تأمل في الرعاة أول شهود الميلاد
⸭
"وكان في تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم، وإذا ملاك الرب وقف بهم، ومجد الرب أضاء حولهم، فخافوا خوفًا عظيمًا. فقال لهم الملاك: ’لا تخافوا! فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلِّص هو المسيح الرب. وهذه لكم العلامة: تجدون طفلاً مقمَّطًا مضجعًا في مزود‘. وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبِّحين الله وقائلين: المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة". ولما مضت عنهم الملائكة إلى السماء، قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض: لنذهب الآن إلى بيت لحم وننظر هذا الأمر الواقع الذي أعلمنا به الرب. "فجاءوا مسرعين، ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعًا في المزود. فلما رأوه أخبروا بالكلام الذي قيل لهم عن هذا الصبي. وكل الذين سمعوا تعجَّبوا مما قيل لهم من الرعاة. وأما مريم فكانت تحقظ جميع هذا الكلام متفكرة به في قلبها. ثم رجع الرعاة وهم يمجِّدون الله ويسبحونه على كل ما سمعوه ورأوه كما قيل لهم" (لو 2: 8-20).
لقد تحقَّقت النبوة في (ميخا 5: 2):
أولاً - من هم هؤلاء الرعاة؟
ثانيًا - لماذا إذًا أعلن لهم الرب البشارة أولاً؟
† ربنا يسوع المسيح هو راعي الرعاة، الراعي الصالح الذي يرعى قطيعه، وبذراعه يجمع الحملان، وفي حضنه يحملها، ويقود المرضعات (إش 40: 11)، يبحث عن الضال ويرده، ويجبر المكسور ويسند الضعيف .. فكان ملائمًا أن يُفرِّح قلب الرعاة أولاً، لأنه يعلم مدى محبتهم لقطيعهم وأمانتهم في حراسته وما يبذلونه من جهد لحمايتهم .. لذلك بشرهم أن الراعي العظيم قد وُلد وأنتم أول من يشاهده .. أيضًا كما هو الراعي الصالح هو الحمل الذي يأتي لخلاص البشر .. فالبشارة كانت بولادة المخلص المسيح الرب.
† كان هذا مكافأة لهم على تعبهم مع القطيع فاستحقوا هذه الكرامة وهذا الشرف أن يعلموا بميلاده قبل الجميع بل ويكونوا أيضًا أول المبشرين بالميلاد .. فقد أعلنوا للعذراء والقديس يوسف ما سمعوه من الملائكة أن المولود هو المخلص المسيح الرب .. ويا لها من بشارة فرح لجميع الشعب ..
† الله لا يهتم بالثراء أو المركز الاجتماعي، وإلاّ كان أرسل الملاك ليعلن الميلاد أولاً للحاكم الروماني أو للملك أو رؤساء الكهنة في الهيكل طالما أن الحدث كان يخص العالم أجمع .. لكنه دائمًا يختار المتضعين .. لقد جاء في اتِّضاع وولد في مكان حقير، لذلك كان أول من يبشر بميلاده بعد الملائكة من هم في وضع متضع بسيط.
† هذا يذكِّرنا كيف اختار داود الفتي الصغير الضعيف الذي يرعي الغنم ليكون ملكًا ونبيًا، إذ وجده حسب قلبه (أع 13: 22). وكما يقول داود نفسه في المزمور (151) "أنا صغيرًا كنت في أخوتي، وحدثًا في بيت أبي، كنت راعيًا غنم أبي ... هو أرسل ملاكه وحملني من غنم أبي ومسحني بدهن مسحته. هلليلويا. أخوتي حسان وهم أكبر مني والرب لم يسر بهم" (مز 151: 1-5) .. القلب هو معيار الرب، وليس المظهر كما يفعل البشر ..
† أيضًا هم الأقرب إلى بيت لحم ليشاهدوا الحدث العجيب والمولود القدوس ليعلنوا عنه سريعًا للجميع. كان يعرف أن المجوس على مسافة بعيدة يحتاجون شهور طويلة لكي يصلوا إلى أورشليم من بلادهم في فارس. وأيضًا كانت لهم رسالة أخرى لتبشير الأمم ولتمجيد الطفل بهداياهم المعبِّرة .. فلم يكن مناسبًا أن ينتظر مجيئهم لكي يعلن ميلاده ..
† كان يعرف نقاوة قلوب هؤلاء الرعاة، فكانت فرحتهم صادقة قلبية جعلتهم يطيعون الملاك في الحال "فجاءوا مسرعين" .. هرعوا إلى حيث أرشدهم الملاك والجند السماوي .. في فرحة بالغة تركوا كل شيء وذهبوا ليعلنوا ما سمعوه. ولما رجعوا كانوا لا يزالوا في فرحتهم يمجدون الله ويسبحونه على كل ما سمعوه وما رأوه تمامًا كما قال لهم الملاك ..
† في نقاوة قلوبهم لم يتشككوا في كلام الملاك ولا الجند السماوي كما فعل مثلاً زكريا الكاهن الذي يعلم الكتب جيدًا. بل إنه اضطرب ووقع عليه خوف من رؤية ملاك الرب واقفًا عن يمين المذبح وهو يبخر، وحتى بعد أن سمع البشارة بيوحنا شكَّ في الكلام وسأل الملاك في عدم تصديق قائلاً: "كيف أعلم هذا، لأني أنا شيخ وامرأتي متقدِّمة في أيامها؟" .. لذلك عوقب بالصمت حتى ولادة ابنه لأنه لم يصدِّق كلام الملاك (لو 1: 11-20) ..
† كانت رؤيا الملاك للرعاة مصحوبة بمنظر بهاء مجد الرب حولهم حتى أنهم خافوا في البداية لأن الوقت كان ليلاً ولم يكن هذا منظرًا معتادًا لهم، ولكن خوفهم سرعان ما تبدد بطمأنة الملاك لهم "لا تخافوا! ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب" .. إنه فرح بولادة المخلص المسيح الرب .. ثم ظهور جمهور من الجند السماوي مسبحين الله بالتسبحة الرائعة: "المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة" .. رسالة الخلاص .. مجد لله، وسلام على الأرض بعد العداوة، ومسرة بالناس بعد الغضب .. فلم يناقشوا بل هرعوا ليروا ويعلنوا للجميع ..
طوباكم أيها الرعاة الأمناء لأنكم أول من أؤتمن على البشارة .. عاينتم بأنفسكم .. وأعلنتم للجميع ..
المجد لله في الأعالي
⸭
Comments
Post a Comment