده الحكم .. وهذا أيضًا غير موجود في الذبائح الحيوانية، فهي ليست من الجنس الصادر ضده الحكم.
وشرط هام أن تكون غير محدودة .. ولكن الذبائح بالطبع محدودة. لهذا لم تكن الذبائح الحيوانية تكفي وكانت تتكرر لأنَّ فاعليتها أيضًا محدودة. فكلما أخطأ إنسان كان يقدِّم ذبيحة، وحتى رئيسُ الكهنة كان يقدِّم ذبيحةً كلَّ عام حتى يمكنه الدخول إلى الأقداس. هذا ما يؤكده القدِّيس بولس الرسول في قوله: "لأنَّه لا يمكن أنَّ دمَ ثيران وتيوس يرفع الخطايا ... ذبيحةً وقربانًا لم تُرِد، ولكن هيأت لي جسدًا" (عب 10: 4 ، 5).
أما عن خليقة أخرى نقية تموت بدلاً من الإنسان:
والقدِّيسون أو الانبياء أيضًا لا يصلحون لأنَّهم محدودون، فإن ماتوا يموتون عن أنفسهم فقط وليس عن غيرهم. كما أنه ليس بار ولا واحد فمهما كانوا أبرارًا فليس البر الكامل الذي يؤهلهم لحمل خطايا الآخرين. هكذا نجد أن كلُّ هذه الشروط لم تكن لتتوافر في أي مخلوقٍ.
4) أن يكون غير محدود:
لأن لو كان الفادي مجرد إنسان محدود ما كان يمكنه أن يحمل خطايا غيره، بل وأيضًا في كل العصور وإلى آخر الدهور. ولو كان إلهًا فقط ما كان يمكنه أن يموت كما أشرنا من قبل. فالحل الوحيد أن يكون إنسان متَّحد بالله الكلمة لتكون له هذه القدرة على حمل خطايا الجميع في كل الأجيال.
ثانيًا - مفهوم عدم محدودية الخطية ضد الله الغير المحدود:
* فهي ممتدة الأثر لأنها غير قاصرة على من ارتكبها وإنما امتدت إلى كل نسله وإلى الأبد ..
فمن جهة جسامتها، لو فكرنا بالمنطق والعدالة البشرية يقاس الخطأ بملابساته:
هذا عن العدالة البشرية والمنطق، فبالأحرى مع الله العدل المطلق، كانت الوصية واضحة وصريحة، والعقوبة أيضًا فلا عذر للإنسان بالجهل .. وكان للإنسان كل الإمكانيات أن لا يقع فيها، وكان لديه الوعي والتمييز وحرية الإرادة .. ولم يكن محتاجًا إلى شيء.
فإن قال أحد كيف نصف الخطية بصفات شخصية (ما يسميه البعض شخصنة الخطية) .. فالرد موجود في الكتاب المقدس وأقوال الآباء القديسين:
أولاً - من جهة شخصنة الخطية:
ثانيًا - من جهة جسامة الخطية الموجهة ضد الله:
· (خر 32: 30، 31) وصف موسى النبي لخطية الشعب بعبادة العجل الذهبي أنها "خطية عظيمة".
· (تك 20: 6-9) وصف الرب لخطية أبيمالك في أخذ سارة زوجة أبينا إبراهيم أنها "خطية عظيمة"، وأنها خطية ضده "أمسكتك أن تخطئ إليّ"، وأنها تؤدي إلى موت أبيمالك وكل من له "موتًا تموت وكل من لك".
· (خر 32: 33) الخطية نحو الله نتيجتها محو من كتابه! حين قال له موسى عن خطية الشعب أن لم يغفر لهم يمحوه من كتابه، قال له الله: "من أخطأ إليّ أمحوه من كتابي".
· (رو 5: 18) خطية آدم، معصية الله، جلبت الموت إلى جميع الناس.
· (مت 12: 31، 32؛ مر 3: 29؛ لو 12: 10) التجديف على الروح القدس لا مغفرة له: "كل خطية وتجديف يُغفر للناس، وأما التجديف على الروح القدس فلن يُغفر للناس ... من قال كلمة على ابن الإنسان يُغفر له، وأما من قال على الروح القدس فلن يُغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي" .. "يكون مستوجب دينونة أبدية". هنا جسامة خطية التجديف على روح الله.
· (عب 10: 28، 29) "من خالف ناموس موسى فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة. فكم عقابًا أشرّ تظنون أنه يحسب مستحقًا من داس ابن الله ...". هنا جسامة الاستهانة بابن الله.
فماذا يعني أن الخطية ضد الله عاقبتها الموت الأبدي؟ وما معنى أن من خالف الناموس – رغم أن الله أعطاه – يموت بدون رأفة، ورغم شدة هذا العقاب، لكن هناك العقاب الأشد الذي ينتظر من داس ابن الله؟
ألا يعني هذا أن الخطية ضد الله غير محدودة، أبدية، جسيمة، بلا مغفرة، لأنه الله غير المحدود؟!
ثالثًا – بعض أقوال آباء:
وعن درجات العقاب، يقول:
فإذا كان وصف العقوبات بالمحدودة فهي عاقبة خطية غير محدودة، وإذا كانت ضد الله فليس من الخطأ أن نقول أنها ضد الله الغير المحدود فهي من صفات الله المطلقة القاصرة عليه.
وعن مثل العبد الشرير، يقول:
الخلاصة:
ولو لم تكن الخطية غير محدودة لما استلزمت أن الله يتدخل ويأخذ جسديًا بشريًا ليحمل هذه الخطية وعقوبتها بتقديم الجسد الذي أخذه كفارة غير محدودة للوفاء بالدين الذي يدين به كل البشر أي الموت. لأنه ما من بشر كان يصلح ويكفي للوفاء بالدين لأن كل البشر (أو الذبائح) محدودة فأثرها قاصر على من حققها ولا يمتد لغيره أو لزمن بعيد.
وليتنا لا نخلط بين المفهوم السليم وبين مفهوم من يقول نفس تعبير "الخطية غير المحدودة" ولكن يُرجع السبب إلى أنها أهانة لكرامة الله! وهو مفهوم خاطئ يُنسب إلى نظرية الترضية لأنسيلم الذي نرفض فكره وأوضحناه في مقالات سابقة.
أما في الكتاب المقدَّس وفكر الآباء فتعبير الخطية غير المحدودة والكفارة غير المحدودة يشير كما أوضحنا إلى امتداد الأثر.
⸭
Comments
Post a Comment