تأملات في الميلاد المجيد
من القديس غريغوريوس النزينزي
                                                                                                                                  دكتورة وداد عباس توفيق

ونحن نستعد لاستقبال المولود القدوس في قلوبنا وبيوتنا وكنائسنا يوم 29 كيهك/7 يناير دعونا نرى كيف تأمل الآباء القديسين الأولين في هذا الميلاد العجيب والمولود المتجسِّد لأجلنا ... لننعم ونفرح ببركات ميلاد إلهنا ومخلِّصنا وفادينا وملكنا رب المجد يسوع المسيح ..

من أروع التأملات تلك التي كتبها القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات عن ميلاد ابن الله القدوس بالجسد والغرض منه:

عن بهجة مجيء الرب تحقيقًا للنبوات .. اليوم الذي صنعه الرب:

[الظلمة عبرت، وظهر النور ثانية، الجالسون في ظلمة الجهل يرون النور العظيم للمعرفة التامة. الأشياء القديمة مضت، وهوذا الكل قد صار جديدًا (1كو 5: 17) .. الظلال توارت والحق غطى عليها .. الذي بلا أم أصبح بلا أب .. صفقوا بأيديكم يا كل الشعب (مز 47: 1) .. ولد لنا "الطفل" وأُعطي لنا "ابن" على كتفيه الرئاسة واسمه ملاك مشورة الآب (إش 9: 6).

فليصيح يوحنا "أعدوا طريق الرب (مت 3: 3) .. وأنا أيضًا أصيح بقوة: "هذا هو اليوم" (مز 118: 24) .. غير المتجسِّد تجسَّد .. ابن الله صار ابن الإنسان .. يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد (عب 13: 8). 

فليستاء اليهود، ويسخر البونانيون، وليتكلم الهراطقة حتى توجعهم ألسنتهم .. ثم يؤمنون حين يرونه صاعدًا إلى السماء، وإن لم يؤمنوا آنذاك، فحين يرونه آتيًا من السماء، جالسًا كقاض يدين.][1]

وعن ميلاده أيضًا وقصة ولادته من عذراء .. إعلان النبي عنه .. ولادته في مزود .. مجيئه إلى مصر .. يقول:

[الذي هو الآن إنسان كان من قبل غير محوى، وما كان عليه استمر فيه .. والذي لم يكن عليه أخذه لنفسه .. في البدء كان بغير علة، لأن ما هي علة الله؟ .. ولكن بعد ذلك وُلد من أجل علة، لكي تخلُصوا .. ولد من امرأة .. لكنها كانت عذراء .. في طبيعته البشرية لم يكن له أب .. وفي طبيعته الإلهية ليس له أم ..

سكن في أحشاء، ولكن النبي أعلن عنه (لو 1) .. لفوه في أقمطة، لكنه خلع أكفان القبر بقيامته ثانية .. وُضع في مزود، لكن الملائكة مجَّدته .. ونجم أعلن .. والمجوس سجدوا له ..

أُبعد إلى مصر، ولكنه حطَّم أوثان مصر .. لم يكن له منظر في عيون اليهود، ولكنه بالنسبة لداود كان أبرع جمالاً من بني البشر (مز 45: 2) .. وكان على الجبل مضيئًا كالبرق وأكثر لمعانًا من الشمس ..][2]

جاء بمحبته للإنسان الذي سقط، كما يقول القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات:

[بسبب شفقة محبته تعامل مع الذي سقط بالعصيان .. هذا هو سبب ولادته من العذراء، والمزود، وبيت لحم:

الميلاد من أجل الخليقة .. والعذراء عن المرأة (تك 2: 7) .. وبيت لحم بسبب عدن  .. والمزود بسبب الجنة .. الأشياء الصغيرة والمرئية عن الأشياء العظيمة المخفاة ..

لهذا مجَّدته الملائكة (لو 2: 14) والسمائيين، وبعد ذلك الأرضيين (1 كو 15: 49) .. ولهذا رأى الرعاة المجد فوق الحمل والراعي .. ورأى المجوس النجم الذي أرشدهم للسجود وتقديم الهدايا (مت 2: 9، 11) .. لكي تباد عبادة الأوثان ..][3]

وعن الغرض من مجيئه بهذه الصورة، يقول:

[أخذ الأسوأ ليعطينا الأفضل .. صار فقيرًا حتى بفقره نغتني (2كو 8: 9) .. أخذ شكل عبد حتى نسترد حريتنا .. نزل لكي نرتفع .. جُرِّب لكي نغلب .. احتمل العار لكي يمجِّدنا .. مات لكي يخلِّصنا .. وصعد لكي يجذبنا إليه نحن الذين كنا قابعين أسفل في سقطة الخطية ..

فلنعطِ كل شيء .. ولنقدِّم كل شيء لمن أعطى نفسه فدية ومصالحة لأجلنا .. لكن .. لا يستطيع أحد أن يعطي شيئًا مثل إعطاء نفسه، بفهم السر وبأن يصبح لأجله كل ما صار هو عليه لأجلنا ..][4]

وأيضًا يتحدث القديس غريغوريوس عن سقوط الإنسان وما فعله الله معه بوسائل  عديدة في أوقات مختلفة: بالكلمة، بالناموس، بالأنبياء، بالتهديد، بالضربات، بالمياه، بالنيران، بحروب، بانتصارات وهزيمة، بعلامات في السماء وعلى الأرض وفي البحر .. كثيرة كانت الوسائل، ولكن مرض الإنسان أصبح أسوأ وازداد في الشر، وانتهى بعبادة الأوثان وتحويل العبادة من الخالق للخليقة .. لقد أصبح الأمر يحتاج إلى معونة أكبر وكانت المعونة العظمى هي كلمة الله ذاته. فيقول القديس غريغوريوس:

[الذي هو قبل الأكوان، غير المرئي، غير المدرك، غير المتجسد، بدء البدء، النور من النور، مصدر الحياة والخلود، صورة نموذج الجمال، الختم الذي لا ينفك، الصورة غير المتغير، التعبير عن الله والكلمة، جاء إلى صورته، وأخذ جسدًا من أجل جسدنا، واختلط بنفس عاقلة من أجل نفسنا، مطهرًا المثيل بالمثيل، وفي كل النواحي ما عدا الخطية صار إنسانًا. حملته العذراء التي تطهَّرت أولاً جسدًا ونفسًا بالروح القدس (لأنه كان يلزم أن يكون الحمل مكرَّمًا، والبتولية تنال كرامة أعلى). هكذا إذًا جاء كإله في ذاك الذي اتَّخذه (الجسد)، شخص واحد بطبيعتين، جسد وروح ... ... الغير المخلوق خُلق، الذي لا يمكن أن يُحوى صار محويًا ... الذي يعطي الغِنى أصبح فقيرًا. اتَّخذ فقر جسدي لكي آخذ غنى لاهوته. الذي هو الملء أخلى ذاته، لأنه أخلى ذاته من مجده لبرهة قصيرة لكي أشارك ملئه. ما كل هذا من غنى صلاحه؟! ما هذا السر الذي يحيط بي؟ّ! لقد كنت أشارك الصورة ولكنى لم احتفظ بها. وها هو يشاركني جسدي لكي ينقذ الصورة ويجعل الجسد غير مائت ...][5]

كل عام والكنيسة والآباء وجميعنا فرحين ومملوئين بالنعم التي وهبها لنا إلهنا القدوس بميلاده العجيب .. له كل المجد مع أبيه الصالح والروح القدس ..

عيد ميلاد مجيد سعيد



[1] St. Gregory Nazianzen, Oration 38:1 on Theophany or Birthday of Christ, p. 345, NPNF, Vol. 8
[2] Ibid. Third Theological Oration on the Son, 13, p. 308
[3] Ibid. Oration 2: 24 In Defense of his flight, p. 210
[4] Ibid. Oration 1 on Easter, p. 203, NPNF, Vol. 8
[5] Oration 38:13 on Theophany or Birthday of Christ, p. 349

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس