يونان النبي وأهل نينوى - دروس مستفادة

 

 

 

 

 

 يونان النبي وأهل نينوى

 دروس مستفادة

 

 

دكتورة وداد عباس توفيق

2022

 

 


 

 

 

 

اسم الكتاب  :   يونان النبي وأهل نينوى – دروس مستفادة

إعداد         :   دكتورة وداد عباس توفيق

الطبعة       :   طبعة أولى الكترونية – 2022 ©

                  


 

 

فهرس

مقدمة

1.        يونان النبي ونينوى

2.        يونان النبي رمز ومثال للسيد المسيح

3.        يونان النبي في إرساليته وهروبه

4.        البحارة ويونان في بطن الحوت

5.        يونان النبي وتوبة أهل نينوى

6.        دروس مستفادة 

المراجع


 

 

يونان النبي وأهل نينوى – دروس مستفادة

                                                                                                دكتورة وداد عباس توفيق

مقدمة

يخيل لي وأنا أقرأ سفر يونان النبي أن القصة تتكرر هذه الأيام. يونان النبي وأهل نينوى القرن 21 .. نعم. نفس الظروف، نفس الشخصيات، نفس الأحداث .. والأهم وجود الله المخلِّص .. بهذا الرجاء نعيش:

"للرب الخلاص" (يون 2: 10) ..

تأملات كثيرة وتحليلات عديدة .. البعض يبرز أخطاء يونان النبي ليقول أن حتى الأنبياء يخطئون .. والبعض يبرز توبة أهل نينوى كمشجع لنا على التوبة لنفوز بالمغفرة .. والبعض يرى في بحارة السفينة نموذجًا للقلوب المستعدة لكنها تجهل الإله الحقيقي .. والبعض يرى يونان النبي كمثال للسيد المسيح في دفنه وقيامته كما أشار رب المجد ذاته في (متى 12) .. والبعض يرى في السفر تحذير أن البعيدين صار لهم نصيب في الملكوت بل ويدينون المؤمنين الغافلين، كما حذر الرب يسوع المسيح اليهود بقوله "أهل نينوى سيقومون يوم الدين ويدينون هذا الجيل لأنهم تابوا بمناداة يونان (مت 12) .. والبعض يتأمل في كلمات الرب: "ههنا أعظم من يونان" .. تأملات كثيرة جميعها رائع نتعلم منه ونتأمل فيه .. لكننا أيضًا نود أن نبرز الدروس المستفادة، سواء من الأحداث، أو من الشخصيات، أو من الخليقة، أو من معاملات الله مع البشر. ونخلص إلى الحقيقة التي نتمسك بها، والتي فيها رجاؤنا: للرب الخلاص.

بالفعل نفس العالم القديم نحياه اليوم: عالم مظلم رغم ما به من تقدم وحضارة .. عالم يعمل فيه الشيطان بقوة ليجد له أتباع .. نماذج من البشر تماثل أولئك أيام يونان النبي .. البعض يعيش في جهل باختياره أو بغير اختياره (البحارة) .. شعب بسيط لكن منفتح القلب مستعد لقبول كلمة الله (أهل نينوى) .. ومؤمنون يسمعون ويفهمون ويجاهدون، ولكن بعضهم يفرح لحظة ثم يتكاسل، وبعضهم تهزه تجربة فيصاب بالإحباط وينسى قدرة الله وحكمته .. وبعضهم ثابت أمام كل التيارات مثالاً وقدوة للآخرين فيفوز في النهاية .. ونخبة من الخدام (يونان النبي) وإن كان لديهم الإيمان والفهم للرسالة الإلهية، ورغم تعبهم من أجل الخدمة .. لكن البعض يرزح تحت عبء محبة الذات والكرامة .. والبعض يخدم ويجاهد لكن يرى فقط الوصايا ويجتهد لحفظها ويعلِّمها للآخرين لكن لا يدخل إلى العمق ولا يرى مقاصد الله في كل شيء فيعثر أحيانًا .. والبعض يعلم قدرة الله، ولكن إما في عناد قلب يحاول أن يأخذ طريقًا آخر، أو يتجاهل قدرته ويفعل ما يشاء إلى أن يصطدم بضعفه فيعود معترفًا بقدرة الله .. لكن هناك القلة، مؤمنون وخدام، يدركون كل ذلك ويثبتون رغم ما يواجهونه في الغالب من متاعب وإهانات واضطهادات، لكن يُسمع صوتهم إلى أقاصي المسكونة، ويرجع بسببهم كثيرون إلى الرب إلههم.

ومع كل هذا فهناك الرجاء كما نجد في سفر يونان: للرب الخلاص .. الشيطان يخضع ويسقط بقوة الله وحكمته في إنقاذ الذين له. في النهاية مشيئة الله تثبُت وتتحقَّق. فالمخلِّص ينير لهم الطريق ويمسك بهم فلا يخطفهم الشيطان من يده .. الأمناء، مؤمنين وخدام، يتجاوزون ضعفهم وإحباطاتهم وتكاسلهم ويرجعون معترفين بجهلهم أو ضعفهم لينفذوا مشيئة الله في حياتهم وفي حياة الآخرين. مقاصد الله تثبُت في الجميع. حتى الخليقة تخدم تنفيذ مشيئته .. أخيرًا مملكة المسيح مع المؤمنين به ترتفع وتنير .. والسبب:

عدل الله ورحمته للجميع ..

(1)

يونان النبي ونينوى

يونان النبي:

أحد أنبياء إسرائيل، من جت حافر في الجليل، تقع على بعد 3 أميال شمال الناصرة. ابن أمتاي من سبط زبولون. تنبأ في الفترة من 793-753 ق. م. في عهد يربعام الثاني بن يوآش ملك إسرائيل في السامرة ، الذي نجح في استعادة تخم إسرائيل إلى بحر العربة حسب كلام الرب عن يد يونان النبي بن أمتاي (2 مل 14: 25). وهو كاتب السفر الذي على اسمه، أحد أسفار الأنبياء الصغار. كان يتنبأ لإسرائيل بالخير، وكان له غيرة شديدة على إسرائيل. ربما كان هذا السبب وراء رفضه أن يذهب ليبشرمدينة أممية، غيرة على مجد إسرائيل كشعب مختار، وأيضًا خشية أن دخول الأمم يكون نذير لإقصاء إسرائيل من نعمة الله. أظهرت إرساليته عيوب في شخصيته عالجها الله بحكمة عجيبة وطول أناة فريدة، وعاد به إلى مكانته كنبي له رغم أخطاءه. وأبرزه السيد المسيح بعد ذلك كمثال له في وجوده في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ يخرج بعدها سليمًا دون أي أذي، كإشارة وإعلان مسبق من السيد المسيح أنه سيبقى في القبر ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ يقوم بعدها دون أن يمسك به الموت.

كان الهدف من رسالة يونان النبي إعلان امتداد رحمة الله ونعمته لجميع شعوب العالم، حتى لا تزعم أمة ما أن لها الحق وحدها في محبة الله. وأيضًا إظهار سلطة الله على جميع الخليقة واستخدامه لها مهما كانت ضعيفة في تنفيذ أغراضه من أجل خلاص البشر المؤمنين به. كما أظهرت الرسالة معاملة الله للجميع بعدل ورحمة وسلطان.

نينوى:

عاصمة الإمبراطورية الآشورية ومقر ملوك آشور. تقع على الضفة الشمالية لنهر دجلة مقابل الموصل الحالية في العراق. أسسها نمرود ابن كوش ابن حام (تك 10: 6- 11). مساحتها مسيرة 3 أيام. ازدهرت وصارت العاصمة في عهد الملك سنحاريب حيث بنى أسوار كبيرة حول المدينة وأنشأ حدائق عامة وقنوات وقصور ومعابد. وبنى لنفسه قصرًا أسماه "قصر لا مثيل له"، حتى صارت كما وصفها أحد الكتاب القدامي أنها أجمل المدن في الشرق الأدنى. كانت مسيطرة على العالم القديم من عام 885-625 ق. م. كانت تضم القرى المحيطة حولها تحت سلطانها لأنها كانت مشهورة بالخصوبة.

كانت مركز ديني لعبادة الإلهة عشتار، وارتبط تاريخها بالخطية والرذيلة. حتى أن الرب في تكليفه ليونان النبي بالمناداة عليها قال له: "لأن شرها قد صعد أمامي" (يون 1: 2). وقد وصفها ناحوم النبي أنها "مدينة الدمار. كلها ملآنة كذبًا وخطفًا. لا يزول الافتراس ... ولا نهاية للجثث". ويختم نبوته بقوله: "على من لم يمر شرِّك على الدوام" (نا 3: 1-4، 19). وكان الآشوريون متوحشين قساة. وقد استخدمهم الله لعقاب شعبه إسرائيل لخطاياه وزيغانه وراء آلهة شعوب الأرض الذين كان الرب قد طردهم من أمامهم (1 أخ 5: 25، 26). فصاروا تهديدًا لإسرائيل. وبحلول عام 721 ق. م. كان جيش آشور قد دمر مملكة إسرائيل الشمالية، فقد صعد شلمناسَّر ملك آشور وهاجم هوشع ملك السامرة الذي كان يعمل الشر في عيني الرب، ووجد فيه ملك آشور خيانة فسجنه ثم أخذه أسيرًا إلى السامرة، وصعد على كل الأرض وحاصرها وسبى إسرائيل إلى آشور (2 مل 17).

ولكن عظمة نينوى لم تستمر بسبب رجوعها للشر بعد توبتها بمناداة يونان النبي. فانتهت عظمتها حوالي عام 627 ق. م. بعد موت آخر ملوكها العظماء، حيث بدأت سلسلة حروب داخلية بين المتنافسين على العرش، ثم انتهى الأمر بالهجوم عليها من جيوش بابل والميديين، ودُمِّرت تمامًا. هرب أهلها، ومن تبقي منهم قُتل أو تم ترحيله قسرًا.

(2)

يونان النبي رمز ومثال للسيد المسيح

شخصية يونان النبي من الشخصيات البارزة كرمز ومثال للسيد المسيح تحدَّث بنفسه عنه موضِّحًا وجه الشبه ..

في حديث الرب يسوع المسيح مع الكتبة والفريسيين طلبوا منه آية، فأعطاهم آية يونان النبي موضِّحًا لهم وجه الشبه، ثم محذِّرًا لهم بمثال أهل نينوى لعلهم يرجعوا عن فكرهم ويتمثَّلوا بتوبتهم القوية فيرحمهم الله كما رحم أهل نينوى وصاروا مثالاً للتوبة الحقيقية المقترنة بانسحاق.

لم يرد أن يعطيهم آية كما كان يفعل من قبل لأنهم حين صنع معهم آيات اتهموه أنه ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين، وانتقدوه لعمل معجزات في السبت وغيرها .. فكان يعلم أفكارهم ونيتهم من جهته، فقال "لا تعطى له (لذلك الجيل) آية إلا آية يونان النبي". ثم أعلن لهم ما كانوا يفكرون فيه: أن يقتلوه. فأراد أن ينبِّههم بمثال يونان أن ما حدث ليونان وكيف خرج حيًا من بطن الحوت، هكذا سوف يحدث له. فقال لهم: "كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ" .. ثم أوضح لهم محذِّرًا أنهم أشر من أهل نينوى، ومشجعًا لهم على التوبة مثلهم، ومعلنًا أنه أعظم من يونان: "رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه، لأنهم تابوا بمنادة يونان، وهوذا أعظم من يونان ههنا!" (مت 12: 40، 41) .. ولكن للأسف! الأمم قبلوا كرازة يونان أما اليهود فاستمروا في رفضهم للسيد المسيح الأعظم من يونان الذي به وحده الخلاص.

ففي قصة يونان النبي أوجه شبه عديدة مع الرب يسوع المسيح:

·        حين ألقي يونان في البحر توقف البحر عن هيجانه ونجت السفينة، هكذا بالآم المسيح امتلأ العالم سلامًا فائقًا ونجا من آمن به.

·        يونان خرج من بطن الحوت حيًا، كما قام السيد المسيح من القبر حيًا.

·        خروج يونان من بطن الحوت يشير إلى انتصار الرب على الموت والجحيم كما هو مكتوب: "لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيك يرى فسادًا" (مز 16: 10).

·        شفقة الرب على نينوى مثال لمحبته وشفقته على البشرية كلها.

·        قبول أهل نينوى الأمميين مناداة يونان بينما اليهود يقاومون الأنبياء يشير إلى قبول الأمم للسيد المسيح ورفض اليهود له. لذلك قال لهم السيد المسيح: "رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه، لأنهم تابوا بمناداة يونان، وهوذا أعظم من يونان هنا" (مت 12: 41) وأيضًا بمثال ملك التيمن أنها ستقوم مع ذلك الجيل وتدينه: "لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان، وهوذا أعظم من سليمان ههنا!" (مت 12: 42).

وقد تأمل كثيرون من الآباء الأولين في قصة يونان النبي وهروبه وتوبة أهل نينوي .. كما تعلَّمنا الكثير من أبينا مثلث الرحمات بطريرك الكنيسة 117 قداسة البابا شنودة الثالث الذي له كتاب كامل والعديد من المحاضرات عن هذا السفر[1] .. فلنعرض بعض ما قاله بعض هؤلاء القديسين ..

عن أوجه الشبه والاختلاف بين يونان والسيد المسيح ..

القديس كيرلس الأورشليمي في نقاط محددة يوضِّح الفرق بين يونان والسيد المسيح رغم الشبه الذي أشار إليه الرب ذاته في الآية (مت 12: 40) يقول:[2]

-         أُرسل يونان ليحذر الناس لكي يتوبوا ولكنه هرب .. أما الرب يسوع فجاء ليعلم الناس البر .. جاء طوعًا ليعطي التوبة للخلاص.

-         يونان كان يغط في النوم في السفينة وسط البحر العاصف .. أما الرب يسوع فنام وثار البحر حسب تدبير إلهي ليُظهر قدرة النائم.

-         ليونان قال النوتية: "مالك نائمًا؟ قم اصرخ إلى إلهك عسى أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك" (يون 1: 6) .. بينما قال التلاميذ للسيد الرب: "نجِّنا، فإننا نهلك" (مت 8: 25، 26).

-         يونان قال: "خذوني واطرحوني في البحر فيسكن عنكم" (يون 1: 12) .. أما الرب يسوع نفسه فانتهر الرياح والبحر فصار هدوء عظيم (مت 8: 25، 26).

-         يونان أُلقي لبطن الحوت .. ولكن الرب يسوع نزل طوعًا هناك، حيث حوت الموت غير المرئي. نزل بإرادته لكي يلفظ الموت أولئك الذين ابتلعهم، حسب المكتوب: "من يد الهاوية أفديهم" (هو 13: 14).

ويتوقف القديس كيرلس الأورشليمي عند هذه النقطة ليتساءل:[3]

أيهما أصعب، أن إنسان دُفن يقوم ثانية من الأرض، أم إنسان في بطن حوت في الحرارة الكبيرة يهرب كمخلوق حي من التعفُّن؟ لأن ما لا يعرفه الإنسان أن حرارة البطن كبيرة جدًا حتى أن العظام نفسها التي تُبتلع تتعفَّن .. فكيف إذًا ليونان الذي كان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ أن يفلت من التعفُّن؟

 وإذا كانت طبيعة البشر أننا لا يمكننا أن نحيا دون تنفس كما نفعل في الهواء، فكيف عاش دون تنفس لثلاثة أيام؟ ولكن اليهود يجيبون قائلين أن قوة الله نزلت مع يونان عندما طُرح في الجحيم.

فهل إذًا الرب يعطي حياة لعبده ويرسل قوته معه، ولا يعطي ذاته بالمثل؟ فإذا كان ذاك قابل للتصديق، فهذا أيضًا واجب التصديق. وإذا كان غير قابل للتصديق فهذا أيضًا يكون غير قابل للتصديق. ولكن كلاهما جدير بالتصديق.

يونان كان محفوظًا لأن "عند الله كل شيء مستطاع" (مت 19: 26). والشهادات لقيامة السيد المسيح كثيرة من الكتب الإلهية، ومن القدرة الفعّالة للقائم. ففي ذلك اليوم الذي نزل فيه إلى الجحيم وحده صعد بصحبة عظيمة. نزل إلى الموت فقامت أجساد كثير من القديسين الراقدين من خلاله (مت 27: 52).

وبعبارات رائعة يعلِّمنا القديس كيرلس الأورشليمي قائلاً:

[الموت أصابه الفزع حين رأى القادم الجديد ينزل إلى الجحيم غير مقيَّد بسلاسل ذلك المكان .. لماذا إذًا يا بوابي الجحيم ارتعبتم لرؤيته؟ ماذا كان ذلك الخوف غير المألوف الذي تملَّك عليكم؟ .. الموت هرب، وهروبه كشف جُبنه.

الأنبياء القديسون هرعوا إليه .. موسى معطي الناموس، وإبراهيم وإسحق ويعقوب، داود أيضًا وصموئيل، وإشعياء ويوحنا المعمدان الذي شهد حين سألوه: "أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟" (مت 11: 3).

وقال كل من الأبرار: "أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟" (1كو 15: 55) ... إن المنتصر فدانا.][4]

ويكمل القديس كيرلس الأورشليمي بعد ذلك متأملاً في صلاة يونان من جوف الحوت (يون 2) "دعوت من ضيقي الرب فاستجابني، صرخت من جوف الهاوية فسمع صوتي ..."، موضحًا كيف أنه كان بالفعل مثالاً للسيد المسيح، فيقول:[5]

-         كان داخل الحوت، ورغم ذلك يقول أنه في "الهاوية"، لأنه كان مثالاً للمسيح الذي نزل إلى الجحيم.

-         ثم يقول متنبئًا عن شخص المسيح بأكثر وضوح: "نزلت إلى أسافل الجبال" (يون 2: 6) .. لقد كان يونان في بطن الحوت، فأي جبال كانت تحيط به؟ وكأنه يقول: أنا أعرف أنني مثال له، ذاك الذي سيدفن في القبر المحفور في الصخر.

-         ورغم أنه كان في البحر، لكنه يقول: "مغاليق الأرض عليَّ"، أيضًا لأنه كان مثال المسيح الذي نزل إلى قلب الأرض.

وإذ رأي برؤيته النبوية أفعال اليهود الذين أقنعوا الجنود أن يكذبوا قائلين لهم أن يقولوا أنهم سرقوه، فقال: "الذين يراعون أباطيل كاذبة يتركون نعمتهم" (يون 2: 8). لقد جاء برحمته عليهم، وصلب، وقام ثانية باذلاً دمه الكريم من أجل اليهود والأمم، ولكنهم يقولون لجنودهم أن يقولوا أنهم سرقوه! .. هكذا كانوا مراعين أباطيل كاذبة.

 (3)

يونان النبي في إرساليته وهروبه

كلَّفه الله أن يذهب إلى نينوى المدينة العظيمة وينادي عليها لأن شرها قد صعد أمامه (يون 1: 1، 2) .. ويقول السفر: "فقام يونان ليهرب إلى ترشيش من وجه الرب" (يون 1: 3)!

لم يذهب إلى نينوى التي تبعد 500 ميل إلى الشمال الشرقي، بل ذهب 200 ميل غربًا إلى ترشيش! غريب من نبي يعرف مقاصد الله ولكن لابد أن كان لديه أسباب تخيَّل أنها مبررات مقبولة، فما هي هذه المبررات؟ وأيضًا هل كان يجهل قدرة الله أنه يعرف كل تحركات الإنسان، فعين الله تخترق أستار الظلام؟ ألم يعرف ما قاله داود النبي في المزمور: " يا رب، قد اختبرتني وعرفتني. أنت عرفت جلوسي وقيامي. فهمت فكري من بعيد ... أين أذهب من روحك؟ ومن وجهك أين أهرب؟ إن صعدت إلى السموات فأنت هناك، وإن فرشت في الهاوية فها أنت" (مز 139: 1-8). وهل كان يجهل أن الله قادر أن يعيده وأن مشيئته لابد أن تنفذ؟ وغريب أيضًا أن لا يفرح لتحذير الخطاة ليرجعوا إلى الله وإنما يحزن ويهرب من المهمة. والأغرب أنه يعرف أن الله "إله رؤوف ورحيم بطيء الغضب وكثير الرحمة ونادم على الشر" (يون 4: 2) .. فكما يرحم نينوى يمكن أن يرحمه ويرحم إسرائيل أيضًا.

أيضًا بمجرد أن نزل إلى السفينة نزل إلى جوفها وكأنه يريد أن يختفي إلى أقصى حد عن عين الله! تمامًا كما فعل آدم وحواء، اختبآ من وجه الرب وسط شجر الجنة (تك 3: 8)! هل كانا يظنان أن الله لا يراهما أينما اختبآ؟ ولكن الخطأ يعتم الفهم. في قاع السفينة هناك نام نومًا عميقًا .. إما تعبًا من الرحلة، أو هروبًا من التفكير فيما فعله. لم يزعجه النوء العظيم الذي كادت السفينة أن تنكسر بسببه، ولا صراخ البحارة بالصلاة كلٌ إلى إلهه، ولا صوت إلقاء حمولة السفينة للتخفيف عنها! إلى أن أيقظه رئيس النوتية الأممي لكي يصلي إلى إلهه.

كل ذلك ولم يعترف وكأنه كان يتوقع أن لا يكشفه أحد، ولكنهم ألقوا قرعة فوقعت عليه. فبدأوا يسألونه عن عمله وأرضه وشعبه وسبب ما يحدث لهم. هنا لم يستطع أن ينكر فاعترف بأنه عبراني يعبد الرب إله السماء الذي صنع البحر والبر ..

لنرَ ما قاله بعض الآباء في ذلك:

يرى القديس غريغوريوس النزينزى أن ما جعل يونان يهرب إلى يافا ومنها إلى ترشيس (يون 1: 3) ليس أنه كان يجهل خطة الله بحكمته العظيمة وأحكامه غير المفحوصة أن يعطي نينوى - من خلال التهديد - المهرب من المصير الذي ينتظرهم ليرجعوا. فمن غير المحتمل أن نبي مثله يجهل خطة الله هذه أو يرفض التعاون مع الله في استخدام الوسائل التي خطَّطها لخلاصهم. أيضًا إنه أمر مستحيل كلية أن نتخيل أن يونان كان يأمل أن يخفي نفسه في البحر ويفلت من عين الله العظيمة. بل إن هذا لا يمكن تصديقه بالنسبة لشخص لديه حس أو إدراك طفيف بالله الذي قدرته فوق الكل، فما بالنا بنبي عظيم كيونان![6]

إن يونان النبي أكثر من أي أحد كان يعرف الغرض من إرساله إلى أهل نينوى، وأن خطته للهروب لا يمكن بها أن يهرب من الله بأي وسيلة مهما كانت، لأن الله وحده لا يمكن أن تهرب منه أي خليقة، فهو وحده القادر على أن يحضرها تحت يده متى شاء. إنه كليّ القدرة.

[كان يونان هاربًا من وجه الرب، أو ظن أنه هارب، ولكنه فوجئ بأنه محاط بالبحر والعاصفة والقرعة وبطن الحوت والدفن ثلاثة أيام مثالٌ لسر أعظم ...

هرب من أن يعلن الرسالة المفزعة المروِّعة لأهل نينوى، ومن أن يكون بعد ذلك متهمًا بالكذب إذا نجت المدينة بالتوبة. ليس أنه كان يستاء لخلاص الأشرار، ولكنه كان يخجل أن يعتبر أداة كذب، بينما كان متحمسًا لدرجة فائقة لمصداقية النبوة التي كانت ستتعرض للتلاشي في شخصه، حيث أن معظم الناس غير قادرين على اكتشاف عمق التدبير الإلهي في مثل هذه الحالات.][7]

ويخلص القديس غريغوريوس النزينزي إلى الغرض الحقيقي فيما فعله يونان:

أنه رأى ارتداد إسرائيل وتحوُّل النعمة للأمم. وهذا كان السبب في تراجعه عن المناداة لهم وتأخره في تنفيذ الأمر. هكذا طرح نفسه في عمق الأسى لتتقاذفه العاصفة، ونام، وأوقظ من النوم، وأُخذ بالقرعة، واعترف بهروبه، وأُلقيَ في البحر، وابتُلع من الحوت .. لكنه لم يهلك .. فهناك صرخ إلى الرب – ويا للعجب! في اليوم الثالث، مثل المسيح، نجا. [8]

(4)

البحارة ويونان في بطن الحوت

البحارة:

نموذج للفضائل والإيمان البسيط والاستعداد القلبي رغم جهلهم بالإله الحقيقي .. فماذا فعلوا؟

بمجرد الريح الشديد والنوء الذي كاد أن يكسر السفينة لم يبدأوا بحلول منطقية، ولكن .. بدأوا بالصلاة، بل بالصراخ، كل إلى إلهه. ثم طرحوا الأمتعة رغم ما في ذلك من خسارة، وبعد ذلك بحثوا عن الراكب الذي ليس معهم، فنزل إليه رئيس النوتيه ليوقظه لكي يصرخ هو أيضًا إلى إلهه .. برجاء غير مؤكد: "عسى أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك" .. ورغم أننا لم نسمع أن يونان استجاب وقام وصلَّى، لكنهم لجأوا للوسيلة الأخيرة: إلقاء قرعة ليعرفوا سبب البلية. ولما وقعت القرعة على يونان لم يتسرعوا بإلقائه خارج السفينة، وإنما بدأوا بالاستفسار منه عن هويته وعمله والسبب فيما هم فيه.

بمجرد أن سمعوا أنه يعبد إله السماء الخالق البحر والبر خافوا خوفًا عظيمًا، وسألوه متعجبين لماذا فعل هذا، أي لماذا هرب من وجهه طالما هو الإله العظيم الخالق .. حتى بعد أن وقعت القرعة عليه لم يوبخوه وإنما فضَّلوا أن يستشيروه لأنهم اعتبروه أكثر فهمًا طالما أنه يعبد هذا الإله العظيم. فسألوه: "ماذا نصنع بك ليسكن البحر عنا؟" .. وبعد أن قال لهم أن يطرحوه في البحر ليسكن عنهم، عملوا محاولة جديدة لإنقاذه! جدَّفوا ليرجعوا بالسفينة إلى البر، فلم يستطيعوا لأن البحر كان يزداد اضطرابًا ..

تظهر فضائلهم أيضًا في أنهم بعد التأكد أن الحل الوحيد هو تنفيذ حكمه على نفسه، نجدهم يؤمنون بهذا الإله ويصرخون إليه – وليس إلى آلهتهم – أن لا يهلكهم من أجل نفس هذا الرجل، ولا يجعل عليهم دمًا بريئًا لأنها مشيئته .. نلاحظ هنا اعتبارهم يونان برئ: هذا على مثال السيد المسيح أيضًا عندما غسل بيلاطس يديه وقال "أنا برئ من دم هذا البار" (مت 27: 24). وهنا أيضًا الفرق بين الأمميين الذين لا يريدون قتل إنسان بريء ويحاولون جاهدين إنقاذه، وبين اليهود الذين يعلمون أنه بريء ومع ذلك أصروا على قتله بقساوة قلب.

أيضًا نعجب لإيمانهم، وثقتهم بهذا الإله الذي سمعوا عنه لأول مرة، وخوفهم أن يهلكوا دمًا بريئًا، وأن الله قد نفَّذ مشيئته وليس عليهم سوى الطاعة! هكذا أخذوه وطرحوه في البحر، فوقف البحر عن هيجانه (يون 1: 15) .. هذا جعلهم مرة أخرى يخافوا خوفًا عظيما، ويذبحوا ذبيحة للرب .. ذبيحة لهذا الإله العظيم الحقيقي .. وليس لآلهتهم .. وينذروا نذورًا. ربما كانت أن يعبدوا هذا الإله حين يعودون إلى بلادهم.

يونان في بطن الحوت:

بمجرد أن طرحوه في البحر كان الرب قد أعد حوتًا عظيمًا ليبتلع يونان (يون 1: 17). حسابات الله الدقيقة لا تخيب، فلم يسقط يونان في البحر ويغرق قبل أن يلتقطه الحوت، وإنما كأن الحوت كان رابضًا في انتظاره ليلتقطه في الحال! ما أعجب تدبيرك يا رب! ظل في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ كما أكد الرب يسوع المسيح حين أعطى هذه الآية لليهود مثالاً له (مت 12: 40).

الحوت مثال لطاعة كل الخليقة حتى الغير العاقلة لله .. شاهد على سلطان الله على كل الخليقة .. وليس الحوت فقط، وإنما أيضًا الريح والعاصفة والبحر الثائر .. واليقطينة والدودة والريح الشرقية الحارة والشمس .. كل الخليقة، ربما الإنسان هو الوحيد الذي يعصى خالقه ويتمرد!

فلنتأمل المعجزة، كيف احتوى الحوت يونان ولم يهلكه.

يقول القديس يوحنا ذهبي الفم:

[أخبروني كيف احتوى الوحش يونان في بطنه دون أن يهلك يونان؟ أليس بدون عقل وحركاته بغير انضباط؟ كيف أبقي على الرجل البار؟ كيف لم تخنقه الحرارة؟ كيف أنها لم تجعله يتعفن؟ .. لأنه إذا كان مجرد الوجود في العمق يفوق خططنا، فأن تكون في أحشاء المخلوق، وفي تلك الحرارة هو أمر بعيد جدًا عن الحسبان ..

وإذا كنا من الداخل نتنفس الهواء، فكيف يكفي التنفس لكائنين أحياء؟ وكيف أيضًا تكلَّم؟ وكيف كان متمالكًا نفسه، وصلَّى؟ أليست هذه الأمور غير قابلة للتصديق؟ .. إذا اختبرناها بالعقل فهي غير قابلة للتصديق، وإن كان بالإيمان فهي جديرة بالتصديق إلى أبعد حد ..][9]

وبنفس المعنى يتأمل القديس كيرلس الأورشليمي كيف لإنسان في بطن حوت في الحرارة الكبيرة يهرب من التعفُّن؟ وكيف عاش دون تنفس لثلاثة أيام؟[10]

صلاة يونان في بطن الحوت:

صلاة فيها انسحاق وإيمان ورجاء .. صلَّى بإيمان للإله الذي كان هاربًا منه بعد أن أدرك خطأه! صلى وهو في الضيق، السجن أو الهاوية كما وصفها لا يعلم ما ينتظره، لكن بثقة في هذا الإله الرحوم أنه لن يتركه. يعلم أن هذا عقاب من الله، وأنه هو الذي طرحه في قلب البحار وليس البحارة. ورغم صعوبة الوضع الذي كان فيه كان متمالكًا نفسه يستعرض ما أدي به إلى هذا الموقف. وضع صعب .. تيارات ولجج، يعلم أنها من صنع الله وتكليفه لها لتوقظه دون أن تهلكه .. دخلت المياه إلى نفسه والتف العشب برأسه ولم يختنق .. مغاليق الأرض عليه إلى الأبد مطرودًا من أمام عينيه .. رغم كل ذلك كان داخله الإيمان والرجاء.

يتكلَّم في ثقة في الاستجابة وكأنها حدثت بالفعل: "دعوت .. فاستجابني، صرخت .. فسمعت صوتي .. قلت قد طُردت من أمام عينيك، ولكنني أعود انظر إلى هيكل قدسك .. مغاليق الأرض عليَّ .. ثم أصعدت من الوهدة حياتي .. حين أعيت فيَّ نفسي .. فجاءت إليك صلاتي" (يون 2: 2-7). ثم يعطي نصيحة مما اختبره بنفسه: "الذين يراعون أباطيل كاذبة يتركون نعمتهم" (يون 2: 8) .. حين سار وراء مشاعره، سواء الخوف على أمته أن يزول عنها المجد أو على كرامته أن يظهر كاذبًا، فقد سلامه والنعمة التي كان فيها كنبي الله وصار سجينًا مرتعبًا داخل بطن حوت لا يدري إن كان سيلتهمه ويهلكه أم أن الله سيتدخل وينقذه. ومع ذلك كان يتكلم بثقة في رحمة الله فنراه يعد بأن يقدم ذبيحة شكر بصوت الحمد والتسبيح، وأن يفي بما نذر .. قطعًا أن ينفِّذ المهمة التي هرب منها من قبل .. ويختتم الصلاة بالدرس الأهم: للرب الخلاص. لقد كان يعلم هذا، ولكن في ضعفه نسى أو تجاهل ولكن الآن يقدم للجميع نتيجة خبرته: للرب الخلاص .. ليس بأحد غيره الخلاص ..

ويشير القديس يوحنا ذهبي الفم إلى بركة أن نسعى لخير الآخرين، فيقول:

[يونان إذ لم يطلب مصلحة الكثيرين لكن مصلحة ذاته، كان في خطر أن يهلك، وبينما المدينة كلها متماسكة كان هو يتقاذفه البحر ويغمره. لكن لما طلب مصلحة كثيرين وجد مصلحة نفسه أيضًا]. [11]

 

   ⸭

(5)

يونان النبي وتوبة أهل نينوي

أصدر الله أمره إلى يونان ثانية، إشارة إلى مصالحته ومغفرة خطئه الأول، كما فعل مع بطرس الرسول وأعاده إلى رتبته بعد خطية إنكاره له وندمه (يو 21: 15-18).

"قم اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة، ونادِ لها المناداة التي أنا مكلِّمك بها" .. مصالحة ومغفرة واختبار جديد ليونان، هل يطيع أم يظل في عناده .. بدأ يونان يدخل المدينة العظيمة عاصمة الإمبراطورية التي بمسيرة ثلاثة أيام وبها أكثر من 120 ألف نسمة .. بدأ يونان يدخل المدينة مسيرة يوم واحد ونادى "بعد أربعين يومًا تنقلب المدينة" .. ليس في الحال لكن إنذار مع فرصة لمراجعة النفس والتوبة .. نعم لأن الله طويل الأناة الله، بطيء الغضب، يمنح الفرصة للخطاة للتوبة، يريد أن الجميع يخلصون.

توبة أهل نينوى:

لم يذهب يونان للملك لإبلاغه إنذار الله، وإنما نادى في الشوارع، لأن الكل مشترك في الخطية، وأمام الله الكل متساوٍ .. لم يكد أهل المدينة يسمعوا المناداة في ثلث المدينة حتى جاء رد الفعل قويًا عجيبًا يشهد بعظمتها، ليس فقط في العدد والحجم وإنما بالأحرى في التوبة .. لم يتجاهلوا، ولم يناقشوا، ولم يتوانوا حتى نهاية الفترة، ولم يسخروا من النبي أو يقتلوه، فقد كان يمكنهم أن يلقوا أيديهم عليه كمثير للشغب ومعكِّر للسلم في المدينة، لكنهم لم يفعلوا .. ورغم وجود آلهة عديدة لهم ورغم غرابة التحذير من شخص غريب، لكنهم:

آمنوا .. ونادوا بصوم .. ولبسوا مسوح من كبيرهم إلى صغيرهم .. وبلغ الأمر إلى الملك فجاء رد فعله العجيب: قام عن كرسيه كأنه يعلن أنه غير مستحق لكرامة المُلك .. خلع رداءه عنه إعلانًا عن تخليه عن المجد الذي كان فيه .. تغطى بمسح في تذلل بعد الكرامة .. وجلس على الرماد كأنه يقول أن هذا ما يستحقه عن كل أفعاله ..

وأمر الملك أن ينادَى في نينوى أن لا يذق أحد من الناس والبهائم والبقر والغنم شيئًا، وحتى الحيوانات لا ترعى ولا تشرب ماء .. الناس والبهائم تتغطى بمسوح .. ثم الأهم:

أن يصرخوا إلى الله بشدة .. ويرجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة وعن الظلم .. لعل الله يعود ويندم ويرجع عن حمو غضبه فلا يهلكوا. وأتت التوبة بثمارها في تركهم الشر ..

فلما رأى الله أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة

ندم على الشر الذي تكلَّم أن يصنعه بهم فلم يصنعه (يون 3: 10).

كل الرجاء لكل تائب، ودرس قوي في كيفية التوبة المقبولة .. من أجل هذه التوبة القوية سيقومون في يوم الدينونة ليدينوا ذلك الجيل لأنهم تابوا بمناداة يونان، بينما اليهود في جيل السيد المسيح لم يتوبوا ولم يفهموا. أهل نينوى لم يسمعوا عظة أو يروا معجزة أو علامة ولكنهم استجابوا بمجرد كلمة من يونان النبي، بينما إسرائيل رغم كل النبوات والأنبياء الذين حذروا والعلامات والمعجزات، ظلوا على عنادهم وقساوة قلوبهم، وتمادوا إلى حد قتل السيد المسيح كما اعتادوا من قبل قتل أنبياءهم.

وعن التوبة يقول القديس إكليمنضس الروماني:

[من جيل إلى جيل أفسح الرب مكانًا للتوبة لكل من يأتي إليه. نادى يونان بالهلاك لأهل نينوى، لكن لما تابوا عن خطاياهم واستعطفوا الله بالصلاة نالوا الخلاص رغم أنهم كانوا غرباء عن العهد]. [12]

ويبرز القديس يوحنا ذهبي الفم السبب الأساسي في نجاة أهل نينوى، يقول:

[فقال الرب: ".... أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي يوجد فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم، وبهائم كثيرة؟" (يون 4: 11). كيف خلص أهل نينوى؟ في حالتهم ليست الأعداد فقط وإنما الفضيلة أيضًا، لأن كل واحد رجع عن طريقه الرديئة. وأيضًا أنهم لا يعرفون يمينهم من شمالهم. فمن الواضح أنه حتى من قبل كانوا يخطئون بالأكثر بسبب البساطة وليس الشر، وواضح أيضًا من تحولهم بمجرد سماع بضع كلمات. لو كان مجرد العدد 12 ربوة كافيًا لخلاصهم، فلماذا لم يخلصوا من قبل؟ ولماذا لم يقل للنبي: أفلا أشفق أنا على المدينة التي تحولت؟ ولكنه أبرز العدد 12 ربوة؟ هذا إلى جانب ذاك. فكونهم رجعوا عن طرقهم كان معروفًا للنبي، أما عددهم أو بساطتهم فلم يكن النبي يعرفها ... فرغم قوة العدد، لكن الفضيلة أيضًا.] [13]

وقول آخر للقديس يوحنا ذهبي الفم:

[أولئك (أهل نينوى) الذين لم يسمعوا وصايا من آخرين، عندما سمعوا النبي يقول أن بعد أربعين يوم ستنقلب نينوى ... تركوا كل أفعالهم الشريرة ... قد يتساءل أحد من أين ظهر هذا؟ من كلمات النبي، لأن الله الذي اتهمهم من قبل قائلاً "قد صعد شرهم أمامي" (يون 1: 2) هو ذاته يشهد بالعكس قائلاً: " رأى الله أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة" (يون 3: 10). وكيف تركوها؟ ... خلال (هذه الفترة) كانوا قادرين على التحوّل إلى حالة من الفضيلة الكاملة، لأن حيث مخافة الله فلا حاجة إلى أيام أو فترة من الوقت.] [14]

موقف يونان من توبة أهل نينوى وتخبطه:

بينما السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب (لو 15: 7، 10) نجد يونان النبي يحزن، حتى بعد مغفرة الله له وإنقاذه! "فغم ذلك يونان غمًا شديدًا، فاغتاظ" (يون 4: 1)! اغتاظ لدرجة أنه عاتب الله مبرّرًا خطأه الأول بالهروب، وطلب أن يأخذ نفسه منه! "آه يا رب، أليس هذا كلامي إذ كنت بعد في أرضي؟ لذلك بادرت إلى الهرب إلى ترشيش" .. والأعجب السبب: "لأني علمت أنك إله رؤوف ورحيم بطيء الفضب وكثير الرحمة ونادم على الشر" (يون 4: 2، 3) .. هل مع كل إيمانه هذا برحمة الله وطول أناته التي اختبرها بالفعل يحزن لأن هذه الرحمة امتدت لآخرين؟!

خرج من المدينة وصنع مظلة وجلس ينتظر ليرى ماذا سيحدث! هل كان ينتظر أن الله يقلب المدينة بعد توبتها؟!

فكيف تعامل معه الله؟ درس جديد:

أعد الله يقطينة (نبات ذو أوراق عريضة ممتلئة) لتكون له ظلاً "لكي يخلِّصه من غمه"! يا لمحبتك يا الله! هل بعد هذه المشاعر الخاطئة من يونان بعد إنقاذه تريد أن تخلَّصه من غمه؟ كان يمكن أن تعاقبة هذه المرة عقابًا أشد وتتركه لذاته، ولكن إلهنا المحب لا يفعل هذا مع أولاده .. معاملات الله عجيبة .. عامله كطفل صغير متمرد يغتاظ لأبسط شيء، فيربت على كتفه ويعطيه ما يهدئه فيفرح، ثم يعلمه الدرس في حنان ولطف:

فرح يونان باليقطينة فرحًا عظيمًا .. لم يعط نفسه فرصة للتأمل كيف ظهرت اليقطينة فجأة وأنها عطية الله له .. وإنما فقط فرح فرحًا عظيمًا .. لم يفهم بعد الدرس .. فأعد الله دودة ضربت اليقطينة فيبست، ثم أعد ريحًا شرقية حارة فضربت الشمس على رأس يونان فذبل وطلب الموت من جديد! (يو 4: 7، 8) ..

هنا لم يصمت الله وأعطاه الدرس مباشرة طالما لم يفهم بالعلامات:

"هل أغتظت بالصواب من أجل اليقطينة؟" " أنت شفقت على اليقطينة التي لم تتعب فيها ولا ربيتها، التي بنت ليلة كانت وبنت ليلة هلكت. أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي يوجد فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم، وبهائم كثيرة؟" (يون 4: 9-11).

أهل نينوى هم خليقة الله بينما اليقطينة ليست من غرس يونان. فإذا كان يونان يحزن لشيء لم يتعب فيه، فإن الله لا يرذل عمل يديه. أيضًا اليقطينة بنت يوم ظهرت فجأة واختفت، أما نينوى فهي مدينة قديمة موجودة وراسخة من أجيال وأهلها تحت عناية الله وعينه التي لا تغفل. الأنفس التي فيها ثمينة عند خالقها ...

ويبرز القديس يوستينوس الشهيد رحمة وشفقة الله في هذه الأحداث، يقول:

[بعد أن نادى يونان بهلاك المدينة بعد 40 يومًا، نادى أهل نينوى بصوم لكل المخلوقات، البشر والحيوانات، ومسوح ونواح، بتوبة صادقة من القلب ورجوع عن الإثم ... حتى أن ملك المدينة نفسه مع نبلائه لبسوا مسوحًا وظلوا صائمين طالبين أن لا تُقلب المدينة. لذلك عندما حزن يونان أنه في اليوم الأربعين لم تنقلب المدينة كما نادى دبر الله يقطينة نبتت له من الأرض جلس تحتها واستظل من الحر (اليقطينة نمت فجأة ولم يكن يونان قد زرعها ورواها، لكنها ظهرت فجأة في الحال لتكون له ظلاً). ثم بتدبير آخر يبست وحزن يونان لهذا. فأدانه الله لاستيائه غير العادل بسبب أن نينوى لم تنقلب.][15]  

ويتحدث القديس إيريناؤس أيضًا عن طول أناة الله وشفقته، يقول:

[الله طويل الأناة ... سمح أن يبتلع الحوت يونان، ليس أن يبتلعه ويهلكه كلية، ولكن إذ يطرح ثانية يكون أكثر طاعة لله ويمجده بالأكثر من أجل أنه منحه خلاصًا لم يكن يأمل فيه، ويمكن أن يأتي بأهل نينوى لتوبة نهائية لكي يرجعوا إلى الرب الذي يخلِّصهم من الموت ... ومن البداية أيضًا سمح الله للإنسان الذي كان أصل المعصية أن يبتلعه حوت كبير، ليس أن يهلك كلية، ولكنه أعد خطة الخلاص التي أتمَّها الكلمة ...][16] 

ويرى القديس أمبروسيوس أن الكنيسة تقرأ سفر يونان حسب العادة لأنه ينبئ بأن الخطاة سيؤمنون ويتم قبولهم إشارة إلى الرجاء في الزمن الحاضر. والإنسان العادل يتحمل اللوم لكي لا يرى هلاك المدينة. لذلك عندما حزن يونان لأن اليقطينة يبست أعطاه الله الدرس "أنت شفقت على اليقطينة اتي لم تتعب فيها ولا ربَّيتها ... أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي يوجد فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس ..." موضٍّحًا اهتمامه بخلاص كل الناس. [17] 

وفي عظة طويلة للقديس يوحنا ذهبي الفم يشرح قصة يونان النبي بكل أبعادها، ويبرز التعليم الذي نستخلصه منها، فيقول:

[لم يكن أهل نينوى يعرفون طريقة الله في إظهار رحمته، ولا قرأوا أنبياء، ولا سمعوا بطاركة، ولا تمتعوا بمشورة أو نالوا تحذير، لكنهم كانوا في شك وتردد من جهة هذا، ومع ذلك تابوا بكل اجتهاد ... عظيمة بالتأكيد فضيلتهم! لكن أعظم كثيرًا هي رحمة الله! ... كان النبي يخجل بالفعل لأنه كان يعرف مسبقًا كيف سيكون الأمر ويخمن أن ما سيتنبأ به لن يتم، بينما الله لم يخجل لأنه كان يريد شيئًا واحد فقط هو خلاص البشر ويؤدب خادمه. فعندما دخل السفينة أثار أمواج عاتية في الحال، هذا لكي نعرف أن حيث الخطية هناك عاصفة. حيث العصيان هناك ارتفاع أمواج. المدينة اهتزت بسبب خطايا أهل نينوى، والسفينة أرتجت بسبب عصيان النبي. لذلك ألقى البحارة بيونان في العمق ونجت السفينة. فلنُغرق خطايانا وبالتأكيد سوف تكون سفينتنا في أمان.

الهروب ليس في صالحنا بالتأكيد، فهو لم يفِده، بل على العكس سبَّب له الأذى .. هرب من الأرض بالفعل، لكن لم يهرب من غضب الله. هرب من الأرض، لكنه جلب عاصفة وراءه في البحر، لذلك كان أبعد ما يكون عن أن ينال أي فائدة من هربه، بل أقحم الذين استقبلوه في أقصى خطر ... بينما كان يجلس في السفينة المبحرة، ورغم وجود كل البحارة والنوتية وكل الأجهزة اللازمة في السفينة، لكنه كان في أقصى خطر. لكن بعد أن أُلقي في العمق وطرح خطيته بالعقوبة انتقل إلى سفينة غير مستقرة، أي بطن الحوت: ولكن هناك تمتع بأمان كبير.

كان هذا لتعليمك أن أي سفينة لا يمكن أن تكون لها فائدة لمن يعيش في الخطية. لذلك فمن طرح الخطية لا يمكن للبحر أن يُغرقه أو الوحوش أن تلتهمه.. حقيقة تلقته الأمواج لكنها لم تخنقه، تلقفه الحوت لكن لم يهلكه. الحيوان والعناصر أعادت إلى الله بغير أذى ذاك الذي أودعه لديهم. وبهذه الأمور تعلَّم النبي أن يكون إنسانًا ورحومًا ولا يكون أكثر قسوة من الحيوانات المتوحشة أو البحارة غير المفكرين أو الأمواج العاتية. لأن حتى البحارة لم يسلمونه من البداية، ولكن بعد اضطرار شديد، والبحر والوحش حفظوه بشفقة كبيرة .. فكل هذه كانت تحت سلطان الله.

لذلك عاد ثانية، ونادى، وهدَّد، وأقنع، وحفظ، وأخاف، وأصلح، وثبَّت بأول مناداة! لم يحتج إلى أيام كثيرة ... لكن بعبارات بسيطة فقط جلب التوبة للكل!

لذلك لم يقتده الله مباشرة من السفينة إلى المدينة، وإنما أودعه البحارة إلى البحر، ومن البحر إلى الحوت، ومن الحوت إلى الله، ومن الله إلى أهل نينوى. وبهذه الحلقة الكبيرة أعاد الهارب، لكي يعلم الكل أنه مستحيل  الهروب من يديّ الله ...][18] 

(6)

دروس مستفادة

كما بدأنا في المقدِّمة أن هذا السفر وصف لما في العالم الآن .. وكما أوضح الآباء الدروس المستفادة من كل الأحداث والشخصيات .. هكذا نحاول أن نستعرض في إيجاز الدروس التي يقدمَّها الله لنا من خلال هذا السفر بشخصياته والخليقة الغير العاقلة ومعاملات الله للجميع ..

قدرة الله وسلطانه – مشيئة الله بالنسبة للبشر – طول أناة الله على البشر - الرجاء في الاستجابة – الشكر

قدرة الله وسلطانه على كل الخليقة:

الله الخالق كليّ القدرة ضابط الكل، تطيعه كل الخليقة غير الناطقة ولا تعصاه ... هو الرب الذي في العهد الجديد انتهر الريح والبحر حتى خاف التلاميذ وقالوا بعضهم لبعض: "من هو هذا؟ فإن الريح أيضًا والبحر يطيعانه!" (مر 4: 39-41) ... وفي سفر يونان نجد الريح والبحر والحوت واليقطينة والدودة والشمس يطيعونه ...

أرسل ريحًا شديدة أحدثت نوَّة في البحر. واعترف يونان أنه هارب لأنه "خائف من الرب إله السماء الذي صنع البحر والبر" (يون 1: 9). وبمجرد إلقاء يونان في البحر بأمر الرب وقف البحر عن هيجانه (يون 1: 16). وكان الرب قد أعد حوتًا عظيمًا ليبتلع يونان ويحفظه داخله، حسب أمر الرب، لحين يأمره ثانية فيقذفه إلى البر (يون 2: 10). ثم اليقطينة أعدها الله فارتفعت في ليلة  لتظلِّل على يونان (يون 4: 6). ثم أعد الله دودة لتضرب اليقطينة فتيبس (يون 4: 7) وأخيرًا ريحًا شرقية لتضرب الشمس على رأس يونان (يون 4: 8) ...! كل هذه الخليقة أطاعت ونفَّذت الأمر الإلهي الذي حركها به. وكلها أمور تشهد بقدرة الرب وسلطانه.

مشيئة الله بالنسبة للإنسان:

الله يريد ان الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون (1 تي 2: 4). مشيئته ومسرته في خلاص الإنسان فهو لا يُسرّ بموت الشرير كما قال: "هل مسرَّة أُسرُّ بموت الشرير؟ يقول السيد الرب. ألا برجوعه عن طرقه فيحيا؟" (حز 18: 23). نعم، فلهذا كان تدبيره الخلاصي للبشر في ملء الزمان، ولهذا بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له حياة أبدية. وفي سفر يونان يسعى لخلاص الأشرار الذين صعد شرهم أمامه (يون 1: 2)! يرسل لهم نبيه ليحذرهم، ويستجيب لتوبتهم. إنه الله العادل الرحوم في نفس الوقت. هو ينفذ مشيئته دون أن يمنعه أحد أو شيء، ومشيئته دائمًا صالحة.

الله العادل يمنح رحمته للجميع دون تفرقة، يمنح الجميع الفرصة للإيمان والتوبة ويغفر. لكن أيضًا في عدله يغضب للشر ويعاقب "شرهم قد صعد أمامي". من يظن أن الله لا يغضب ولا يعاقب هو مخطئ، فالأمثلة والآيات كثيرة عن غضب الله وتوقيع العقاب على البشر وعلى مدن بأكملها. فقد أهلك من قبل سدوم وعمورة، كما أهلك كل الأرض بالطوفان ولم ينجو سوى نوح وأهل بيته لأنه وجده بارًا أمامه (تك 7: 1) .. فحين يرى الاستعداد القلبي يبادر بالتشجيع على الرجوع عن الشر ولا يوقع غضبه بل ينقذهم.  

طول أناه الله على البشر:

إنه يحتملنا في خطايانا، ويمهد لنا السبل لنرجع إليه بالتوبة، ويفتح أحضانه الأبوية ويقبلنا، وينسى خطايانا ولا يعود يذكرها. نرى معاملته للبشر من خلال يونان النبي كيف احتمله في ضعفه وهروبه! استخدم الطبيعة لتعيده إلى أحضانه وإلى خدمته، وحفظه في كل مرة. حفظه في البحر فلم يبتلعه، وحفظه في جوف الحوت فلم يختنق ويهلك، وأعد له يقطينة "لكي يخلِّصه من غمه"! تفاهم معه واستمع إلى غيظه بطول أناة وكأنه يربت على كتفه، قائلاً: "هل اغتظت بالصواب؟" ثم يعلِّمه الدرس: "أنت شفقت على اليقطينة التي لم تتعب فيها ولا ربَّيتها ... أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة ..." (يون 4) يدعوها عظيمة رغم ما كانت عليه من خطية! لا يرى سوى توبتها القوية، رغم أن حتى هذه التوبة هي نتيجة تدبيره الإلهي أيضًا. في طول أناة الله لم يُهلك أهلها بل أرسل لهم إنذار، لأنه يعرف استعدادهم القلبي، ويعرف أنهم يخطئوا عن جهل وبساطة "لا يعرفون يمينهم من شمالهم".  

الرجاء في الاستجابة:

كل هذه الشفقة والتدبير الإلهي الذي شهدناه في هذا السفر يعطي الرجاء في الخلاص برحمة الله وشفقته، بطول أناته على الخاطئ في ضعفه .. فكما استجاب لتوبة أهل نينوى وصراخهم، واستجاب لصلاة يونان من عمق الضيقة، هذا يعطينا الرجاء أن يستجيب لصلواتنا وتوبتنا. من كل معاملاته مع البشر التي يشهد بها الكتاب المقدَّس والتاريخ وحياتنا كلها نضع كل ثقتنا ورجاءنا فيه دون تهاون أو اعتماد على ذواتنا وضعفنا.

الشكر:

إذ نرى كل ما عمله لأجلنا حتى بذْل ابنه الوحيد، وكل ما لمسناه من معاملاته على مرِّ الأجيال، وما رأيناه في معاملته ليونان النبي ولأهل نينوى كمثال لا يسعنا إلاّ الشكر ... ويا ليتنا نستطيع أن نشكره كما يحق له، إن عمله أكبر بكثير مما نستطيع أن نقدم له تعبيرًا عن شكرنا واعترافنا بمحبته ورحمته وعدله وشفقته وإحساناته العديدة في كل مواقف حياتنا ...

عبارة "ندم الله على الشر الذي تكلَّم أن يصنعه بهم، فلم يصنعه" (يون 3: 10)

ما معنى "ندم الله"؟ هل الله يصدر حكمًا متسرعًا ثم يعود فيندم عليه؟ حاشا! الله عادل، وعدله يقتضي عقاب الخاطئ، وإلاّ فإن البار يتساوى مع الأثيم. كما أن الله لا يغيِّر حكمه ولا يرجع عن كلمته فالله غير متغيِّر .. لكن التغيُّر حدث في أهل المدينة، أنهم تابوا ورجعوا عن طرقهم الرديئة بتذلل. هنا الحكم كان صادرًا ضد نينوى الشريرة، أما بعد توبتها فقد اختلف وصفها. لم تعد نينوى الشريرة الخاضعة للحكم، وإنما نينوى الفاضلة التائبة المؤمنة التي تستحق الرحمة. فعدل الله ورحمته متلازمان في كل الأوقات. كما أن الله كان يعلم باستعدادها للتوبة وأنها كانت ستتغيَّر بهذا الإنذار فأرسل لها يونان النبي ولم يسمح له بالهروب من المهمة لأنه يعرف النتيجة أن نينوى ستتوب .. كل هذا تدبير إلهي وليس تغيُّر.

كما أن عبارة ندم  في اللغة الإنجليزية relent لها معاني أخرى أنه "رقَّ / تعطَّف/ لان" وهذا أنسب لصفة الرحمة في الله. في عدله حذر من نتيجة الشر، وفي رحمته استجاب لرجوع الخاطئ.

سفر يونان كرمز لحياتنا:

يرى البعض أن السفر يتضمن سر عظيم كل ما فيه يشير إلى حياتنا على الأرض:

من هؤلاء ميثوديوس 260-312م، يقول:

[تبدو قصة يونان تحوي سر عظيم. يبدو أن السمكة تشير إلى الزمن الذي لا يتوقف أبدًا ... أما يونان الذي هرب من وجه الله فهو الإنسان الأول الذي خالف الناموس، هرب حتى لا يُرى عاريًا من الخلود ... السفينة التي تتقاذفها الأمواج هي هذه الحياة القصيرة والصعبة في الزمن الحالي، كما لو كان انتقلنا من الحياة المباركة والآمنة إلى تلك الحياة العاصفة غير المستقرة كما من البر إلى سفينة. العاصفة التي تضرب هي تجارب هذه الحياة والتي لا تسمح لنا برحلة خالية من الألم في بحر هادئ خالٍ من الشرور. إلقاء يونان في البحر يشير إلى سقوط الإنسان الأول من الحياة للموت، حيث نال هذا الحكم بالموت لأنه بسبب خطيته سقط من البر: "أنت تراب وإلى تراب تعود". وابتلاعه من حوت يشير إلى انتقالنا الحتمي بمرور الزمن. وبطن الحوت المختفية التي ابتلعت يونان هي الأرض التي تستقبل الكل، ويفنى الكل بمرور الزمن. وكما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ وخرج سالمًا هكذا نحن الذين اجتزنا الثلاث مراحل في حياتنا الحالية على الأرض - البداية والوسط والنهاية - سنقوم ثانية. لأن زماننا الحاضر ثلاث مراحل: الماضي والحاضر والمستقبل. وهكذا قضى الرب ثلاثة أيام في بطن الأرض كمثال يعلِّمنا أن القيامة ستحدث بعد تحقق هذه الفترات. فعندئذ تأتي قيامتنا التي هي بداية المستقبل ونهاية كل هذا، ففي ذلك الزمان ليس هناك ماضِ أو مستقبل، وإنما فقط حاضر ... وخروجه سالمًا يشير إلى أن أجسادنا لن تفنى ... فمن غير المعقول أن نفني كلية ونحن صورة الله كأننا بلا كرامة. لهذا نزل الكلمة إلى عالمنا وأخذ جسدًا من طبيعتنا لكي يقيمه بغير فساد رغم أنه يتحلل بمرور الزمن. وحين نتتبع التدبير الذي جاء رمزيًا على لسان النبي سنجد كل الأمر واضحًا هكذا.][19]


المراجع

1.      قداسة البابا شنودة الثالث، تأملات في سفر يونان النبي – سلسلة دراسات في الكتاب المقدس، الناشر: الكلية الإكليريكية، الطبعة الأولى فبراير 1971.

2.      St. Cyril of Jerusalem, Catechetical Lectures: 14: 17-20, Vol. 7, Nicene and Post Nicene Fathers, second Series, WM. B. Eerdmans Publishing Company, Michigan,1996.

3.      St. Gregory Nazianzen, Oration 1 On His Flight to Pontus, Vol. 7, NPNF.

4.      St. John Chrysostom, Homily 5 On Colossians, Vol. 13, Nicene and Post Nicene Fathers, WM. B. Eerdmans Publishing Company, Michigan, 1989.

5.      ------------------------, Homily 25 On 1Cornithians, Vol. 12 NPNF.

6.      ------------------------, Homily 2 On 2 Corinthians, Vol. 12 NPNF.

7.      ------------------------, Homily 5 Concerning the Statues, Vol. 9.

8.      ------------------------, Homily 20: 21, Concerning the Statues, Vo. 9.

9.      St. Clement of Rome, First Epistle, Ch. 7, Vol. 1 Ante Nicene Fathers, WM. B. Eerdmans Publishing Company, Michigan, 1993.

10.  St. Justin Martyr, Dialogue with Trypho, Ch. 107, Vol. 1, ANF.

11.  St. Irenaeus, Against Heresies, Ch. 20, Vol. 1 ANF.

12.  St. Ambrose, Letter 20: 25, Vol. 10 NPNF.

13.   Methodius, On the History of Jonah, Vol. 6 Ante Nicene Fathers, WM. B. Eerdmans Publishing Company, Michigan, 1993.



[1]  قداسة البابا شنودة الثالث، تأملات في سفر يونان النبي، سلسلة دراسات في الكتاب المقدس، الطبعة الأولى فبراير 1971

[2] St. Cyril of Jerusalem, “Catechetical Lectures: Lecture 14: 17-20” p. 98, 99, Vol. 7, NPNF

[3] Ibid.

[4]  Ibid.

[5] Ibid.

[6]  Ibid.

[7] St. Gregory Nazianzen, Oration I “In Defense of His Flight to Pontus”, 106-107, p. 225, Vol. 7,  NPNF 

[8] Ibid. 108-109, p. 226

[9] St. John Chrysostom, Homily 5 on Colossians, p. 282-3, Vol. 13, NPNF

[10] St. Cyril of Jerusalem, Lecture 14: 17-20” p. 98, 99

[11] St. John Chrysostom: Homily 25 on 1st Corinthians, p. 147, Vol. 12, NPNF

[12] St. Clement of Rome: First Epistle Ch. 7, p. 7, Vol. 1, ANF

[13] St. John Chrysostom, Homily 2, on 2 Corinthians,  p. 281, Vol. 12

[14] Ibid. Homily 20: 21, Concerning the Statutes,  p. 480, Vol. 9

[15] St. Justin Martyr, Dialogue with Trypho, Ch. 107, p. 252-3, Vol. 1 ANF

[16] St. Irenaeus, Against Heresies, Ch. 20, p. 499-450, Vol.1, ANF

[17] St. Ambrose, Letter 20: 25, p. 426, Vol. 10 NPNF

[18] St. John Chrysostom, Homily 5 Concerning the Statues, p. 377-8, Vol. 9

[19] Methodius, On the History of Jonah, p. 378, Vol. 6 ANF



Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس