تأمل في زيارة المجوس ونجم الميلاد المجيد
من القديس يوحنا ذهبي الفم
                                                                                                                                                               دكتورة وداد عباس توفيق

عيد ميلاد مجيد ... بركة المولود القدوس رب المجد تملأ حياتنا جميعًا بركة ونعمة ..

هلم نتأمل معًا في المجوس والنجم الذي أرشدهم .. المجوس من الشخصيات الهامة في قصة الميلاد لأنهم من الأمم ومن بلد بعيد، احتملوا مشقة الرحلة ومخاطرها لمجرد أن رأوا نجمًا غريبًا! لذلك كان النجم من العلامات المميزة في قصة الميلاد المجيد بسبب غرابته وهيئته ومساره. تأمل في ذلك كثيرون من الآباء القديسين. ومن هؤلاء كان القديس يوحنا ذهبي الفم .. نقدم ملخص موجز جدًا لما قاله في أحدى عظاته:

عن المجوس يتأمل القديس يوحنا ذهبي الفم بطرح تساؤلات تعجُّبية يبرز بها غرابة رحلة المجوس بالنسبة للمنطق والعقل البشري واستحالة أن يفعل أحد هذا، ناهيك عن كونهم حكماء وعلماء فلك .. ويخلُص إلى أنها كانت بترتيب إلهي لإعلان الميلاد للأمم البعيدين .. فيتساءل: [1]

    †   إذا كان المولود وُلد بحسب قانون الفلك، فلماذا أقصى القدرية، وأسكت أفواه الشياطين، وطرح الإثم، وأطاح بكل ألوان السحر؟ ..

    †   وماذا عرف المجوس من النجم؟ أنه ملك اليهود؟ .. لكنه ليس ملك هذه المملكة، كما قال لبيلاطس: "مملكتي ليست من هذا العالم". بل إنه لم يحاول ان يبدو هكذا .. فلم يكن له حراس مسلَّحين بحراب أو دروع، ولا خيل، ولا مركبات، ولا أي شيء آخر حوله. ولكنه عاش حياة اتضاع وفقر يحمل معه الاثنى عشر بوضعهم المتدني ..

     †    وإذا كانوا (المجوس) قد عرفوا أنه ملك، فما الغرض من مجيئهم؟ لأن هذا بالتأكيد ليس عمل الفلك أن يعرفوا من النجوم من الذي وُلد، ولكن من ساعة ولادة البشر يتنبئون بما سيحدث لهم، كما يقولون ..

     †   ما السبب الذي حثهم، أم هو الرجاء في منفعة ما أن يسجدوا لشخص ملك بعيدًا جدًا هكذا؟ .. لو كان وُلد في بلاط ملكي وأبيه ملك موجود معه لكان يمكن القول بالطبع أنهم يرغبون في التودُّد للأب بالسجود للطفل المولود، وبهذا يمهدون لأنفسهم سبيلاً لمناصرة وإحسان منه. أما الآن وهم لم يكونوا يتوقعون أن يكون ملكًا لهم، إذ هو من أمة غريبة وبعيدة جدًا عن بلدهم ولم يروه رجلاً كبيرًا، فلماذا إذًا قاموا بهذه الرحلة الطويلة وقدَّموا هدايا، بينما كان من المؤكد أن تلحق المخاطر بهذه الرحلة؟ .. فبالفعل حين سمع هيرودس اضطرب وكل الشعب استاء عندما قيل لهم هذا ..

     †   ولو افترضنا أنهم لم يتوقعوا هذا وكانوا بهذا الحمق، لكن لا يمكن أن يكونوا يجهلون أنهم جاءوا إلى مدينة لها ملك وأنه بإعلان مثل هذه الأمور والحديث عن ملك آخر يجلبون على أنفسهم ألف ميتة ..

     †    ثم لماذا يسجدون لأحد في أقمطة؟ لو كان رجلاً كبيرًا قد نقول أنهم يتوقعون خلفًا منه، لذا وضعوا أنفسهم في خطر كانوا يتوقعونه! وهذا أمر غير معقول لأقصى درجة: آن فارسي بربري ليس لديه أي شيء مشترك مع أمة اليهود يكون مستعدًا أن يغادر وطنه ويتخلَّى عن بلده وعشيرته وأصدقائه ويخضع لمملكة أخرى!

وإذا كان هذا يعتبر غباءًا، فإن ما يلي أكثر غباءً بكثير:

      †  كيف بعد الرحلة الطويلة والسجود وزوال الارتباك غادروا في الحال؟ وأي علامة مؤكَّدة رأوها عندما شاهدوا المغارة والمود والطفل في أقمطة مع أم فقيرة؟ ولمن قدَّموا هداياهم، ولأي غرض؟ وهل كان من المعتاد أن يتودَّدوا لملوك يولدون في كل مكان؟ وهل يتجولون هكذا دائمًا في كل العالم ليسجدوا لأولئك الذين يعرفون أنهم سيصبحون ملوكًا من وضع متدنٍ متضع قبل أن يعتلوا العرش الملكي؟ لا أحد يمكن أم يقول هذا..

      †   ولأي غرض يسجدون له على الإطلاق؟ إذا كان لأمور حاضرة، فماذا كانوا يتوقعون من طفل وأم في وضع متدنٍ؟ وإذا كان لأمور مستقبلة، فمن أين عرفوا ان الطفل الذي سجدوا له وهو في أقمطة سيتذكَّر ما فعلوه؟ وحتى لو أن أمه كانت ستذكِّره، فحتى بهذا أيضًا لم يكونوا ليستحقوا التكريم، وإنما العقاب، لأنهم جلبوا عليه خطر كان لابد أن يتوقعوه .. كل هذه مستحيلات ..   

      †   ولماذا اجتذب المجوس برؤيا؟ .. فماذا تظنون كان يفعل؟ هل يرسل الأنبياء؟ المجوس ما كانوا يخضعون للأنبياء ... هل بصوت من الأعالي؟ ماكانوا ينصتون ... هل بإرسال ملاك؟ كانوا سيتجاوزونه .. لهذا ترك كل هذه الوسائل ودعاهم بأشياء مألوفة لهم، بتنازل فائق منه، وأظهر لهم نجم كبير غير عادي لكي يُدهشهم من عظمة وجمال منظره وطريقة مساره فيتبعونه ..

      †   هل تعتقدون أنه كان غير لائق به أن يدعوهم له بنجم ؟ .. لقد فعل نفس الشيء بالطقوس اليهودية والذبائح والتطهيرات ورؤوس الشهور والتابوت، بل والهيكل نفسه ... لأن هذه كلها مستمدة من الأمم، ولكن الله من أجل خلاصهم وهم في الإثم احتمل أن يخدموه بهذه الأشياء التي يخدم بها الآخرون الشياطين لكي يجتذبهم بالتدريج بعيدًا عن عاداتهم ويقودهم نحو الحكمة الأعلى .. هكذا فعل مع المجوس، ليس بأن يستنكر دعوتهم بمنظر نجم، ولكن لكي يرفعهم لأعلى بعد ذلك. فأحضرهم وأرشدهم بيده ووضعهم بجوار المزود .. لم يعد نجمًا وإنما ملاك يتحدث معهم الآن .. وبهذا تدريجيًا أصبحوا أفضل ...

ثم ينتقل القديس يوحنا ذهبي الفم إلى النجم فيصف غرابته ومساره العجيب والغرض منه:

أن النجم لم يكن من النوع المعتاد، أو بالحري لم يكن نجمًا على الإطلاق، حسبما يبدو لي، ولكنه قوة غير مرئية تحوَّلت إلى هذا الشكل. وهذا واضح من مسارها .. وللأسباب التالية:

   1.  ليس هناك أي نجم يسير بهذه الكيفية .. حتى الشمس أو القمر أو أي كواكب، نراها جميعها تتجه من الشرق للغرب، ولكن هذا النجم أُطلق من الشمال للجنوب! ..

   2.  أيضًا التوقيت .. لم يظهر النجم في الليل، ولكن في منتصف النهار بينما الشمس مشرقة! وهذا خارج قدرة نجم ولا حتى القمر، فالقمر بمجرد ظهور شعاع الشمس يخفي نفسه في الحال ويختفي. ولكن هذا النجم ببهائه الفائق غطَّى على شعاع الشمس وبدا أكثر لمعانًا منه وأشرق بأكثر بهاء ..

   3.  من ظهوره واختفائه ثانية .. لأن في طريقهم إلى فلسطين ظهر يرشدهم، ولكن حين وضعوا أقدامهم داخل أورشليم اختبأ. ثم مرة ثانية عندما تركوا هيرودس بعد أن أخبروه لماذا أتوا وكانوا على وشك المغادرة ظهر النجم ثانية .. وفي كل الحالات ليس كحركة نجم ولكن قوة وُهِبت عقلاً. فلم يكن هذا مساره على الإطلاق، ولكن حينما يقفون كان يقف حسب الاحتياج، كما كان عمود السحاب يوقف ويُنهِض معسكر اليهود حسب الاحتياج ..

   4.  كيف كان يلفت نظرهم إليه .. فهو في أعلى لم يُشر إلى المكان فقط، وإنما نزل وأتم مهمته. إن مكان بحجم صغير كمغارة، ومزود به طفل صغير، ما كان يمكن لنجم في هذا الارتفاع الشاهق أن يلمحه ويميِّزه إن لم يكن نزل ووقف فوق رأس الصبي، كما يقول البشير: "وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدَّمهم حتى جاء ووقف فوق، حيث كان الصبيّ" (مت 2: 9) ..

   5.  ثم لأي غرض ظهر؟ .. لتبكيت اليهود لغفلتهم، ولمنعهم من التذرُّع بالجهل. إن المولود جاء لكي يضع نهاية للأنظمة القديمة ويدعو الناس لعبادته ولمبادئه في كل البر والبحر. فمن البداية فتح الباب أمام الأمم لكي من خلال الغرباء يحذِر شعبه .. فالأنبياء كانوا يتكلَّمون باستمرار عن مجيئه لكنهم لم يعيروهم اهتمامًا، لذا جعل حتى البرارة الآتين من بلد بعيد يسعون وراء الملك الذي كان بينهم. ثم يتعلَّمون من لسان أعجمي ما لم يقبلوا أن يتعلَّموه من الأنبياء  .. ليس لهم إذًا أي عذر. ماذا كان يمكنهم أن يقولوا وهم لم يقبلوا المسيح بعد أن تكلَّم عنه أنبياء كثيرون، عندما يرون الحكماء (المجوس) يمجرد رؤية نجم واحد قبلوه وسجدوا له؟ وكما فعل من قبل مع أهل نينوى لما أرسل لهم يونان النبي، وكما فعل مع السامرية والكنعانية، هكذا فعل مع المجوس. لهذا قال: "رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه" ... "ملكة التيمن ستقوم في الدين مع هذا الجيل وتدينه" (متى12: 41، 42) ... لأن هؤلاء آمنوا بالأمور الصغرى، أما اليهود فلم يؤمنوا حتى بالأمور العظمى ..

المجد لك أيها المسيح إلهنا .. يا من ولدت من أجل خلاصنا .. بارك حياتنا بنعمتك



[1] St. John Chrysostom: Homilies on the Gospel of St. Matthew, Homily 6: 3, 4, p. 36-38 …, NPNF, Vol. 10

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس