⸭
الصعود المجيد
د. وداد عباس توفيق
تحتفل الكنيسة القبطية بعيد الصعود المجيد بعد أربعين يومًا من قيامة رب المجد، الخميس السادس من القيامة المجيدة. تدرجه الكنيسة بين الأعياد السيدية الكبرى لما له من أهمية. ويعتبر جزء من احتفالات الخمسين يومًا المنتهية بعيد حلول الروح القدس (العنصرة).
فما أهمية الصعود المجيد لربنا ومخلِّصنا يسوع المسيح؟ وهل الصعود أمر مستحيل؟ وماذا عن الذين صعدوا من البشر من قبل؟ وكيف صعد الرب يسوع المسيح؟ ومن أين صعد؟ وارتباط صعوده بالجلوس عن يمين الآب.
أولاً - آيات وردت بها واقعة الصعود:
(مر 16: 19، 20): "ثم إن الرب بعدما كلَّمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله. وأما هن فخرجوا وكرزوا في كل مكان، والرب يعمل معهم ويثبِّت الكلام بالآيات التابعة".
(لو 24: 50-52): "وأخرجهم خارجًا إلى بيت عنيا، ورفع يديه وباركهم. وفيما هو يباركهم، انفرد عنهم وأُصعد إلى السماء. فسجدوا له ورجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيم".
(أع 1: 9-12): "ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون. وأخذته سحابة عن أعينهم. وفيما كانوا يشخصون إلى السماء وهو منطلق، إذا رجلان قد وقفا بهم بلباس أبيض وقالا: أيها الرجال الجليليون، ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء؟ إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء. حينئذ رجعوا إلى أورشليم من الجبل الذي يُدعى جبل الزيتون، الذي هو بالقرب من أورشليم على سفر سبت".
ثم قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني: "... وقام من الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب وصعد إلى السموات وجلس عن يمين أبيه، وأيضًا يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات. الذي ليس لملكه انقضاء .."
إشارات أخرى صريحة إلى الصعود في شواهد عديدة نستعرض بعض منها كمثال:
(أع 2: 33، 34): "وإذ ارتفع بيمين الله، وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سكب هذا الذي أنتم تبصرونه وتسمعونه. لأن داود لم يصعد إلى السموات. وهو نفس يقول: قال الرب لربي: اجلس عن يميني ...".
(يو 3: 13، 14): "وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء. وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان".
(يو 6: 62): "فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدًا إلى حيث كان أولاً!"
(يو 12: 32-34): "’وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليّ الجميع.‘ قال هذا مشيرً إلى أية ميتة كان مزمعًا أن يموت. فأجابه الجمع: ’نحن سمعنا من الناموس أن المسيح يبقى إلى الأبد، فكيف تقول أنت إنه ينبغي أن يرتفع ابن الإنسان؟‘".
(يو 20: 17): "لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم ...".
ثانيًا - أهمية الصعود:
- يمثل ذروة الأحداث التي بدأت بالتجسد في ملء الزمان.
- يعتبر انتهاء لفترة إخلاء الذات بعد تحقيق غرضه من التجسد إلى النهاية.
- تحقيقًا للنبوات، لذلك قيل: "وحين تمت الأيام لارتفاعه ثبَّت وجهه لينطلق إلى أورشليم" (لو 9: 51).
- بصعوده عاد لمجده السماوي الذي لم يظهره وهو على الأرض إلاّ في حالات قليلة مثل التجلي حين تغيَّرت هيئته قدامهم، وأضاء وجهه كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنور .. وإذا سحابة ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا"، حتى أن التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جدًا (مت 17: 1-5). وحتى في هذه المرة أوصى التلاميذ الذين كانوا معه على الجبل أثناء التجلي أن لا يعلِموا أحدًا بما رأوا حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات (مت 17: 9). وفي مرات أخرى أيضًا حين كان يصنع معجزة كان لا يدعهم يتكلمون، مثلما في شفاء الأعميين (مت 9: 30)، وحين كانت الشياطين تخرج من كثيرين وهي تصرخ وتقول: "أنت المسيح ابن الله!" كان ينتهرهم ولا يدعهم يتكلمون، لأنهم عرفوا أنه المسيح (لو 4: 41)، بل وحين اعترف بطرس أنه مسيح الله انتهرهم وأوصى أن لا يقولوا ذلك لأحد (لو 9: 20، 21).
- صعد ليحقق وعده بإرسال الروح القدس: "إن لم انطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله لكم" (يو 16: 7)، وأوصاهم أن لا يبرحوا أورشليم. وبالفعل ظلوا هناك إلى أن حل الروح القدس عليهم في هيئة ألسنة كأنها من نار واستقرت على كل واحد فيهم.
- بالصعود "رُفع في المجد" (1 تي 3: 16) .. الآب رفعه وأجلسه عن يمينه في السماويات، فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة وكل اسم يُسمّى ليس في هذا الدهر فقط بل في المستقبل أيضًا، وأخضع كل شيء تحت قدميه وإياه جعل رأسًا فوق كل شيء للكنيسة (أف 1: 19-23) .. "لذلك رفعه الله أيضًا، وأعطاه اسمًا فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء، ومن على الأرض، ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب، لمجد الله الآب" (في 2: 9-11) ..
ولكن هذا لا يعني أنه نال شيئًا جديدًا لم يكن له، فهو مرتفع بالفعل من الأزل لأنه والآب واحد، ولكنه ارتفع أولاً أمامنا في الصعود لكي نؤمن أنه هو الله الذي كان ظاهرًا في الجسد، والذي سبق أن أعلن الآب أنه ابنه موضع مسرته الذي ينبغي أن نسمع له (مت 17: 5)، وثانيًا أنه رفع البشرية فيه، في الجسد البشري الذي أخذه لكي نرتفع فيه وبه في الأبدية.
- صعد إلى حيث كان أولاً (يو 6: 62)؛ مضى إلى الآب الذي أرسله، وحيث يكون هو لا يمكن لهم أن يذهبوا (يو 7: 33) هذا لأن لا أحد يأتي إلى الآب إلاّ به (يو 14: 5؛ 16: 5، 10، 16) "خرجت من عند الآب، وقد أتيت إلى العالم، وأيضًا أترك العالم وأذهب إلى الآب" (يو 16: 28).
- صعد لكي يُعدّ لنا مكانًا كما وعد (يو 14: 2). ومتى أعدّ لنا مكانًا سيأتي أيضًا ويأخذنا حتى حيث يكون هو نكون نحن أيضًا (يو 14: 3).
- بصعوده اختتم حياته على الأرض بمباركة تلاميذه كرئيس كهنة: "فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات" (عب 4: 14-16). وصعد مباشرة بعد مباركتهم ليكمل عمله كشفيع دائم لكنيسته بدمه الذي سفكه من أجلها، وكوسيط عهد جديد (عب 9: 15). إن البركة التي بارك بها التلاميذ قبل الصعود ليست للتلاميذ فقط وإنما لكل الكنيسة المؤمنين به بكرازتهم.
- صعد بقوة لاهوته كما قام أيضًا، وحوله الملائكة. لم يحتاج لمركبة ولا أفراس، فهو يعرف الطريق حيث كان أولاً.
- بصعوده وهب لنا النِعم: "لكل واحد منا أُعطيت النعمة حسب قياس هبة المسيح. لذلك يقول: إذ صعد إلى العلاء سبى سبيًا وأعطى الناس عطايا" (أف 4: 7، 8)
- صعد بعد أن نزل أولاً إلى أقسام الأرض السفلى: "الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات لكي يملأ الكل (أف 4: 9، 10).
- في صعوده تم الإعلان عن طريقة مجيئه الثاني الذي كان قد سبق وأوضحها لتلاميذه صراحة: "حينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء ... ويبصرون ابن الإنسان آتيًا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير" (مت 24: 30)؛ "من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة، وآتيًا على سحاب السماء" (مت 26: 64)؛ "وحينئذ يبصرون ابن الإنسان آتيًا في سحاب بقوة كثيرة ومجد" (مر 13: 26)؛ "أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة، وآتيًا في سحاب السماء" (14: 62). هكذا قال الملاكان أيضًا بعد صعوده أنه سيأتي بنفس طريقة صعوده. سيأتي بالجسد مرئيًا للجميع فوق السحاب (أع 1: 11). وهذا ما ورد أيضًا في سفر الرؤيا: "هو ذا يأتي مع السحاب، وستنظره كل عين، والذين طعنوه ..." (رؤ 1: 7).
ثالثًا - الصعود من بيت عنيا من جبل الزيتون:
بيت عنيا قرية تبعد عن أورشليم نحو سفر سبت (خمسة عشرة غلوة/2 ميل) (يو 11: 18) وهي على المنحدرالشرقي من جبل الزيتون قرب أورشليم الذي يفصله عنها وادي قدرون. وهناك أيضًا قرية بيت فاجي بالقرب من بيت عنيا .. في بيت عنيا يقع بيت لعازر وأختيه مريم ومرثا حيث كان الرب يسوع المسيح يزورهم مرارًا وهناك أقام لعازر من الأموات (يو 11)، وهناك أيضًا بيت سمعان الأبرص حيث سكبت المرأة الطيب على رأسه (مر 14: 3-9) .. صعد من بيت عنيا من جبل الزيتون قرب أورشليم. وصف زكريا النبي هذا المكان حيث يقف الرب وحيث يأتي ثانية قائلاً: "وتقف قدماه في ذلك اليوم على جبل الزيتون الذي قدام أورشليم من الشرق ... ويأتي الرب إلهي وجميع القديسين معك" (زك 14: 4، 5) .. شهد هذا المكان أحداث كثيرة، شهد بداية آلامه منذ دخوله منتصرًا إلى أورشليم كملك "وإذ قرب من بيت فاجي وبيت عنيا، عند الجبل الذي يُدعى جبل الزيتون، أرسل اثنين من تلاميذه .... " وأتيا بالجحش الذي ركبه الرب يسوع ودخل منتصرًا (لو 19: 29-38). ثم دخوله أورشليم بهذا الموكب وبدء آلامه. وهناك أيضًا كان يبيت، في النهار كان يعلِّم في الهيكل وكل الشعب يبكرون إليه ليسمعوه، وفي الليل يخرج ويبيت في جبل الزيتون (لو 21: 37، 38). وبعد كل لقاء مع تلاميذه يسبحون ويخرجون إلى جبل الزيتون (مت 26: 30). هناك أيضًا البستان في جثسيماني عبر وادي قدرون حيث صلى الرب يسوع وحيث تم القبض عليه (لو 22: 39-48) (يو 18: 1-4) .. وأخيرًا من جبل الزيتون صعد أمام التلاميذ.
رابعًا - موقف التلاميذ:
كانت أفهامهم قد بدأت تنفتح بعد ظهوراته خلال الأربعين يومًا، خاصة بعد أن ظهر في وسطهم وتحدث لهم حديثًا طويلاً وأخبرهم أنه يرسل لهم موعد الآب وأوصاهم أن يمكثوا في أورشليم في انتظاره (لو 24: 36-49). عندئذ أخرجهم خارجًا إلى بيت عنيا حيث جبل الزيتون، وهناك باركهم قبل أن يرتفع إلى السماء (لو 24: 50، 51).
ظلوا شاخصين وهو منطلق عندما انفرد عنهم وارتفع وأخذته سحابة عن أعينهم. لقد تأكدوا أنه ذهب حيث كان أولاً كما أخبرهم من قبل (يو 6: 62).
عندئذ سجدوا له! رغم أنه كان قد انطلق لكنهم بعد أن انفتحت أذهانهم تأكدوا أنه يراهم وهم يقدمون له السجود .. إنهم بهذا أعلنوا استمرار تبعيتهم له وأنه ربهم ومعلمهم وإلههم. لم يعودوا يهربون في خوف.
ثم رجعوا بفرح إلى أورشليم (لو 24: 52)، في طاعة كاملة رغم أنه موضع خطر حيث تم الصلب والآلام، لكنهم ما عادوا يخشون شيئًا. فهم فرحون لأنهم في انتظار الموعد الروح القدس. المرة الأولى حين أخبرهم بأنه سيتركهم ملأ الحزن قلوبهم (يو 16: 6)، أما الآن وهم يرونه بالفعل منطلق بعيدًا عنهم، فرحوا إذا تأكدوا من أهمية ذلك وأنه كان لابد أن ينطلق ليرسل لهم المعزي. هكذا انتظروا في فرح حلول الروح القدس.
وكانوا كل حين في الهيكل يسبحون ويباركون الله (لو 24: 53). لم يكتفوا بكونهم يواظبون على الصلاة والطلبة في العلية، ومعهم النساء ومريم أم يسوع وإخوته، وإنما كانوا يذهبون إلى الهيكل في مواعيد الصلاة يسبحون ويباركون الله. لم يكن الله قد تخلّى بعد عن الهيكل لأنه بيت أبيه. كان التلاميذ يعرفون أن الذبائح قد انتهت بتقديم المسيح ذاته ذبيحة، ولكن التسبيح لله لا يزال مستمرًا كما كان يفعل السيد المسيح وهو معه إذ كان في الهيكل كل يوم (لو 22: 53).
خامسًا - كيف صعد؟
"أخذته سحابة عن أعينهم" (أع 1: 9) .. عن السحاب تكلَّم الأنبياء ..
دانيال النبي رآه في الرؤيا في السحاب صاعدًا إلى الآب حيث أخذ سلطان وملكوت أبدي. السلطان والمُلك هما له من الأزل كابن الله، ولكن هذا في الناسوت الذي أخذه من أجل البشر ويظل محتفظًا به. وصف دانيال النبي الرؤيا قائلاً: "كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام. فأُعطي سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له كل الشوب والأمم والألسنة سلطان سلطان أبدي ما لن يزول، وملكوته ما لا ينقرض".
ويقول المرنم: "طأطأ السموات ونزل، وضباب تحت رجليه. ركب على كروب وطار، وقف على أجنحة الرياح" (مز 18: 9، 10)؛ "السحاب والضباب حوله" (مز 97: 2).
عن السحابة أيضًا يقول القديس يوحنا ذهبي الفم:
[كان هذا أيضًا علامة على أنه صعد إلى السماء. ليس نار كما في حالة إيليا، أو مركبة نارية، وإنما سحابة أخذته رمزًا للسماء، كما يقول النبي: "الجاعل السحاب مركبته" (مز 104: 3). وهذا قيل عن الآب نفسه. وفي الرمز يمكن أن نقول "القوة الإلهية" لأنه ليست هناك قوة أخرى تظهر على سحاب. واسمع أيضًا ما يقوله نبي آخر: "الرب جالس على سحابة منيرة" (إش 19: 1) ... ... وأيضًا على الجبل (سيناء) كانت السحابة بسببه ... السحابة هناك لم تكن بسبب موسى ... ... ... لذلك أيضًا عبارته "أخذته سحابة" لأنه هو نفسه ركب على السحاب ... و "سيأتي هكذا" أي بالجسد ... سوف يأتي ثانية للدينونة هكذا "على سحابة". ولماذا قيل "رجلان"؟ لأنهما هكذا شكَّلا نفسيهما تمامًا لكي لا يفزع من يراهما ... "لماذا واقفون تشخصون إلى السماء"، فلكي لا يستمرا في انتظار له ... سيأتي هكذا .. ستنظرونه آتيًا من السماء .... "سحاب وظلام تحت قدميه" (مز 18: 9؛ 97: 2).][1]
وعن الملاكان يقول القديس يوحنا ذهبي الفم أيضًا:
[وبينما هم يشخصون نحو السماء وهو يصعد إذا برجلان وقفا بهم في ثياب بيضاء قائلين: "أيها الرجال الجليليون، لماذا تشخصون في السماء هكذا؟ إن يسوع هذا الذي رأيتموه منطلقًا إلى السماء سوف يأتي هكذا كما رأيتموه (أع 1: 10، 11). مظهرهما مبهج (ثياب بيض). كانا ملاكين في هيئة رجلين.
وقالا "أيها الرجال الجليليون" ليظهرا أنفسهما موضع ثقة التلاميذ ... لأنه ماذا كانت الضرورة أن يذكرا بلدهم وهم يعرفونها جيدًا؟ أيضًا بظهورهما جذبا انتباههم وأظهرا أنهما من السماء.
ولكن لماذا لم يقل لهم المسيح نفسه هذا بدلاً من الملائكة؟ هذا لأنه كان قد سبق وقال لهم كل شيء: "ماذا لو رأيتم ابن الإنسان صاعدًا حيث كان أولاً؟" (يو 6: 62) ... "سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء"، لم يقولا "سوف يُرسل"، لأن الذي صعد هو نفسه الذي نزل (أف 4: 10).][2]
سادسًا - ارتباط صعوده بالجلوس عن يمين الآب:
اليمين يعنى موضع الكرامة والسلطة. رآه كثيرون وتحدَّث عنه كثيرون ...
يقول داود النبي: "قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتّى أضع أعداءك موطئًا لقدميك" (مز 110: 1).
يقول عنه القديس بولس الرسول: "... إذ أقامه من الأموات، وأجلسه عن يمينه في السماويات" (أف 1: 20) .. وفي (أف 4: 10) يقول"الذي صعد أيضًا فوق جميع السماوات لكي يملأ الكل"، فمن هو فوق جميع السموات سوى الله؟ وفي (كو 3: 1) .. ويقول أيضًا: "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق، حيث المسيح جالس عن يمين الله". (عب 8: 1). رآه استفانوس حين صرّوا بأسنانهم عليه وحنقوا بقلوبهم لتوبيخه لهم، "أما هو فشخص إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس، فرأى مجد الله، ويسوع قائمًا عن يمين الله . فقال: ها أنا أنظر السماوات مفتوحة، وابن الإنسان قائمًا عن يمين الله (أع 7: 55، 56).
ويتحدث القديس كيرلس الأورشليمي عن الصعود مذكِّرًا بالنبوات عن ذلك، وردًا على اليهود الذين يرون أن الصعود أمر مستحيل، والفرق بين صعود الرب يسوع ومن صعد من قبل من البشر، يقول:
[تذكروا ما كُتب في المزامير "صعد الله بهتاف" (مز 47: 5)، وتذكروا أيضًا القوات الإلهية يقولون الواحد للآخر: "ارتفعن أيتها الأبواب الدهريات، فيدخل ملك المجد" (مز 24: 7، 9) ... ... لأنه عندما يتكلم اليهود ضد صعود المخلص أنه مستحيل، تذكروا قصة رفع حبقوق، لأنه إذا كان حبقوق نقله ملاك من شعر رأسه (بعل والتنين 5: 33 - قارن حز 8: 3) ... (يقول حزقيال النبي: "... وأنا جالس في بيتي، ومشايخ يهوذا جالسين أمامي، أن يد السيد الرب وقعت عليَّ هناك. فنظرت وإذا شبه كمنظر النار، من منظر حقويه إلى تحت نار، ومن حقويه إلى فوق كمنظر لمعان كشبه النحاس اللامع. ومد شبه يد وأخذني بناصية رأسي، ورفعني روح بين الأرض والسماء، وأتي بي في رؤى الليل إلى أورشليم ... وإذا مجد إله إسرائيل هناك مثل الرؤيا التي رأيتها في البقعة" (حز 8: 1-4) .. فبالأحرى رب الأنبياء والملائكة، يقدر قوته أن يصعد بنفسه إلى السموات على سحابة من جبل الزيتون. عجائب كهذه قد تستدعونها لذهنكم، ولكن يظل التفوق للرب، صانع العجائب، لأن الآخرين حُملوا لأعلى، أما هو فيحمِل كل الأشياء. تذكروا أن أخنوخ نُقل (عب 11: 5)، أما يسوع فصعد. إيليا أصعد في مركبة نارية (2 مل 2: 11)، أما مركبات المسيح فهي عشرات الآف ضعف، بل آلاف الآلاف (مز 68: 17). إيليا أُصعد نحو شرق الأردن، أما المسيح فصعد من شرق الأردن وادي قدرون. إيليا أصعد كما إلى السماء، أما يسوع فإلى السماء. وإيليا قال أن يعطى ضعفين من روحه لتلميذه ... أما يسوع فمنح تلاميذه نعمة عظيمة أن يكون الروح داخلهم، بل أيضًا بوضع أيديهم يمنحون شركة الروح لمن يؤمنون.
ثم انظروا لتفوق مجد المخلِّص، فهم عبيد، وهو ابن الله ... بل تذكروا من جهة تفوقه أن خادمًا للمسيح أصعد إلى السماء الثالثة. فإذا كان إيليا أصعد إلى السماء الأولى أما بولس فإلى الثالثة فنال كرامة أكبر ... وإذا كان إيليا أصعد إلى السماء، أما بطرس فأخذ مفاتيح ملكوت السموات ما يحله على الأرض ..... (مت 16: 19).][3]
وعن الجلوس عن يمين الآب يقول أيضًا القديس كيرلس الأورشليمي:
[في قانون الإيمان يقول: "وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب". ليتنا لا نتفحص المعنى الصحيح للعرش، لأنه غير مدرَك ، ولا نحتمل أولئك الذين يقولون كذبًا أنه بعد صلبه وقيامته وصعوده بدأ يجلس عن يمين الآب. لأن الابن لم ينل عرشه بالترقي، ولكن طوال وجوده (ووجوده هو بالولادة الأزلية) أيضًا يجلس مع الآب. وهذا العرش رآه النبي إشعياء قبل تجسد المخلِّص، يقول: "رأيت السيد جالسًا على كرسي عالٍ ومرتفع" (إش 6: 1). فالآب لم يره أحد قط (يو 1: 18)، والمرنم يقول: "كرسيك يا الله من القديم .. " (مز 93: 2).
وفي (المزمور 109) يقول صراحة: قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك عند موطئ قدميك" (مز 110: 1). وأكَّد المخلص هذا القول في البشائر قائلاً أن داود لم يقل هذه الأشياء من نفسه ولكن بوحي الروح القدس، قائلاً: "كيف اذًا يدعوه داود بالروح: قال الرب لربي اجلس عن يميني" (مت 22: 43). وبطرس أيضًا في الأعمال يوم الخمسين وقف مع الأحد عشر يتحدث إلى بني إسرائيل بنفس الكلمات التي في (المزمور 109).
أيضًا بشهادات قليلة أخرى عن جلوس الابن عن يمين الآب لأن في البشارة بحسب متى مكتوب: "لكني أقول لكم من الآن ترون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة" (مت 26: 4-6) .. وهو يتفق مع ما كتبه بطرس الرسول أيضًا: "بقيامة يسوع المسيح الذي هو عن يمين الله إذ ذهب إلى السماء" (1 بط 3: 22). وبولس الرسول وهو يكتب لأهل رومية: "أن المسيح الذي مات، بل أنه قام ثانية، وهو عن يمين الله" (رو 8: 34). ولأهل أفسس: "بحسب عمل قدرته، الذي عمله في المسيح عندما أقامه من الأموات عن يمينه" (أف 1: 19، 20). ولأهل كولوسي علَّمهم هكذا: "إذا كنتم قمتم إذًا مع المسيح فاطلبوا ما هو فوق حيث المسيح جالسًا عن يمين الله" (كو 3: 1). وفي الرسالة إلى العبرانيين يقول "بعد أن صنع تطهيرًا لخطاينا جلس عن يمين العظمة في الأعالي" (عب 5: 13). وثانية: "ولكن بعد أن قدم ذبيحة واحدة عن الكل جلس إلى الأبد عن يمين الله ..." (عب 10: 12). وأيضًا: "ناظرين إلى يسوع رئيس إيماننا ومكمله الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي وجلس عن يمين عرش الله" (عب 12: 2).][4]
وما أجمل أن نختم بكلمات القديس كيرلس الأورشليمي للموعوظين، نصلِّي بها:
ليت الله إله الكل وأبو المسيح وربنا يسوع المسيح الذي نزل، ثم صعد، ويجلس مع الآب، يحفظ أنفسنا ويحفظ رجاءنا فيه دون أن يهتز أويتغيَّر، الذي قام ثانية ليقيمنا معه من موت خطايانا إلى موهبته السمائية، ويحسبنا مستحقين أن نصعد على السحاب لنلقاه في الهواء (1 تس 4: 17) في الوقت الذي يحدده، وإلى أن يأتي موعد مجيئه الثاني المجيد فليكتب أسماءنا جميعًا في سفر الأحياء ولا يمحوها أبدًا، وأن يهبنا جميعًا أن نؤمن بمن قام ثانية وننتظر الذي صعد وسيأتي (ليس من الأرض، فاحذروا المخادعين الذين سيأتون)، الذي يجلس في الأعالي والحاضر معنا الآن يرى حالة كل واحد وثباته في الإيمان (كو 2: 2). فلا تظنوا لأنه غائب بالجسد أنه غائب أيضًا بالروح. إنه هنا حاضر في وسطنا، يستمع لكل ما يقال عنا، ويرى المعارك الداخلية ويفحص الكلى والقلوب (مز 7: 9) ... له المجد إلى الأبد. آمين.[5]
Comments
Post a Comment