⸭
لقد طوَّب السيد المسيح الذين أمنوا دون أن يروا .. ولكنه لم يتخلَّ عن ضعاف الإيمان والمتشككين، بل إنه ظهر خصيصًا ليثبِّت إيمان الجميع .. لأنه "يريد أن جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون" (1 تي 2: 4) ..
الله هو الذي يسعى دائمًا لخلاص الإنسان رغم عناد قلب الإنسان وإغلاق عينيه وسد آذانه. لقد فعل هذا من البداية، منذ أخطأ الإنسان، فدبَّر له الفداء العجيب .. وهو باستمرار يمهد لكل أحد الفرصة تلو الفرصة لكي يؤمن الجميع ويتوبوا ويخلُصون .. السيد المسيح لا يزال يعمل كما قال بنفسه: "أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو 5: 17) .. بعد القيامة المجيدة ظهر عمله واضحًا في الظهورات التي تلتها لمدة أربعين يومًا ..
فما هي هذه الظهورات؟ وما الأعمال التي عملها خلال هذه الظهورات والغرض منها؟ ..
أولاً – الظهورات
ظهور الرب ست مرات في اليوم الأول:
- المرة الأولى لمريم المجدلية أولاً .. باكر بعد القيامة، في أول الأسبوع، ظهر الرب القائم أولاً لمريم المجدلية التي كان قد أخرج منها سبعة شياطين. فذهبت وأخبرت الذين كانوا معه وهم ينوحون ويبكون لكنهم لم يصدّقوا (مر 16: 9-11).
وتفصيل ذلك ورد في (يو 20: 11-18) جاءت مريم المجدلية في أول الأسبوع إلى القبر باكرًا، والظلام باقٍ، ورأت الحجر مرفوعًا فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس ويوحنا وقالت لهما أخذوا السيد ولسنا نعلم أين وضعوه! فجاءا إلى القبر حيث سبق يوحنا بطرس ونظر الأكفان موضوعة ولكنه لم يدخل. ثم تبعه بطرس ودخل القبر ونظر الأكفان موضوعة والمنديل الذي كان على رأسه ليس مع الأكفان بل ملفوفًا في موضعٍ وحده. عندئذ دخل يوحنا ورأى فآمن. ثم مضيا إلى موضعهما .. أما مريم فكانت واقفة تبكي عند القبر خارجًا ولما انحنت إلى القبر نظرت ملاكين بثياب بيض جالسين واحدًا عند الرأس والآخر عند الرجلين وسألاها لماذا تبكي، وبينما تكلِّمهما التفتت فرأت الرب واقفًا وسألها لماذا تبكي، فظنته البستاني وطلبت منه إن كان قد أخذه يقول لها أين وضعه لتأخذه. عندئد ناداها باسمها فعرفته وأمرها أن لا تلمسه لأنه لم يصعد بعد إلى أبيه. في هذه المرأة كلَّفها أن تذهب إلى إخوته وتقول لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم". وبالفعل جاءت مريم المجدلية وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب، وأنه قال لها هذا ..
- المرة الثانية لمريم المجدلية ومريم الأخرى (مت 28: 1-10) حيث وجدن الحجر مدحرجًا وملاك الرب جالسًا عليه ومنظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج. الحراس ارتعدوا، ولكنه قال للمرأتين "لا تخافا أنتما، فإني أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب. ليس هو ههنا، لأنه قام كما قال! وطلب منهما أن يذهبا ويقولا للتلاميذ أنه يسبقهم إلى الجليل. فخرجتا بخوف وفرح عظيم راكضتين لتخبرا تلاميذه. وهما منطلقتان لاقاهما يسوع وأعطاهما السلام فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له. وكلَّفهما - كما قال لهما الملاك - أن لا تخافا وأن تذهبا وتقولا لأخوته أن يذهبوا إلى الجليل هناك يرونه.
وتفصيل ذلك ورد في (لو 24: 1-11) أن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ومعهما يونا ونساء أخريات كن قد تبعنه من الجليل وأعددن حنوطًا وأطيابًا واسترحن في السبت وذهبن أول الأسبوع لوضع الحنوط .. فإذا رجلان بثياب براقة وقفا وقالا لهن: "لماذا تطلبن الحي بين الأموات؟ ليس هو ههنا، لكنه قام؟ اذكرن كيف كلمكمن وهو بعد في الجليل ... فتذكرن كلامه، ورجعن من القبر وأخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كله فتراءى كلامهن لهم كالهذيان ولم يصدقوهن.
وتكرَّر هذا في (مر 16: 1-8) .. حيث قال القديس مرقس أن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة اشترين حنوطًا وباكرًا جدًا في أول الأسبوع أتين إلى القبر وهناك رأين الحجر مدحرجًا وشابًا جالسًا عن اليمين لابسًا حلة بيضاء وقال لهما: "لا تندهشن! ليس هو ههنا .. ولكن اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس أنه يسبقكم إلى الجليل. هناك ترونه" فخرجن وهربن من الرعدة والحيرة ولم يقلن لأحد شيئًا.
- المرة الثالثة في نفس اليوم للأحد عشر على الجبل في الجليل حيث انطلقوا كما أمرهم (مت 28: 16-20).
- المرة الرابعة لتلميذي عمواس، كليوباس والآخر (مر 16: 12) (ويرى كثيرون أن الآخر هو سمعان من السبعين تلميذًا)، وحين أخبرا الباقين لم يصدقاهما أيضًا .. وبأكثر تفصيل في (لو 24: 13-33) حيث يقول القديس لوقا أنهما كانا منطلقان إلى عمواس فظهر لهما الرب وكان يمشي معهما لكنهما لم يعرفاه. وكان يتحدثان عنه وكيف أسلمه رؤساء الكهنة والحكام إلى الموت وصلبوه وأنهم كانوا يرجون أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل، وأن بعض النساء أخبروهم أنه قام .. عندئذ وبخ عدم فهمهما وبطء قلوبهما في الإيمان بما تكلَّم به الأنبياء وابتدأ يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب .. ثم اتكأ معهما وأخذ خبزًا وبارك وكسَّر وناولهما فانفتحت أعينهما وعرفاه ثم اختفى عنهما ..
- المرة الخامسة لبطرس وحده كما ورد في (لو 24: 33، 34) حيث بعد رجوع تلميذي عمواس إلى أورشليم "وجدا الأحد عشر مجتمعين، هم والذين معهم وهم يقولون أن الرب قام بالحقيقة وظهر لسمعان" .. وقد ذكر القديس بولس الرسول هذا أيضًا في (1 كو 15: 5): "وأنه ظهر لصفا أولاً ثم للاثني عشر".
- المرة السادسة ظهوره للتلاميذ في العلية عشية ذلك اليوم ذاته الذي ظهر فيه للمجدلية، وكان التلاميذ مجتمعين والأبواب مغلَّقة خوفًا من اليهود فجاء ووقف في وسطهم (يو 20: 19). وورد نفس الظهور في (مر 16: 14-18) أنه ظهر لهم وهم متكئون ووبخ عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم لأنهم لم يصدقوا الذين رأوه. وفي (لو 24: 36-49) ورد أنه بعد رجوع تلميذي عمواس إلى أورشليم وجدا التلاميذ مجتمعين فقصوا عليهم كيف رأوه، وإذا بالرب يسوع نفسه في وسطهم.
ظهورات أخرى في أوقات مختلفة:
- بعد ثمانية أيام من القيامة، الأحد التالي، ظهر للتلاميذ ومعهم توما، حيث أنه في المرة الأولى لم يكن معهم، وذلك لكي يثبِّت إيمانه (يو 20: 26، 27). في هذه المرة جعله يبصر يديه ويضع يده في جنبه، وطوَّب اللذين آمنوا ولم يروا. لذلك دُعي "أحد توما" وهو من الأعياد السيدية الصغرى.
- ظهوره لسبعة تلاميذ على بحر طبرية وهم يصطادون: سمعان بطرس، وتوما، ونثنائيل، وابنا زبدي، واثنان آخران. في هذه المرة لم يصطادوا شيئًا إلى أن ظهر لهم الرب في الصبح وجعلهم يلقون الشبكة إلى جانب السفينة الأيمن ليجدوا السمك. وحين فعلوا هكذا لم يعودوا يقدرون أن يجذبوها من كثرة السمك الكبير (مئة وثلاثًا وخمسين) (يو 21: 1-14).
- هوره دفعة واحدة لأكثر من خمسمائة أخ حسب رواية القديس بولس الرسول في (1 كو 15: 6)، ولم يحدِّد اليوم أو الوقت.
- ظهوره ليعقوب الرسول (1 كو 15: 7).
- ظهوره لبولس الرسول حسب قوله: "وآخر الكل – كأنه للسقط – ظهر لي أنا" (1 كو 15: 8).
ثانيًا - الأعمال التي عملها الرب يسوع المسيح بعد قيامته
أولاً - قدّم لهم اثباتات قيامته وألوهيته من خلال الظهورات على مدى أربعين يومًا: "الذين أراهم أيضًا نفسه حيًا ببراهين كثيرة، بعد ما تألم، وهو يظهر لهم أربعين يومًا، ويتكلَّم عن الأمور المختصة بملكوت الله" (أع 1: 3) .. من هذه البراهين من خلال الظهورات:
- أراهم يديه ورجليه أن له لحم وعظام حين ظهر للتلاميذ مجتمعين (لو 24: 39؛ يو 20: 19) .. ثم حين ظهر لهم مرة أخرى ومعهم توما وجعله يبصر يديه ويضع يده في جنبه (يو 25-27) ..
- أظهر معرفته المطلقة أنه كليّ العلم والمعرفة (يو 21: 6) .. عندما وجد التلاميذ على بحر طبرية لم يصطادوا شيئًا طوال الليل، ظهر لهم في الصبح على الشاطئ وقال لهم أن يلقوا شباكهم ليصطادوا السمك، فألقوها ووجدوا الكثير من السمك الكبير (مئة وثلاثًا وخمسين)، ورغم امتلاء الشبكة لم تتخرق (يو 21: 11)!
- وفي نفس هذه المرة صنع معجزة أنهم بعد أن خرجوا إلى الأرض نظروا جمرًا موضوعًا وسمكًا موضوعًا عليه وخبز! رغم أنه لم يكونوا قد أخرجوا بعد السمك الذي اصطادوه، لأن الرب قال لهم بعد ذلك "قدِّموا من السمك الذي أمسكتم الآن" (يو 21: 9-12).
- وأيضًا معرفته بأن بطرس سوف يستشهد (يو 20: 18، 19) ..
- ومن خلال تفسيره الأمور المختصة به في جميع الكتب من موسى وجميع الأنبياء. وأيضًا ذكَّرهم بالكلام الذي كلمهم به من قبل أنه لابد أن يتم ما هو مكتوب عنه في ناموس موسى والأنبياء .. ثم أعلن أن هذا هو الذي تم فيه، فقال: "هكذا هو مكتوب. وهكذا كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات في اليوم الثالث، وأن يكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم، مبتدأً من أورشليم" (لو 24: 44-47) ..
- ثم من خلال طريقة كسر الخبز ومناولة تلميذي عمواس، فقد تصرف كما فعل يوم خميس العهد لذلك انفتحت أعينهما للوقت، ثم اختفى عنهما (لو 24: 30، 31).
- إعلن أن له كل سلطان في السماء وعلى الأرض (مت 28: 18).
- أنه موجود مع تلاميذه (كنيسته) كل الأيام إلى انقضاء الدهر (مت 28: 20).
- أن من يؤمن به ويعتمد يخلص، ومن لم يؤمن يُدن (مر 16: 16).
ثانيًا – أعطى سلطان للمؤمنين أن يصنعوا الآيات باسمه، يخرجون الشياطين، ويتكلمون بألسنة جديدة، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون، ويحملون حيات وإن شربوا شيئًا مميتًا لا يضرهم (مر 16: 17، 18).
ثالثًا – أظهر استياءه من عدم الإيمان وقساوة القلب بتوبيخه للتلاميذ مجتمعين لأنهم لم يصدِّقوا الذين رأوه (مر 16: 14)، ثم مرة أخرى لتلميذي عمواس لعدم فهمهم للكتب والنبوات(لو 24: 25)، وأيضًا بتطويب الذين يؤمنون ولم يروا (يو 20: 29).
رابعًا – أعلن من خلال ملاكين أثناء صعوده عن كيفية مجيئه الثاني، أنه سيأتي من السماء على السحاب كما انطلق إلى السماء في صعوده.
رابعًا - إعطاء تكليفات:
- تكليف التلاميذ بأن يتلمذوا جميع الأمم ويعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، ويعلموهم كل ما أوصاهم به (مت 28: 19، 20).
- إعطاؤهم الروح القدس للرسولية: "كما أرسلني الآب أرسلكم أنا" (يو 20: 21)، وسلطان المغفرة: "اقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت" (يو 20: 22).
- تكليفهم بأن يكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها في العالم أجمع (مر 16: 15). فلم يعد الأمر قاصرًا على اليهود بل امتد للأمم أيضًا.
- تأكيد إرساله لهم موعد الآب الروح القدس لينالوا معمودية الروح، ولهذا عليهم أن لا يبرحوا أورشليم حتى يلبسوا قوة من الأعالي لكي يمكنهم أن ينطلقوا للكرازة بهذه القوة (لو 24: 49). وكان قد سبق وتحدًّث معهم عن إرسال الروح القدس بعد انطلاقه ليمكث معهم إلى الأبد (يو 14: 16، 26؛ 16: 7)
- إعادة بطرس لإرساليته بعد إنكاره (يو 21: 15-17).
- مباركتهم في آخر ظهور له إذ أخرجهم خارجًا إلى بيت عنيا، ورفع يديه وباركهم، وفيما هو يباركهم، انفرد عنهم وأُصعد إلى السماء، حيث يجلس عن يمين الآب (مر 16: 19). فسجدوا له ورجعوا إلى إورشليم بفرحٍ عظيم" (لو 24: 50، 51) .
أيضًا من خلال هذه الظهورات أعطانا فكرة عن الجسد الممجد الذي سوف يكون لنا حين نقوم لأننا "كما لبسنا صورة الترابي، سنلبس أيضًا صورة السماوي" (1 كو 15: 49) .. حين يأتي مخلِّصنا الرب يسوع المسيح "الذي سيغيِّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده .." (في 3: 21).
عرفنا سمات هذا الجسد أنه ذات الجسد الذي لنا الآن، لأنه ظهر محتفظًا بالجروح في يديه وجنبه (لو 24: 39-40) (يو 20: 20، 27)، ولكنه ليس جسد مادي تعوقه الحواجز أو قوانين الجاذبية .. هكذا كان يظهر فجأة للتلاميذ (لو 24: 36) وكان يختفي (لو 24: 31) وكان يدخل والأبواب مغلَّقة (يو 20: 19-26) وأنه رغم ذلك لم يتحوَّل إلى روح كما قال: "إني أنا هو! جسّوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي" (لو 24: 29) بل إنه أكل معهم ليؤكد لهم أنه هو ويؤمنوا (لو 24: 42-43).
⸭
Comments
Post a Comment