العذراء مريم في فكر الكنيسة والآباء

 

 

 

 

 

 

العذراء القديسة مريم

في فكر الكنيسة والآباء

 

 

 

          دكتورة وداد عباس توفيق

 

 

2022

 

 

 فهرس الموضوعات

القديسة العذراء مريم والدة الإله. 4

أولاً – مكانة العذراء في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. 4

تكريم وليس عبادة 5

ثانيًا - دوام بتوليتها 6

تاريخ التشكيك في دوام بتولية العذراء. 6

أهمية التمسك بالإيمان بدوام بتولية العذراء. 7

هل بالمنطق السليم يمكن أن قد تزوجت وأنجبت بعد أن ولدت القدوس؟. 8

ثالثًا – من هم أخوة يسوع. 11

رابعًا – لفظ "حتى/إلى" لا يعني تغيُّر الحال بعدها 14

خامسًا – مفهوم لفظ "البكر". 15

سادسًا - دوام بتولية العذراء القديسة مريم في فكر الآباء. 16

سابعًا - دوام بتولية العذراء في التسبحة اليومية. 17

ثامنًا - نياحتها وإصعاد جسدها 19

نياحة العذراء مريم 21 طوبة وارتباطه بصعود جسدها 19

في التقليد المبكر. 22

تطور هذا الاعتقاد في الكنائس الأخرى.. 22

فكر كنيسة روما عن العذراء. 23

فكر الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. 23

الفكر البروتستانتي عن العذراء وإصعاد جسدها 23

إصعاد جسد العذراء في الأبوكريفا 24

الزنار وقصة اكتشافه. 25

عاشرًا – رموز وفضائل وألقاب العذراء القديسة مريم. 27

أولاً – رموز العذراء في العهد القديم. 27

ثانيًا - فضائل العذراء. 28

الحادي عشر - القديسة مريم في تسبحة كيهك

شهر كيهك وتسابيح (7 ‘ 4). 30

لقب الثيؤطوكوس.. 31

ارتفاع العذراء عن الطغمات السمائية. 31

العذراء والدة الإله. 32

أنه الخالق للكل. 32

أن الذي حملت به هو المن السماوي.. 33

أن الذي حملت به نور من نور إله حق من إله حق.. 33

أقنوم الابن متحد بالناسوت اتحاد أقنومي.. 34

العدل والرحمة واضحين في سر التجسد. 34

أزلية الابن وطبيعتيه المتحدتين بغير انفصال. 35

هو الله الذي حل في أحشاء العذراء بنار لاهوته. 35

لاهوت السيد المسيح المولود من العذراء. 35

محبة الله غير المحدودة للبشر وألوهيته وطبيعة تجسده 36

المولود من العذراء هو ذاته الله المتجسد، الخالق، الواحد مع الآب.. 37

 

 

القديسة العذراء مريم والدة الإله

العذراء القديسة مريم أم الله شفيعتنا وفخر جنسنا وملجأنا الأمين .. المطوَّبة في كل الأجيال كما تنبأت في تسبحتها إنها والدة مخلِّصنا وفادينا ابن الله الوحيد الذي تجسد في أحشائها ... هذا إيمان الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تردده يوميًا في صلواتها وفي قانون الإيمان وفي التسبحة وخاصة تسبحة شهر كيهك التي تبرز فيها هذه الحقيقة ... يصعب تناول كل جوانب حياتها الطوباوية فهناك الكثير ليقال عن فضائلها وحياتها ومرافقتها رب المجد طوال حياته على الأرض ومشاركتها الخدمة مع الرسل بعد قيامته وصعوده وإلى وقت نياحتها وإعلان إصعاد جسدها المبارك ... وإن كان لا يمكن تناول كل شيء عن هذه الدرة الثمينة التي أنجبت لنا الفادي، فلنحاول أن ننال بركة الحديث عنها ولو بكلمات قليلة في بعض جوانب من حياتها المقدسة ملتمسين معونتها وشفاعتها ...

أولاً – مكانة العذراء في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

تكرِّم كنيستنا القبطية الأرثوذكسية العذراء القديسة مريم وتضعها في مرتبة أعلى من الشاروبيم وكل صفوف الملائكة، وأعلى من الرسل والأنبياء وكل القديسين .. وهذا ليس بغريب فهي والدة الإله الثيؤطوكوس كما نردد في كل صلواتنا في مقدمة قانون الإيمان: "نعظمك يا أم النور الحقيقي ونمجدك أيتها العذراء القديسة والدة الإله"، مؤكدين في كل صلاة إيماننا بأنها ولدت الله الكلمة المتجسد.

هي لا تحتاج إلى تكريم منا، لأنها مكرَّمة من الله ومن ابنها ربنا يسوع المسيح ... لكن نحاول بذلك أن نعبر عن حبنا لها وحاجتنا إلى معونتها وشفاعتها  لنا عند مخلصنا الذي ولد منها ...

تكرِّمها الكنيسة بطرق كثيرة ... من بينها:

-         تسابيح يومية وذكصولوجيات خاصة لها.

-         شهر كامل مخصَّص لها نترنم فيه بفضائلها وألقابها ورموزها بتسابيح وألحان وترانيم. إنه شهر كيهك الذي نتذكَّر فيه حبلها بالسيد المسيح وولادتها له، والذي ينتهي بعيد الميلاد المجيد.

-         تذكرها الكنيسة في القداس الإلهي في "مجمع القديسين" قبل كل القديسين، وحتى قبل القديس يوحنا المعمدان.

-         تُبني الكنائس على اسمها، وتوضع أيقوناتها في كل كنيسة على يمين الهيكل وفي أماكن أخرى. كما نضع أيقوناتها في بيوتنا، ونطلب شفاعتها وطلباتها عند ابنها ...

أيضًا تحتفل الكنيسة بعدة أعياد لها:

1.     البشارة بميلادها                              7 مسرى (أغسطس)

2.     ميلادها                                                 1 بشنس (مايو)

3.     دخولها الهيكل                              3 كيهك (ديسمبر)

4.     وصول العائلة المقدسة مصر              24 بشنس (1 يونيو)

5.     نياحتها                                       21 طوبة (29 يناير)

6.     تذكار إصعاد جسدها                        16 مسرى (22 أغسطس)

7.     تكريس أول كنيسة لها في فيلبي           21 بؤونة (يونيو)

8.     تجليها على قباب كنيستها بالزيتون       24 برمهات (2 أبريل)

9.     تذكار نياحتها شهريًا                        كل 21 من الشهر القبطي

تكريم وليس عبادة

لابد من توضيح أن الكنيسة في تكريمها للعذراء القديسة مريم وإن كانت تضعها في مرتبة أعلى من كل الملائكة والقديسين لكن لا تعبدها مع الله ولا تعتبرها شريكة في الفداء.

نحن في وضع مستقيم بين تطرفين:

أحدهما التطرف الكاثوليكي الذي يعتبر القديسة مريم شريكة في الخلاص بولادتها المخلِّص، فيرفعون لها الصلوات ويتعبدون لها. وإن كانوا يحاولون إنكار هذا بالقول أن هناك فرق بين العبادة للمسيح والتوقير لمريم، بينما كل ممارساتهم وصلواتهم تناقض هذا الإنكار. وهناك كتابات لأناس خرجوا عن الكنيسة الكاثوليكية يروون فيها مظاهر عبادة مريم. هذا بالإضافة إلى الاعتقاد بأنها وُلدت بدون الخطية الأصلية : عقيدة "الحبل بلا دنس" .

والتطرف الآخر البروتستانتي الذي يرى أن دورها يقتصر على ولادة المخلص، وأنها بعد ذلك عاشت حياتها كإمراة عادية، تزوجت وأنجبت أبناء آخرين.

كلا التطرفين غير مقبول في كنيستنا القبطية الأرثوذكسية.

ثانيًا - دوام بتوليتها

تاريخ التشكيك في دوام بتولية العذراء

تؤمن كنيستنا القبطية الأرثوذكسية، وكنائس أخرى عديدة، بأن العذراء مريم دائمة البتولية ... هذا الإيمان موجود منذ بداية الكنيسة الأولى، فمنذ أيام الرسل القديسين لم يكن هذا الإيمان موضع جدال على الإطلاق، وهذا ثابت من أقوال العديد من آباء الكنيسة الأوائل ... كما سنرى لاحقًا.

استمر هذا الإيمان حتى أوائل عصر الإصلاح. بل الغريب حقًا أن حتى المصلحين الأوائل أمنوا وكتبوا عن دوام بتولية العذراء، وكتاباتهم لا تزال موجودة.

من بين هؤلاء على سبيل المثال بعض قادة الإصلاح، مثل:

لوثر:[1] استخدم في كتاباته تعبير "دائمة البتولية" وحتى بعد أن رفض العقيدة المريمية استمر في اعتقاده بدوام بتوليتها، وبأنها أم الله، وكتب صراحة عن ذلك كما ورد في مجموعة مؤلفاته المنشورة، بل هناك عبارة شيقة في إحدي كتاباته يرفض فيها كل تجديف ضد العذراء ويعتقد أنه ينبغي أن يطلب الشخص العفو عن أي شر قاله أو فكر فيه ضدها!!! كما أكَّد أن أخوة يسوع هم أولاد عمه حسب عادة اليهود إطلاق أخوة على أولاد العم.  

ولترتش زوينجل:[2] يؤيد بشكل صريح ومباشر عقيدة دوام بتولية العذراء. وكتب ووعظ أكثر من مرة قائلاً: "أؤمن إيمان ثابت أن "مريم دائمة البتولية أم الله .... وظلت دائمًا عذراء نقية بلا دنس للأبد".

كالڤن:[3] أيد فكرة دوام بتوليتها ولكن ليس بالوضوح الذي أبداه لوثر. فقال أنها لم تنذر البتولية. ورغم ذلك اعترض على المجادلة بأن لها أولاد أخرين، الذين دُعوا "أخوة يسوع". وقال إن من يقول هذا ليس سوى شخص مغرم لأقصى حد بالجدل، ومثل هؤلاء يُظهرون أقصى جهل.

چون ويسلي:[4] أحد مؤسسي الميثوديست أيد عقيدة دوام بتولية العذراء قائلاً: أنها استمرت عذراء نقية بغير دنس.

ولكن بدأ الجدال مع المصلحين المحدثين، في محاولات لإنكار هذه العقيدة وتشويهها دون دليل كتابي أو حتى منطقي، سوى إدعاء أنه من المستحيل أن تكون القديسة مريم حفظت بتوليتها بعد أن ولدت الرب يسوع! ربما يرون أنه لا يوجد نص صريح في الكتاب المقدس عن ذلك بينما هم يلتزمون بالفكر الحديث "سولا سكريبتورا" Sola Scriptura، أي الكتاب المقدس فقط، وأيضًا ربما لتأكيد رفضهم فكرة عبادة مريم التي نشأت في الكنيسة الكاثوليكية.

وفي الجانب الآخر هناك الفكر الكاثوليكي وبدعة عبادة مريم التي بدأت في القرن الخامس بظهور نسخ أبوكريفا عن حياتها، وأدت إلى فكرة الحبل بلا دنس بمريم العذراء نفسها ...

أهمية التمسك بالإيمان بدوام بتولية العذراء  

يرى البعض أن دوام بتوليتها أمر غير هام لأنه لا يمس بشارة الخلاص! ولكن الحقيقة أنه من المهم تأكيد ذلك، لأنه يعني ببساطة أمرين:

إولاً الفهم السليم للكتاب المقدس والتعليم عن الرب يسوع المسيح وربط الآيات ببعضها البعض وعدم التوقف عند آية واحدة.

وثانيًا أنه يعني الفهم السليم لحياة القديسة مريم أنها ليست مجرد إناء احتوى ابن الله، الأقنوم الثاني من الثالوث القدوس، وبمجرد ولادته انتهت مهمتها! ولا هي البديل له في تحقيق خلاص البشر، بل استمر عملها ودورها في شهادتها له وتوجيهنا لطاعته والثقة في قدرته. ظهر هذا من بداية خدمته في عرس قانا الجليل، حين قالت للخدام في ثقة: "مهما قال لكم فأفعلوه" (يو 2: 5). ثم طيلة حياته كانت ملازمة وخادمة له، حتى إلى الصليب. لم تتركه بل وقفت ثابتة تحت الصليب، أحشائها تتألم لكن لا تهتز أو تخاف. وبعد صعوده لازمت التلاميذ شاهدة لألوهيته حتى وقت انتقالها.

ارتباط طاعتها العجيبة من وقت البشارة بدوام بتوليتها

-         في (لو 1: 30، 31) ظهر لها الملاك جبرائيل وبشرها قائلاً: "لا تخافي يا مريم، لأنك قد وجدت نعمة عند الله. وها أنت ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع"؛ ثم حين سألته كيف يكون هذا وهي لا تعرف رجلاً، قال لها: "الروح القدس يحل عليكِ، وقوة العلي تُظلِّلك، فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يُدعى ابن الله". ثم يأتي رد العذراء القديسة: "هوذا أنا أمة الرب. ليكن لي كقولك" (لو 1: 35، 38).

بتحليل العبارات في إنجيل لوقا نخلص إلى ما يلي:

-         طاعة عجيبة من العذراء ، طاعة ممتلئة إيمان وتسليم لمشيئة الله لها ... هذه الطاعة مع طهارتها التي فاقت الكل هي التي أهلتها لهذه الكرامة ولاختيار الله لها دون كل النساء في كل الأجيال ليتجسد منها، كما نطوبها في مدايح كيهك قائلين:"تطلع الآب من سماه ولم يجد من يشبه طهرك في كل طقوس أرسل ابنه تجسد منك. طوباك يا بكر وعروس" ... 

-         طاعتها العجيبة أيضًا تظهر في قبولها أن تحمل وتلد ابن الله دون زواج في مجتمع تتعرض فيه من تحمل دون زواج للعار والرجم الفوري. ومع ذلك هي لم تتراجع بل خضعت في وداعة دون مناقشة!

-         طاعة في الحال، وبفهم، لأنها كانت تعرف الكتب، لأنها عاشت في الهيكل منذ طفولتها وتسلَّمت الإيمان على يد أحبار اليهود، فكانت مثل الجميع تعلم أن المخلِّص سيأتي من نسل المرأة ليسحق رأس الحية كما تقول أسفار موسى النبي. وكانت كل من النساء في كل الأجيال تتطلع إلى أن يأتي هذا المخلِّص منها ...

هنا يجدر أن نناقش بالمنطق وجود أي احتمال لزواج العذراء القديسة مريم بعد ولادتها، أو أنها انجبت ثانية!

هل بالمنطق السليم يمكن أن قد تزوجت وأنجبت بعد أن ولدت القدوس؟

-         هل يمكن لمن أطاعت هكذا، وبعد أن عرفت أن المولود منها هو القدوس الذي تنتظره البشرية، أن تتغيَّر لتعيش حياة زوجة عادية لإنسان عادي؟!

-         كيف بعد أن حملت في جسدها من لا تسعه السماء والأرض؟!

-         هل يمكن لمن ظهر لها ملاك فعليًا وبشَّرها هذه البُشرى أن تقبل أن تتخلَّى عن رسالتها بمجرد أن أتمتها وتعود إلى حياة امرأة عادية؟!

-         ولماذا يقبل العالم فكرة التبتل والرهبنة للنساء والرجال باختيارهم، ولا يقبل فكرة أن تكرِّس العذراء التي حملت رب المجد حياتها لمن اختارها لهذه المهمة؟!

-         والأعجب أن يقبل العالم فكرة أن رهبان البوذية وأمثالهم يمكنهم إخضاع أجسادهم لقوة العقل والروح، ولا يقبل فكرة استمرار بتولية العذراء بعد هذا الحبل المقدَّس العجيب!

-         دعونا نتخيل: هل إذا ظهر لأحد ملاك، ولو دون رسالة، كيف ستتغيِّر حياته بعد ذلك؟! فكم بالأحرى رئيس الملائكة جبرائيل وبرسالة فريدة ينتظرها العالم! هل يمكن أن نتصوَّر أنها بعد أن أتمَّتها عاشت حياة زوجة عادية؟!

-         كيف وهي النقية طول حياتها بقبولها المهمة وأخذ مسئولية تربية ابن الله ورعايته في طفولته حتى صار رجلاً؟ هل وهي ترعاه كانت تمارس حياة الزيجة؟ لقد كانت معروفة بصمتها، تشاهد ابن الله المولود منها وكيف يحكي لها الرعاة البشارة التي قالها لهم الملاك وكيف ظهر لهم جمهور من الجند السماوي يسبح "المجد لله في الأعالى، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة" ... ثم ترى المجوس يسجدون له ويقدمون الهدايا الثمينة ... وتشاهده ينمو أمام عينيها وتشهد ما يصنعه من معجزات ... فكانت "تحفظ جميع هذا الكلام متفكِّرة به في قلبها" (لو 2: 19)!

-         كيف وهي تشاهد معجزاته، بل وتطلب منه أن يصنع معجزة في عرس قانا الجليل وتثق أنه يستجيب لطلبتها وأن المعجزة ستتم دون أي تشكك من جانبها؟!

-         وماذا عن القديس يوسف نفسه؟ بل هل يمكن أن يخطر ببال هذا القديس حامي التجسد، بعد كل ما شهده وصاحب ميلاد السيد المسيح وظهور الملاك له أكثر من مرة في رؤيا، بدايةً ليطمئنه أن يأخذ مريم امرأته وأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس، ثم للهروب إلى مصر، ثم للعودة منها ... هل يمكن بعد كل هذا أن يخطر بباله أن يعيش مع هذه القديسة النقية حاملة رب المجد حياة زيجة عادية؟! أمر لا يمكن أن يخطر ببال عاقل أو يقبله عاقل ...

-         لو قرأنا أسفار العهد القديم جيدًا لرأينا كيف أن تابوت العهد من لمسه كلَّفه حياته (عُزّا) (1 أخ 13: 9، 10)، فكيف يمكن ليوسف رجل الله أن يجرؤ ويقترب من مريم المختارة عرش الله القدوس، خاصة بعد الحلم الذي رآه؟

-         وإذا كان في العهد القديم نقرأ أن مجرد سماع صوت الرب يتكلَّم مع موسى النبي على الجبل والشعب وقوف أسفل الجبل كان يلزمه تقديس الشعب وأن لا يقربوا امرأة ولا يمسوا الجبل لئلا يموتوا (خر 19: 9-23) فكيف كان يمكن للقديس يوسف الذي يحفظ الشريعة أن يقترب من العذراء بعد أن رأي القدوس المولود منها والشهادات له من الرعاة والمجوس ورأى ميلاده العجيب ولمسه بيديه بعد ولادته؟!

-         ثم هناك النبوة في سفر حزقيال التي تقول أن هذا الباب يظل مغلقًا ولا يُفتح لأن منه دخل الرب إله إسرائيل فيظل مغلقًا (حز 44: 2) في إشارة إلى العذراء،وهو ما تذكرنا به الكنيسة في التسبحة !!

-         أيضًا كانت العذراء تتحرك مع أخوته فقط ولم يذكر الإنجيل أي أحد آخر معها غيرهم، ولا حتى القديس يوسف، كما في (مت 12: 46، 47؛ مر 3: 31، 32؛ لو 8: 19، 20) "وفيما هو يكلم الجموع إذا أمه وإخوته قد وقفوا خارجًا طالبين أن يكلموه" ... فلو كانت متزوجة لكانت تأتي مع زوجها أيضًا.

-         ثم السؤال الغريب الذي وجهته للملاك حين قال لها أنها ستحمل بابن: "كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً؟" (لو 1: 34) - وهو لم يكن سؤال شك كما كان سؤال زكريا الكاهن عن ميلاد يوحنا المعمدان وعوقب بسبب شكه (لو 1: 18-20) – السؤال غريب لأنها كانت على وشك الزواج من القديس يوسف، فلماذا لم تفكر أنها ستحبل بعد زوجها منه؟ ربما لأنها كانت تعرف أو تعتزم أن تظل عذراء بعد زواجها.

طوباك يا بكر وبتول

 ثالثًا – من هم أخوة يسوع

إذا كنا نؤمن بدوام بتولية أمنا العذراء القديسة، فمن هم أخوة يسوع الذين ذكرهم الكتاب المقدَّس؟ كيف ظهرت هذه الفكرة وأدت إلى إنكار بتوليتها؟

إن فكرة أن يكون لمريم أولاد آخرون طفت إلى السطح من شخص اسمه "هيلفيديوس" حوالي عام 380م، وسببت هياجًا كبيرًا لأن لا أحد كان له هذا الاعتقاد في ذلك الوقت.

وقد رد عليه القديس چيروم بكتاب "دوام بتولية المطوَّبة مريم - ضد هيلفيديوس". ولم يستطع هيلفيديوس أن يقدم ردًا، واندثرت نظريته. ولكنها ظلت كامنة لأكثر من 1500 سنة إلى أن عادت تطفو على السطح بين البروتستانت المحدثين. كما قام هراطقة غيره أيضًا ضد دوام بتولية العذراء، ويقولون أنها أنجبت بعد ولادة يسوع من القديس يوسف.

فلنر بداية ما هو تعريف لفظ "أخ" في الكتاب المقدَّس:

إن "الأخوة" في الكتاب المقدس كما يقول على سبيل المثال القديس چيروم أربعة أنواع: أخوة طبيعية، بالجنس، بالقرابة، وبالمحبة.[5] وقد أعطي أمثلة لكل نوع:

-         الأخوة الطبيعية كأخوة يعقوب وعيسو، واندرواس وبطرس، ويعقوب ويوحنا ...

-         الأخوة بالجنس كما قيل أن كل عبراني وعبرانية هم أخوة (تث 17: 15)، فبولس الرسول يعتبر كل أنسبائه حسب الجسد الإسرائيليين أخوته (رو 9: 3، 4) ...

-         الأخوة بالقرابة مثل إبراهيم ولوط ابن أخيه (تك 13: 8، 11؛ 14: 14): وأيضًا يعقوب ولابان خاله (تك 29: 11، 15) ...

-         ثم الأخوة بالمحبة، كل المؤمنين كقول الرب: "أنتم جميعًا أخوة" (مت 23: 8).

بالنسبة للسيد المسيح قد ورد لفظ "إخوته" في عدة آيات:

-         (مت 12: 46، 47 ؛ مر 3: 31، 32 ؛ لو 8: 19، 20) "وفيما هو يكلِّم الجموع إذا أمه وأخوته قد وقفوا خارجًا طالبين أن يكلِّموه. فقال له واحد: هوذا أمك وأخوتك واقفون خارجًا طالبين أن يكلِّموك".

-         (مت 13: 55-56 ؛ مر 6: 3) "أليست أمه تُدعى مريم، وإخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا؟ أوليست أخواته جميعهن عندنا؟"

-         (يو 2: 12) "وبعد هذا انحدر إلى كفرناحوم، هو وأمه وإخوته وتلاميذه ...".

-         (يو 7: 3-5) "فقال له إخوته ... لأن إخوته أيضًا لم يكونوا يؤمنون به".

-         (أع 1: 14) "كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلقة، مع النساء، ومريم أم يسوع، ومع أخوته".

-         (1 كو 9: 5) يذكر القديس بولس إخوة الرب ...

فإذا طبقنا المعنى العام هنا بالنسبة لأخوة يسوع نجد بعض الحقائق:

-         أن الكتاب المقدس يحوي إشارات كثيرة إلى يسوع على أنه ابن مريم، بينما لا نجد أية إشارة إلى أحد أخر على أنه حرفيًا ابن أو ابنة لمريم ... كما في واقعة بقاء يسوع في الهيكل وعمره 12 سنة لم يذكر أي أخوة له أو أولاد آخرين لمريم أمه (لو 2: 42-51). أيضًا في (مر 3: 20) "ولما سمع أقرباؤه خرجوا ليمسكوه، لأنهم قالوا أنه مختل!" فلم يذكر أي أخوة له!

-         كما لم يذكر إبدًا عن العذراء أنها أم إخوة يسوع وإنما فقط "أم يسوع" ...

-         وأيضًا لو كان ليسوع أي أخوة طبيعيين (بالجسد) لكان عند الصليب أودع أمه لرعاية أخيه بدلاً من تلميذه يوحنا وقوله لها "هذا هو ابنك" ولتلميذه يوحنا "هوذا أمك) (يو 19: 26-27). بينما كان التقليد اليهودي يفرض رعاية الأم في حالة موت الابن البكر للابن الثاني في الميلاد مما يؤكد أنه لم يكن لها أبناء آخرون.

-         وأيضًا دائمًا يقال "أمه واخوته" بتكرار حرف الجر "مع"، لتوضيح الانفصال بينهما كما في (أع 1: 14) "كانوا يواظبون على الصلاة والطلبة، مع النساء، ومريم أم يسوع، ومع أخوته" ... هنا ذكرت النساء ومريم بدون إضافة "مع". 

فمن هم إذًا إخوة يسوع؟

واضح من الكتاب المقدس أن إخوته هم أولاد مريم أخت أمه زوجة كلوبا أو حلفي، فقد جاء ذكرها في أكثر من موضع وأيضًا ضمن النسوة اللواتي تبعن يسوع إلى الصليب، مثلما في:

       (مت 13: 55 ؛ مر 6: 3) يذكر أسماء إخوته "إخوته يعقوب ويوسى وسمعان ويهوذا".

        وقد ذكروا ضمن التلاميذ الاثنى عشر في (مت 10: 2-4؛ مر 3: 14-19).

       وبأكثر وضوح في (لو 6: 15، 16) "يعقوب بن حلفى وسمعان الذي يُدعى الغيور، يهوذا أخا يعقوب" غير يعقوب ابن زبدي.

       هم أولاد حلفى أو كلوبا، كما يتضح من الآيات:

(مت 27: 55، 56): مريم المجدلية؛ ومريم أم يعقوب ويوسي؛ وأم ابني زبدي (أي يعقوب ويوحنا ابني زبدي)

(مر 15: 40، 41): مريم المجدلية؛ ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي؛ وسالومة ... وهنا يميز أن يعقوب ابن مريم زوجة كلوبا هو يعقوب الصغير، تمييزًا له عن يعقوب الكبير ابن زبدي.

(يو 19: 25): "وكانت واقفات عند صليب يسوع، أمه، وأخت أمه مريم زوجة كلوبا، ومريم المجدلية" ...

بهذا يتضح أن مريم زوجة كلوبا وأم يعقوب ويوسي هي أخت أمه ... وأن مريم أم يسوع غير مريم أم يعقوب ويوسي الذين دعوا إخوته. فلو كانوا أخوة يسوع بالجسد لقيل في أي آية من هذه الآيات مريم أم يسوع ويعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا!

هكذا نرى حسب الكتاب المقدس أن أخوة الرب: ليس بالطبيعة لأنه لم يرد أنهم أبناء مريم، ولا أبناء يوسف ... وليس بالجنس فلا يمكن أن يطلق أخوة على عدد قليل بينما تكون كل الأمة اليهودية لها نفس اللقب ... وليس بالمحبة، لأنه من كان أولى أن يدعى أخوته غير تلاميذه الذين تلقوا تعليمه مباشرة. هم إذن أخوته بمعنى القرابة أبناء خالته زوجة كلوبا.

رابعًا – لفظ "حتى/إلى" لا يعني تغيُّر الحال بعدها

في الآية (مت 1: 25) "ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر"، هل تعني تغيُّر الحال بعدها؟

في لغات الكتاب القديمة لا تعني بالضرورة تغيُّر الحال بعدها. وهناك العديد من الآيات تثبت ذلك، منها على سبيل المثال:

-         (2 صم 6: 23) "ولم يكن لميكال بنت شاول ولد إلى يوم موتها" ... فهل بعد موتها أصبح لها ولد؟!

-         (مز 72: 7) "يشرق في أيامه الصديِّق، وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر" ... فهل بعد أن يضمحل القمر لن يشرق الصدِّيق ولا يكون سلام في أيامه؟!

-         (مز 110: 1؛ مت 22: 42-45) "قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك" ... فهل بعد ذلك لن يكون جالسًا عن يمينه؟!

-         (مت 11: 23) "وأنت يا كفرناحوم  ... لو صنعت في سدوم القوات المصنوعة فيك لبقيت إلى اليوم" ... فهل بعد ذلك ما كانت ستبقى؟!

-         (مت 28: 20) "وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" ... وهل بعد انقضاء الدهر لن يكون معنا؟!

-         (رو 8: 22) "فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن" ... وبعد الآن ستكف عن الأنين والمخاض؟!

-         (1 تي 4: 13) "إلى أن أجيء اعكف على القراءة والوعظ والتعليم" ... وهل بعد أن يجيء يكف عن القراءة والوعظ والتعليم؟!

إذًا من المنطقي من حياة القديسة مريم ومن كل ما عرفناه أن هذا ينطبق على الآية "ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر" ... أنه لا يعني أنه عرفها بعد ذلك ...

 خامسًا – مفهوم لفظ "البكر"

هل يعني لفظ "البكر" في (لو 2: 7) أن مريم لها أبناء آخرين؟

معنى "ابن بكر":

كل ابن وحيد هو ابن بكر، ولكن ليس كل بكر هو ابن وحيد. فلفظ بكر تعني أنه ليس هناك من يسبقه، ولا تعني أن هناك من أعقبه. ونعرف من الكتاب المقدس أن كلمة "بكر" تعني "فاتح رحم" وكان الله يأمر موسى النبي أن يكرس له كل بكر فاتح رحم "قدِّس لي كل بكر، كل فاتح رحم" (خر 13: 2).

كما أن الوالدين اليهود لم يكونوا ينتظروا حتى يولد ابن ثان حتى يدعون الطفل بكرًا، لأن في الناموس اليهودي الطفل الأول كان يدعى دائمًا بكرًا، سواء كان له أخوة آخرين أم لا، وكانت له امتيازات عديدة.

ثم في العهد الجديد: في (عب 1: 6) علي سبيل المثال يقول القديس بولس: "ومتى أُدخِل البكر إلى العالم".. فلو أُخذت بمعنى وجود أبناء آخرين كانت تعني بالنسبة للتجسد أن هناك كلمة أخر، ابن ثانٍ لله! حاشا بالطبع! لم يرد على الإطلاق ما يفيد ذلك في الكتاب المقدَّس.

في الآيات: (رو 8: 29) "بكر بين أخوة كثيرين"؛ (كو 1: 15) "بكر كل خليقة" ... نجد تكملة هامة في الآيات التالية لها توضح معنى البكر بالنسبة للسيد المسيح: "فيه خُلق الكل ... الكل به وله قد خُلق. الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل ... " (كو 1: 16-19).

فهل يعقل أن هناك غيره فيه وبه وله خلق الكل، أو أنه اختص بكل ذلك دون أخوته التالين له! كلام غير منطقي يدحض نفسه.

سادسًا - دوام بتولية العذراء القديسة مريم في فكر الآباء

تكلَّم كثيرون من الآباء عن بتولية العذراء القديسة مريم، وعن أخوة الرب يسوع. من هؤلاء:

القديس أثناسيوس:

يقول مستنكرًا من ينكرون دوام بتولية العذراء كما يفعلون بإنكار مساواة الابن للآب في الجوهر، فالأمران واحد ولا يفيد البشر من ذلك شيء:

[أولئك الذين ينكرون أن الابن بالطبيعة من الآب ومساوٍ له في جوهره، فلينكروا أيضًا أنه أخذ جسد بشري من دائمة البتولية مريم.][6]

القديس أغسطينوس:

[قولها للملاك "كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً"" ما كان يمكن أن تقول هذا إلاّ إذا كانت قد نذرت نفسها من قبل كعذراء. ولكن لأن العادات في إسرائيل كانت ترفض هذا، تم تزويجها لرجل بار ليحفظ لها ما نذرته ... هكذا كانت ولادة المسيح من عذراء قررت أن تستمر عذراء قبل أن تعرف من الذي سيولد منها "][7]

يوحنا الدمشقي:

[هكذا دائمة البتولية ظلت حتى بعد ولادتها لا تزال عذارء. فلم يحدث أبدًا في أي وقت حتى موتها أنها اجتمعت برجل.][8]

 سابعًا - دوام بتولية العذراء في التسبحة اليومية

تناولت التسبحة والذكصولوجيات الكثير عن القديسة العذراء مريم، من حيث هي والدة الإله، ومن حيث بتوليتها، ومن حيث الكرامة التي تكرمها بها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. ولكن سوف نعرض فقط بعض فقرات وجيزة من التسبحة تؤكد ذلك:

        في ثيؤطوكية الثلاثاء القطعة السابعة وأيضًا في ذكصولوجية باكر:

"حملتِ الكلمة غير المحوى، وبعدما ولدتِه بقيتِ عذراء".

       في مديح واطس على ثيؤطوكية الأربعاء نرنم أنها باب المشرق الذي رآه حزقيال النبي مقفولاً:

"رأى في رؤياه حزقيال في المشرق بابًا مقفولاً محروس، وقد دخله الملك المتعال".

        في لبش الأربعاء، يتكرر هذا بشرح أكثر:

"حزقيال النبي يشهد قائلاً أنني رأيت بابًا ناحية المشرق مختومًا بخاتم عجيب. ولم يدخل فيه أحد إلا رب القوات. دخل وخرج منه وبقي مختومًا على حاله. الباب هو العذراء التي ولدت مخلصنا وقد بقيت عذراء بعد ولادته".

        في مديح على ثيؤطوكية السبت عن باب المشرق نصفه ثانية أنه:

"مقفولاً منصانًا مختومًا محفوظًا. دخل فيه وخرج رب الأرباب ... خرج منه وبقى مقفولاً على حاله كما كان موجودًا. هوذا أنت يا بكر بتول".

        وفي ثيؤطوكية الخميس، القطعة الثالثة:

"بعد أن ولدته لم يحل بتوليتها. وبهذا أظهرها بأنها والدة الإله"

        ثم في القطعة الخامسة من نفس الثيؤطوكية:

"هذه التي منها اجتمع معًا بتولية بلا دنس وميلاد حقيقي، لأنه لم يسبق الميلاد زواج، ولم يحل الميلاد أيضًا بتوليتها"

        وفي لبش الخميس أيضًا نشبهها بالعليقة التي اشتعلت فيها النار ولم تحترق:

"تأمل العليقة والنار مشتعلة فيه ولم تحترق أغصانها ولم يفسد ورقها، هي مثال لمريم العذراء غير الدنسة التي تجسد منه كلمة الآب ..."

       وفي مقدمة الذكصولوجيات:

نردد الصلاة التي نقولها في الساعة الأولى قبل مقدمة قانون الإيمان: "السلام لك أيتها القديسة الممتلئة مجدًا العذراء كل حين ...."

       ثم أكثر وضوحًا في الذكصولوجية الأولي، حيث نقول:

"العذراء هي سبط يهوذا التي ولدت مخلصنا، وبعد ولادته أيضًا بقيت عذراء"

        وأيضًا في الذكصولوجية الثانية:

"طوباك يا مريم لأنك ولدت الإله الحقيقي وبتوليتك مختومة، وأنت باقية عذراء".

       وفي ثيؤطوكية الجمعة

ندعوها "أم الله العذراء غير الدنسة" وأيضًا "أم الله فخر البتولية" فكيف تكون فخر البتولية إذا كانت حلت بتوليتها بالزواج؟!

        وفي ثيؤطوكية السبت القطعة السابعة:

"دُعيت أم الله: الملك الحقيقي: وبعد ما ولدته بقيت عذراء".

       وفي ثيؤطوكية الأحد القطعة الثانية:

نصفها بأنها التابوت المصفح بالذهب من كل ناحية المصنوع من خشب لا يسوس ... أي لا يمسها شيء.

        وفي التفسير نقول عنها:

أنها "هيكل منصان" ، "بكر مصون".

        وفي مديح العشرة أوتار، في الوتر التاسع نقول:

"والبكورية في حفظ ووقار".

        وفي القطعة التاسعة نقول:

"ولدت الكلمة بغير زرع بشر، وبتوليتك بغير فساد"

هي بحق كما ندعوها في المديحة:  "ست الأبكار"

 

ثامنًا- نياحتها وإصعاد جسدها

أحداث هامة في نهاية حياة العذراء المطوَّبة على الأرض، نتاول منها نياحتها وما قيل بشأنها، ثم إصعاد جسد ها المكرَّم:

              نياحة العذراء مريم 21 طوبة وارتباطه بصعود جسدها

يرى البعض أنه لم يرد نص صريح في الكتاب المقدس سواءً عن نياحة القديسة مريم أو عن صعود جسدها ... والحقيقة هناك العديد من النصوص الكتابية تُفسر على أنها تشير إلى نياحتها وإصعاد جسدها. نأخذ كمثال نص من سفر الرؤيا (رؤ 12 بأكمله):

في (رؤيا 12): كل الإصحاح يتحدَّث عن المرأة المتسربلة بالشمس، التي ولدت الابن الذكر العتيد أن يرعى جميع الأمم بعصا من حديد. وكيف أن التنين أراد أن يبتلع الولد، ولكن الولد اُختطف إلى الله، وإلى عرشه. أما المرأة فهربت إلى البرية حيث لها موضع مُعد من الله. ثم ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وملائكته وهزموهم، ولم يوجد مكان لهم في السماء بعد ذلك. طُرح التنين العظيم، الذي هو الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان كما يصفه الكتاب. وطرحت معه ملائكته. وأعطيت المرأة جناحي نسر عظيم لكي تطير إلى موضعها..

والتفسير الراجح لهذا الإصحاح حسب الكثيرين أن المرأة هي العذراء مريم وابنها الذي أراد الشيطان أن يبتلعه على الصليب هو السيد المسيح ولكنه صعد إلى الله وإلى عرشه، أما الشيطان وملائكته (التنين العظيم) فهزمه رئيس الملائكة ميخائيل وملائكته ولم يعد له وجود في السماء، بينما المرأة أُعطيت جناحي نسر لتطير إلى الموضع المعد لها إشارة إلى إصعاد جسدها. وهذا يتفق مع سفر التكوين عن نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية ...

هذا التفسير تأخذ به الكنيسة القبطية وهو موجود صراحة في التسبحة في ثيؤطوكية الخميس حيث تقول الثيؤطوكية أن "المرأة هي مريم السماء الجديدة التي على الأرض المشرق لنا منها شمس البر، لأن الشمس المتسربلة بها هي ربنا يسوع المسيح ... وتأخذ بهذا التفسير أيضًا الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية الشرقية ... هذا عن آيات الكتاب المقدس في هذا الصدد ...

لكن لدينا مصدر أساسي هو التقليد الكنسي السائد من العصور الأولى للمسيحية.

وهو تقليد مستقر في جميع الكنائس الرسولية تمثله الليتورجيات، والأيقونات، وأسماء الكنائس على اسمها، والتسابيح والتماجيد لها، وأقوال الآباء بشأنها، وأيضًا من بعض كتب الإبوكريفا ... وإن كان هناك بالطبع اختلافات حول الاعتقاد الخاص بها وبعض التفاصيل الخاصة بالاحتفال بأعيادها. فأبسط مثال على ذلك اختلاف موعد الاحتفال، فبينما الكنيسة القبطية تحتفل بعيدي نياحتها وإعلان إصعاد جسدها منفصليْن يوم 22 أغسطس مسبوقًا بخمسة عشر يومًا صوم، نجد الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والكنيسة الكاثوليكية تحتفلان بعيدي نياحتها وصعود جسدها مدمجيْن معًا يوم 15 أغسطس مسبوقًا بصوم 14 يوم. وعمومًا هذا الاتفاق على إقامة احتفال لها رغم اختلاف التاريخ هو تأكيد لما لها من كرامة في عقيدة هذه الكنائس.

أولاً بالنسبة لنياحة والدة الإله: يقول التقليد أنها بينما كانت تصلي في القبر المقدس كما اعتادت، أخبرها الروح القدس أنها على وشك الانتقال من هذا العالم. فجاءت إليها العذاري والرسل من كل أنحاء المسكونة حيث كانوا موجودين للتبشير، حملتهم سحابة بتدبير الروح القدس، وأحاطوا بفراشها. ثم حضر الرب يسوع المسيح له المجد مع طغمات الملائكة وأخبرها عن النعيم الأبدي المعد لها، ففرحت. ثم أسلمت روحها النقية في يدي ابنها وإلهها إلى السماء.

ويقول هذا التقليد أيضًا، والذي تأخذ به الكنيسة القبطية ومسجَّل في السنكسار يوم 21 طوبة، أنه أثناء سير الرسل حاملين الجسد إلى جثسيماني حاول اليهود منعهم من دفن الجسد، ومد أحدهم يده وأمسك بالتابوت فانفصلت في الحال يديه عن جسده والتصقت بالتابوت. ندم على فعله الشرير وبكي بمرارة، وبتوسلات الرسل القديسين عادت يديه والتصقتا بجسده فآمن بالرب يسوع. ثم أكمل الرسل السير بالموكب ودفنوا الجسد بإكرام كبير. وظلت أصوات التسابيح الملائكية حول القبر ومع رائحة بخور ذكية عطرت المكان كله لمدة ثلاثة أيام ثم انقطعت، حيث كانت الملائكة قد حملت الجسد الطاهر.

وعن قصص نياحتها نشير إلى أن أقدم قصة معروفة عن نياحتها وردت في كتاب بعنوان "كتاب نياحة مريم" الذي ظل سليمًا في الترجمة الأثيوبية، ربما تمت كتابته في القرن الرابع. هناك أيضًا كتابات الأبوكريفا المسيحية التي ترجع إلى القرن الثالث. وأيضًا 6 كتب عن النياحة أقدم النسخ منها محفوظة ضمن المخطوطات السريانية للقرن الخامس والسادس رغم أن النص نفسه يرجع إلى القرن الرابع.

ورغم هذا هناك بعض أفكار خاطئة بشأن نياحة العذراء وبالتالي إصعاد جسدها ...

فقد ظهر فكر يقول أنها لم تمت ولكن أُصعدت حية إلى السماء لأن لا يمكن أن الجسد الذي حمل المخلص يموت ويدفن في القبر!!! وحجتهم أن التقليد ليس واضحًا في أمر نياحتها وصعود جسدها.

هذا الفكر لم يجد تأييدًا من معظم الكنائس، فتكاد تكون كل الكنائس تؤمن بأنها رقدت ودُفنت بالفعل حسب الروايات العديدة السائدة من العصور الأولى للكنيسة. وربما لهذا السبب تحتفل الكنيسة القبطية بعيد نياحتها منفصلاً في 21 طوبة تأكيدًا لهذا الاعتقاد.

كما أن التقليد الخاص بنياحتها ودفنها يتأكد بوجود قبر العذراء مريم الفارغ في أورشليم أسفل جبل الزيتون وكنيسة القبر، وأيضًا وجود الزنار المرتبط بإصعاد جسدها.

تحتفل الكنيسة في 22 أغسطس كل عام بعيد إعلان إصعاد جسد أمنا العذراء القديسة. فسوف  نتناول الآراء بشأنه، وأدلة إصعاد جسدها، والزنار وما قيل حوله:

في التقليد المبكر

تأخذ كنائس عديدة وأيضًا الكنيسة القبطية بهذا التقليد، وهو مسجل في السنكسار يوم 16 مسرى: أن توما الرسول كان غير حاضر في أورشليم أثناء انتقال القديسة مريم إذ كان يبشر في الهند وأثناء عودته رأي جسدها الطاهر تحمله الملائكة وتصعد به إلى السماء. وقال له أحد الملائكة: "اسرع وقبِّل جسد القديسة مريم" ... ففعل هكذا، وأنها ألقت زنارها إليه كشهادة للحدث.

وعندما وصل إلى التلاميذ أخبروه عن انتقال القديسة مريم فقال لهم: "تعلمون كيف تصرفت عند قيامة السيد المسيح، فلن أؤمن إن لم أر جسدها". فذهبوا معه إلى القبر، وكان هذا بعد اليوم الثالث من نياحتها، ولما كشفوا مكان الجسد لم يجدوه، فتعجبوا واحتاروا. فأخبرهم القديس توما عندئذ بما حدث وأراهم الزنار ... بهذا يكون القديس توما الرسول هو الوحيد الذي رأى صعود جسد العذراء والدليل القوي هو الزنار الذي التقته ليكون شاهدًا للحدث، والموجود حتى الآن.

وبناءً على ذلك طلب الرسل من الرب أن يدعهم يرون ما تم في الجسد الطاهر وقرروا صومًا أسبوعين، وفي اليوم 16 من شهر مسرى (22 أغسطس) ظهر لهم الرب يسوع المسيح ومعه العذراء القديسة مريم وأعلمهم أن جسدها في السماء محفوظًًا لأن الجسد الذي حمل الكلمة لا يبقى في تراب الأرض مثل باقي الأجساد.

هذه عقيدة كنيستنا القبطية الأرثوذكسية وعديد من الكنائس عن إصعاد جسدها الطاهر.

تطور هذا الاعتقاد في الكنائس الأخرى

تؤمن معظم كنائس العالم في الشرق والغرب بهذا، بناءً على التقليد من القرون الأولي، ومن الليتورجية والأيقونات الخاصة بصعود جسدها في كل العالم.

بدأ الاحتفال بهذا العيد في الكنائس الشرقية من القرن الخامس. وبنهاية القرن الثامن انتقل الاحتفال به إلى الغرب فلم يعد الاعتقاد فقط بنياحتها، بل أيضًا بصعود جسدها. وإن كان بعض المؤرخين يرون أن الاحتفال كان بالفعل شائعًا قبل مجمع أفسس في 431م.

في كنيسة روما الكاثوليكية استمر الاحتفال مثلما في باقي الغرب إلى أن أُعلن كعقيدة رسمية للكنيسة من البابا بيوس 12 سنة 1950 بحيث أن من لا يؤمن بذلك يعتبر خارجًا كلية عن الإيمان الكاثوليكي.

فكر كنيسة روما عن العذراء

يتلخص في ثلاثة أمور:

أولاً أن وعد الرب لكل منا بالحياة الأبدية وقيامة الأجساد تحقَّق في مريم.

ثانيًا لكونها كانت بلا خطية قبل ميلادها (وُلدت بدون الخطية الأصلية) ولأنها دائمة البتولية فلا يمكن أن تكون خضعت لتحلل الجسد الذي هو نتيجة الخطية الأصلية.

ثالثًا أنها بحملها المسيح لعبت دورًا هامًا كأمه في فداء الأنسان وشاركت الرب ملتصقة بحياته وآلامه وموته وقيامته، وكانت حاضرة في يوم الخمسين، لذلك بحق شاركت في قيامته الرب الجسدية ومجده في نهاية حياتها.

فكر الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

في مقابل فكر كنيسة روما  

-         تؤمن الكنيسة القبطية بدوام بتوليتها وإصعاد جسدها

-         ولا تتفق مع كنيسة روما على الأسس التي بنوا عليها عقيدتهم في صعود جسدها.

-         فلا نؤمن أنها وُلِدت بلا خطية

-         ولا أن كان لها دور في الفداء

-         ولا نؤمن أنها شاركت السيد المسيح في مجده بعد موتها.

الفكر البروتستانتي عن العذراء وإصعاد جسدها

رغم قرار اعتبار هذا العيد عقيدة رسمية في أوائل القرن 16 في كنيسة روما، لكن استمر الجدال بعد الإصلاح حول إصعاد جسدها. ورغم أن المصلحين الأوائل كانوا يعتقدون في صعود جسدها ودوام بتوليتها وأمور أخرى كثيرة بشأنها، لكن الاتجاه الحديث في البروتستانتية أن أي تعليم لابد أن يكون مذكور صراحة في الكتاب لاعتقادهم أن الكتاب وحده هو المصدر أو القاعدة الوحيدة للإيمان التي يمكن الأخذ بها sola scriptura. والحقيقة أن البروتستانت أنفسهم يتمسكون بعقائد لا أساس لها إطلاقًا في الكتاب. مثال ذلك قانونية الأسفار، فالكتاب المقدس لم يرد به قائمة بالأسفار القانونية وإنما كلها جاءت من التقليد!

ولكن من جانب آخر يعتقد بعض المصلحين المحدثين أن الملائكة أصعدت جسد مريم المقدس إلى السماء.

هكذا اختلفت الآراء من جهة نياحتها وصعود جسدها داخل البروتستانتية ذاتها، فالبعض يعتقدون في صعودها جسديًا، بينما الأغلبية لا يؤمنون بذلك طالما لا يوجد نص صريح.

ولا تزال بعض كنائس بروتستانتية تحتفل بتذكار العذراء أم ربنا أو بنياحتها، مثل الكنيسة الإنجليكانية حيث عاد الاحتفال بيوم 15 أغسطس كعيد صغير لأم ربنا دون تحديد، بعد أن كان قد اختفي فيها من منتصف القرن 16 إما لعدم الاقتناع به أو اعتباره غير ذي أهمية.

أيضًا هناك لجنة دولية مشتركة بين كنيسة روما الكاثوليكية والكنيسة الانجليكانية لتحديد الأسس المشتركة بين الكنيستين صدر منها إعلان غير رسمي في عام 2004 للدراسة والتقييم، ثم بيان اتفاق في 2005 تم نشره للمناقشة على نطاق واسع وشُكلت لجنة للنظر في الوثيقة وإعداد الرد. في هذا البيان اتفق الطرفان علي بعض مبادئ واختلفا بشأن غيرها.

اعترض الأنجليكان على التعليم عن الحبل بلا دنس وصعود جسد العذراء واشترطوا أن يكون أي تعليم في إطار النموذج الكتابي لتدبير الرجاء والنعمة، أي متفقًا مع تعليم الكتاب المقدس. 

إصعاد جسد العذراء في الأبوكريفا

أعمال أبوكريفا كثيرة تحدثت عن إصعاد جسد القديسة العذراء مريم. أبرز هذه الأعمال عمل منسوب إلى القديس يوحنا عن نياحة القديسة والدة الإله. في هذا العمل يؤكد نفس القصة يضاف إليها قوله أنه اختطف بسحابة من أفسس وضعته حيث كانت أم الرب راقدة. وبعد نياحتها ودفنها من ذلك الوقت فصاعدًا عرف الجميع أن الجسد الثمين قد انتقل إلى الفردوس.

وفي عمل منسوب لـ ميليتوس أسقف ساردس يؤكد أنها ماتت في حضور الرسل في أورشليم وأن جسدها دفن ثم اختفى. وفي عمل آخر منسوب له أيضًا يقول أن  الرب كان لابد أن يقيم جسد أمه ويأخذها معه بفرح إلى السماء.

هناك أيضًا أقوال صريحة من بعض آباء كنائس الغرب مثل غريغوريوس أسقف تورز (من القرن السادس وهو أيضًا مؤرخ مشهور بكتبه التاريخية ورواياته عن معجزات القديسين)،  الذي يروى نفس القصة عن حضور الرسل من المناطق المختلفة التي كانوا يبشرون فيها، ثم حضور الرب يسوع مع ملائكته وأخذ نفسها بيديه، وأنه حضر ثانية وأخذ الجسد المقدس إلى الفردوس لينضم للنفس لينعم بحياة ابدية.

هناك أيضًا قصة سجلها يوحنا الدمشقي (في أواخر القرن السابع لمنتصف القرن الثامن)  عن صعود جسدها يقول: أن في أيام مجمع خلقيدونية 451م طلب الإمبراطور ماركيون وبوليكاريا زوجته من جوفينال أسقف أورشليم أن يأخذا جسد أم الله، فأخبرهم الأسقف جوفينال أن مريم ماتت بحضور جميع الرسل ولكن عندما فتح قبرها بناء على طلب القديس توما وجد فارغًا فاستنتج الرسل أن الجسد أصعد إلى السماء. هذا القول من يوحنا الدمشقي شائع ومعترف به كحقيقي من الأغلبية.

ويرى كثيرون أن الجسد العذراوي مكان سكنى الله أعفي تمامًا من التحلُّل في التراب ...

إذًا أدلة إصعاد الجسد المقدس بإيجاز:

أولاً القبر الفارغ شاهد على أنها دفنت في ذلك القبر ولم تعد موجودة ...

ثانيًا عدم وجود رفات لها ولا أحد في كل العالم يدعي ذلك، بينما كنائس العالم تحتفظ برفات القديسين الأوائل، بل ورفات بعض الرسل ...

ثالثًا وجود الزنار أو أجزاء منه في كنائس مختلفة.

الزنار وقصة اكتشافه

يؤكد التقليد المسجَّل في سنكسار الكنيسة القبطية الأرثوذكسية حصول القديس توما على الزنار في القصة المشهورة.

هناك أيضًا تقليد راسخ في الكنيسة السريانية يقول أن الزنار ظل مع القديس توما في الهند إلى يوم نياحته وعاد مع رفاته إلى الرها في أواخر القرن الرابع. ثم نقل الزنار إلى كنيسة العذراء في حمص سنة 476م التي أصبحت تعرف باسم كنيسة أم الزنار. هناك حفظ في وعاء داخل مذبح الكنيسة حتى 1852م. وعند هدم الكنيسة للتجديد وجدوا الزنار في الوعاء داخل المذبح، وأعلنوا الحقيقة بحضور وشهادة أسقف الروم الأرثوذكس وشخصيات أخرى بارزة. كما فحصه الباحثين وأجمعوا على حقيقة وأصالة الزنار. أعادوه مكانه ووضعوا عليه حجر كبير نقشوا عليه تاريخ بناء الكنيسة والزنار. وبعد نحو 100 عام في 1953م أثناء تصفح وثائق مكتبة البطريركية وجدوا لفافة تحوي 46 رسالة عن تاريخ الكنيسة مذكور فيها هذا الاكتشاف. فتم إعلان وجوده في  10/7/1953 في كاتدرائية العذراء أم الزنار على يد مار أغناطيوس إفرام الأول بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس. وتم التقاط صورة نادرة عالية الجودة للزنار ويقال أنه من شعر الجمال ومطرز من الخارج بخيوط من الذهب. ويعتبر في مدينة حمص ذخيرة بالغة  الأهمية حيث أنه أهم أثر بل الوحيد للعذراء القديسة مريم. وقد وزعت إجزاء منه إلى كثير من كنائس العالم، فهناك جزء موجود في الهند، وفي عدة أماكن أخرى.

وهناك روايات أخرى عن أنه انتقل إلى القسطنطينية وظل محفوظًا هناك was enshrined من أواخر القرن الرابع حتى الرابع عشر، ومنها إلى فلورنس في إيطاليا حيث بدأت تظهر أيقونات له في القرن 14، ومنها انتشرت في كل العالم.

إيًا كانت الروايات وإن كانت هناك نسخ مماثلة أو أجزاء في أماكن أخرى فالقصة الأصلية من كنيسة السريان الأرثوذكس ثابتة بوجوده ووجود كنيسة باسمه في حمص بسوريا.

وهناك الكثير جدًا عن أمنا وسيدتنا كلنا العذراء القديسة مريم، نحاول أن نستعرض القليل أيضًا منه.


عاشرًا – رموز وفضائل وألقاب العذراء القديسة مريم

أولاً – رموز العذراء في العهد القديم

يقدم لنا الكتاب المقدس الكثير من الرموز للعذراء القديس مريم، بعضها نترنم به في التسبحة اليومية والكثير منها في تسبحة كيهك. تدعوها الكنيسة بألقاب عديدة توضح فضائلها وسموها، فهي:

الحمامة الحسنة ... السماء الثانية ... الحجر الكريم ... الإكليل غير المضمحل ... القبة الثانية ...المنارة الذهبية ... وغير ذلك من الألقاب العديدة التي نجدها في التسبحة، واللقب الأهم هو "الثيؤطوكوس والدة الإله". أما بعض رموزها فهي في إيجاز:

       سلم يعقوب: رآه يعقوب واصل بين الأرض والسماء والرب واقف عليه والملائكة صاعدة ونازلة عليه، هو رمز واضح للعذراء القديسة التي نزل من خلالها ابن الله متجسِّدًا.

       العليقة: رآها موسى النبي مشتعلة ولا تحترق رمز للعذراء حملت نار اللاهوت ولم تحترق.

       لوحا العهد: كتب عليهما بأصبع الله كلمات العهد، والعذراء حل في أحشائها الله الكلمة ذاته

       تابوت العهد: به قسط المن الذي أرسله الله من السماء ليقتات به شعبه في البرية، والعذراء حملت المن الحقيقي المعطي حياة للعالم.

       عصا هرون: أزهرت وهي جافة، والعذراء حملت دون زرع بشر.

       مجمرة هرون: الحاملة البخور العطر، والعذراء حملت جمر اللاهوت وفاحت رائحة فضائلها.

       المنارة: تضيء كل الهيكل، والعذراء حملت النور الحقيقي الذي ينير لكل العالم.

       خيمة الاجتماع: مسكن الله مع شعبه، والعذراء مسكن ابن الله الوحيد.

       باب حزقيال: دخل منه الرب وخرج وهو مغلق، والعذراء دخل الرب وخرج من أحشائها وبتوليتها مصونة، ولم تلد غيره.

       جبل دانيال النبي: رآه دانيال قطع بغير يد إنسان، والعذراء تجسد منها ابن الله دون زرع بشر.

       قدس الأقداس: كان يحل فيه مجد الرب ويدخله رئيس الكهنة مرة واحدة في السنة، والعذراء حل عليها مجد الرب وخرج منها رئيس الكهنة الأعظم رب المجد.

ثانيًا - فضائل العذراء

عديدة هي فضائل العذراء نستشفها من حياتها وخدمتها لابن الله كما وردت في الكتاب:

في العذراء القديسة مريم اجتمعت كل الفضائل، رآها الله فاختارها دون كل الفتيات في كل الأجيال لتكون أم ابنه الوحيد المتجسد ربنا يسوع المسيح لخلاص العالم. لذلك فهي المباركة في النساء التي جميع الأجيال تطوِّبها ...

وكما نردد في طرح واطس على مجمع القديسين في التسبحة الكيهكية لليلة الأحد:

"السلام لك أيتها العذراء .. فخر العفة والبتولية .. السلام لك أيتها العذراء التي أكملت كل الفضائل .. السلام لك أيتها العذراء التي لا يقدر لسان بشري أن يصف فضائلك، لأن جميع الفضائل المتعددة التي في القديسين كمُلت فيكِ وصار الخلاص مولودًا منكِ".

إن العذراء القديسة مريم هي النموذج والمثال العملي لكل الفضائل

-         نموذج الإيمان الصحيح: فهي أول من اعترفت باحتياجها للخلاص وقبلت المسيح مخلِّصًا لها كما قالت في تسبحتها "تعظِّم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلِّصي" (لو 1: 46، 47).

-         نموذج التصديق والتسليم : قبلت بشارة الملاك رغم غرابتها دون تشكك، وقالت له "ليكن لي كقولك" .. هكذا أعلنت أليصابات بالنبوة قائلة: "فطوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها ما قبل الرب" (لو 1: 45).

-         نموذج الطاعة والخضوع كرّست حياتها لخدمة ابنها، ثم انضمت للرسل الأطهار مع باقي النسوة.

-         مثال النقاء والقداسة، وإلا ما كان القدوس يولد منها ... فخر العفة والبتولية.

-         مثال للوداعة والاتضاع الذي جعلها تحتمل الكرامة فلم تنتفخ حين علمت بمولودها بل ذهبت لتخدم القديسة أليصابات نسيبتها عندما علمت أنها حبلى في شيخوختها.

-         مثال لإنكار الذات حين طلبت من ابنها بكلمات قليلة في العرس "ليس لهم خمر" وكان رده عليها غير ما نتوقع نحن، ومع ذلك قالت للخدام: "مهما قال لكم فافعلوه" (يو 2: 5). لم تتباهي أنه سيستجيب لطلبها بل كانت واثقة من قدرته ومحبته واستجابته.

بالحقيقة "علوت يا مريم فوق الشاروبيم وسموتِ فوق السيرافيم" ...

الحادي عشر - القديسة العذراء مريم الثيؤطوكوس

في تسبحة كيهك

                                                             

لقد اعتادت الكنيسة القبطية الحافظة للعقيدة التأكيد على العقيدة السليمة وتقديمها في كل صلواتها: في القداسات والألحان والتسابيح وصلوات الساعات. لذلك كل من يعيش في الكنيسة يمكنه بسهولة أن يفهم العقيدة السليمة من خلال هذه الصلوات، ومن التسبحة بوجه خاص، لسهولة ألحانها حيث يمكن للجميع الترنم بها، وهي تحوي الكثير من التعليم عن ابن الله القدوس وعن العذراء المكرَّمة التي استحقت أن تكون أمًا له.

فما أجمل أن نختم الحديث عن العذراء القديس والدة الإله بتناول ما نردده عنها في تسبحة كيهك التي تزخر بالكثير والكثير عنها ... والأهم أنها الثيؤطوكوس، والدة الإله، وما يحويه هذا من تأكيد لألوهة السيد المسيح الذي تجسد من أجل خلاصنا.

شهر كيهك وتسابيح (7 ‘ 4)

هذا التعبير (7 ، 4) تطلقه الكنيسة على تسابيح شهر كيهك، ويشير إلى سبع ثيؤطوكيات (أي تمجيدات لوالدة الإله) (ثيؤطوكية لكل يوم من أيام الأسبوع تدور حول سر التجسد الإلهي والاتحاد الأقنومي) ... وأربع هوسات (أي تسابيح مأخوذة من الكتاب المقدس (الهوس الأول تسبحة موسى النبي أثناء عبور البحر الأحمر خروج 15؛ والهوس الثاني مزمور الشكر 135؛ والهوس الثالث الثلاث فتية في أتون النار وهو موجود في الأسفار المحذوفة؛ والهوس الرابع المزامير 148، 149، 150).

هذا بالإضافة إلى العديد من الذكصولوجيات (التماجيد) والإبصاليات (الترانيم) والمدايح تذكر فيها الكنيسة أوصافها العديدة وفضائلها ورموز تشير إليها وتربط بينها وبين ابنها القدوس المولود منها... لذلك اختارت الكنيسة تخصيص هذا الشهر الذي يسبق ميلاد رب المجد يسوع المسيح للاحتفال بالتجسد وتكريم العذراء القديسة مريم التي حملت جمر اللاهوت وولدت الله الكلمة الذي اتَّحد في أحشائها بجسد خاص له أخذه من دمائها.

لقب الثيؤطوكوس

فما تاريخ هذا اللقب؟ إنه اللقب الذي أقره مجمع أفسس الأول سنة 431م لتأكيد أن الذي ولدته العذراء مريم هو الله المتجسد. وكان هذا ردًا على بدعة نسطور الذي رفض هذه التسمية ودعاها "كريستوطوكوس" أي والدة المسيح.

وتأكد أيضًا في مقدمة قانون الإيمان النيقاوي-القسطنطيني الذي نردِّده كل يوم: "نعظمك يا أم النور الحقيقي ونمجدك أيتها العذراء القديسة والدة الإله، لأنك ولدت لنا مخلِّص العالم" ...

ما أهمية تأكيد هذا اللقب؟

إن هذا اللقب أيضًا تأكيد لعقيدة التجسد وأن المولود من العذراء هو ابن الله الأقنوم الثاني الكلمة. كما أنه تأكيد لاتحاد الطبيعتين فيه ... وأزليته ... وعدله ورحمته ... ومحبته للبشر.

لذلك من الأهمية أن نقدم كمثال بعض عبارات من ثيؤطوكيات وإبصاليات ولبش الأيام المختلفة التي تترنَّم بها الكنيسة مع كل الشعب، ويحفظها الصغار والكبار وأصبحت مغروسة داخلهم ... مع ملاحظة أن أوصافها وألقابها ورموزها متكررة في كل التسبحة لذلك اخترنا البعض فقط ... فلنأخذ بعض أمثلة:

       تأكيد ارتفاعها عن الطغمات السمائية

       كونها والدة الإله

       المولود منها هو خالق الكل

       الذي حملته هو المن السماوي

       المولود منها هو نور من نور وإله حق من إله حق

       الاتحاد الأقنومي

       العدل والرحمة اجتمتعتا فيه

       أزلية المولود منها

ارتفاع العذراء عن الطغمات السمائية

نرنم في إبصالية الأحد قائلين:

"كل الأسماء العالية التي لغير المتجسدين لم يبلغوا إلى علو طوباويتك" ...

"مرتفعة أنت جدًا أكثر من الشاروبيم، ومكرَّمة أكثر من السارافيم" ...

"كل الرتب العلوية لم تقدر أن تشبهك أيتها المنارة الذهبية حاملة النور الحقيقي" ...

"فقت كل مراتب وسائر كل طقوس. فقت الرؤساء والأربعة الحيوانات وأيضًا الكراسى والأرباب والقوات. حملت ابن الله..."

العذراء والدة الإله

من التشبيهات التي ترد في التسبحة وتؤكد ذلك، وأنه طبيعة واحدة من طبيعتين، مساوٍ للآب، تجسد دون أن تتغيَّر طبيعته، نذكر:

-         في ثيؤطوكية الأحد القطعة الأولي: تشبهها الكنيسة بالقبة التي صنعها موسى على جبل سيناء ... القبة الحقيقية التي في داخلها الله" تأكيداً على أن الذي حملته هو الله المتجسد.

-         وفي القطعة الثانية العقيدة صريحة أن المولود منها طبيعة واحدة من اثنين مساوٍ للآب: "واحد من اثنين لاهوت قدوس بغير فساد مساوٍ للآب ... هذا الذي أخذه منك أيتها الغير الدنسة واتحد به كأقنوم".

-         وفي القطعة الثالثة توضيح آخر: "الله الكلمة الذي تجسد منك أيتها التي بلا عيب بغير تغيير" ... أي هو الله الكلمة، الأقنوم الثاني، تجسد دون أن تتغير طبيعته كإله.

أنه الخالق للكل

وهو الذي أخذ جسدًا مشابهًا في كل شيء دون خطية أو تغيير:

في نفس القطعة الثالثة وصف جميل من خلال مقارنة بكروبا الذهب المظلليْن على الغطاء على موضع قدس الأقداس، فنقول لها:

"وأنت أيضًا يا مريم ألوف ألوف وربوات ربوات يظللون عليكِ. مسبحين خالقهم وهو في بطنك. هذا الذي أخذ شبهنا ما خلا الخطية والتغيير ... من أجل هذا نعظمك يا سيدتنا والدة الإله القديسة كل حين".

أن الذي حملت به هو المن السماوي

-         في القطعة الرابعة نشبهها بـ "قسط الذهب النقي المُخفى فيه المن" ... إشارة إلى السيد المسيح الخبز الحي النازل من السماء كما وصف ذاته (يو 6: 32-59)، إشارة إلى أن المولود منها هو الله المتجسد! ولدته بغير دنس وأعطانا جسده ودمه الكريمين فحيينا إلى الأبد ...

أن الذي حملت به نور من نور إله حق من إله حق

-         في القطعة الخامسة من نفس ثيؤطوكية الأحد نشبهها بالمنارة الذهب، نقول:

"أنت المنارة الذهب النقي الحاملة المصباح المتقد كل حين، الذي هو نور العالم غير المقترب إليه، الذي من النور غير المُدنَى منه، الإله الحق من الإله الحق الذي تجسد منك بغير تغيير" ... "الذي في بطنك يا مريم العذراء أضاء لكل إنسان آتٍ إلى العالم  لأنه هو شمس البر  ..."

عبارة رائعة تقدم عقيدة هامة وأساسية وهي أن السيد المسيح هو إله حق من إله حق ... وأنه نور العالم كما قال عن نفسه (يو 8: 12؛ 9: 5) ... وأنه يختلف عن أي نور آخر ... فرغم أنه قال عن المؤمنين "أنتم نور العالم" (مت 5: 14) نجد الكنيسة في هذه الثيؤطوكية تؤكد هذا الفارق أن المولود منها هو النور الحقيقي الذي لا ينطفئ (المتقد كل حين)، غير المقترب إليه من النور غير المدنى منه (أي الآب) ... وهو الذي يضيء لكل إنسان آتٍ إلى العالم (كما نقول في قطع صلاة باكر) لأنه شمس البر (ملا 4: 2) ... لأنه الإله الحق ... ثم الأجمل أن في تجسده لم يتغيَّر ... كل هذا في عبارة واحدة، وفي ثيؤطوكية واحدة ...

-         ثم في القطعة السادسة من ثيؤطوكية الأحد أيضًا نشبهها بالمجمرة الذهب، فنقول:

"أنت هي المجمرة الذهب النقي حاملة جمر النار المباركة الذي يؤخذ من المذبح يطهِّر الخطايا ويمحو الآثام. أي الله الكلمة الذي تجسد منك ورفع ذاته بخورًا إلى الله أبيه ..."

-         ثم نقارن في التسبحة بين هذه والمجمرة الذهب في العهد القديم "فتلك يرفع فيها البخور المختار أمام الأقداس. ويرفع الله هناك خطايا الشعب من قِبل المحرقات ورائحة البخور"، أما عن الابن المتجسد فنقول: "وأنت أيضًا يا مريم حملت في بطنك غير المنظور كلمة الآب. هذا الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة على الصليب عن خلاص جنسنا ...".

-         ويتكرر نفس المعنى، مع تأكيد اللاهوت في التفسير السادس للثيؤطوكية، نقول:

"يا شورية هرون الحاملة جمر النار وبخورها وعنبرها ملأ كل الأقطار ... إلخ" ...

إدراك كامل للعقيدة وربط جميل بين الرموز والمرموز إليه ... إنها روعة آباء الكنيسة الذين رتبوا هذه التسبحة بهذا الشكل ...

-         ثم في التفسير السابع كله والشيرات "السلام لك يا مريم ..." والقطعة الثامنة من الثيؤطوكية  أوصافها وفضائلها وبالطبع وصفها أنها والدة الإله ...

كل هذا في ثيؤطوكية واحدة من خمسة عشر قطعة، اخترت منها عبارات قليلة جدًا تعبر عن عقيدة واحدة وهي أن العذراء مريم هي والدة الإله ...

وماذا عن باقي الثيؤطوكيات؟ هناك أكثر من نص في التسبحة يشير إليها كوالدة الإله القدوس، ننتقي منه القليل فقط:

أقنوم الابن متحد بالناسوت اتحاد أقنومي

-         بداية من أبصالية آدام الاثنين نقول:

"طوباك يا أم المعبود. طوباك يا أم القدوس ... ظهر منك اللاهوت ملك المجد بي اخريستوس متحدًا بالناسوت".

-         في ثيؤطوكية الاثنين في القطعة الثالثة توضيح أن أقنوم الكلمة هو الذي تجسد وحل بيننا وأشرق جسديًا لخلاصنا... نقول:

"يسوع المسيح الكلمة الذي تجسد وحل بيننا ... أشرق جسديًا من العذراء بغير زرع بشر حتى خلصنا".

العدل والرحمة واضحين في سر التجسد

-         في القطعة الخامسة نقول: "افرحوا وتهللوا يا جنس البشر لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الحبيب عن المؤمنين به لكي يحيوا إلى الأبد. لأنه غُلب من تحننه وأرسل لنا ذراعه العالية ..." هنا العدل والرحمة معًا متمثلين في بذل ابنه الحبيب بسبب تحننه على جنس البشر..

أزلية الابن وطبيعتيه المتحدتين بغير انفصال

-         في القطعة السادسة من ثيؤطوكية الاثنين نقول عن هذا:

"الكائن الذي كان، الذي أتي، وأيضًا يأتي، يسوع المسيح الكلمة الذي تجسد بغير تغير وصار إنسانًا كاملاً. لم يتغير ولم يختلط ولم يفترق بشيء من الأنواع بعد الاتحاد. بل طبيعة واحدة وأقنوم واحد وشخص واحد لله الكلمة. أشرق جسديًا" ...

-         في ثيؤطوكية الأربعاء، القطعة الخامسة، عبارات مثل:

"السلام لمعمل الاتحاد غير المفترق الذي للطبائع التي أتت معًا إلى موضع واحد بغير اختلاط ... الختن الحقيقي الذي اتَّحد بالبشرية ..."

-         وفي القطعة التاسعة، نرنم قطع صلاة باكر ...

"أيها النور الحقيقي الذي يضيء لكل إنسان آتيًا إلى العالم ..." إلى آخر هذه القطعة

-         وفي ثيؤطوكية الثلاثاء، القطعة الأولى:

"إكليل فخرنا ... مريم العذراء التي ولدت لنا الله الكلمة الذي صار إنسانًا لأجل خلاصنا، وبعد أن صار إنسانًا هو إله ..." هنا أيضًا الطبيعة الواحدة من اثنين. لم يتغير ولم يتنازل عن ألوهيته بل استمر إله وإنسان.

هو الله الذي حل في أحشاء العذراء بنار لاهوته

-         في القطعة الثانية، وكذلك في مديح وثيؤطوكية ولبش الخميس، نشبهها بالعليقة التي رآها موسى النبي متقدة بالنار ولم تحترق، فنقول:

"ابن الله الذى أتى وحل في بطنك ونار لاهوته لم تحرق جسدك".

لاهوت السيد المسيح المولود من العذراء

-         في القطعة الخامسة وصفه كإله، نقول:

"الساكن في النور غير المقترب إليه حل في بطنها ... غير المنظور، غير المحدود ولدته مريم .."

-         وفي القطعة السابعة ولبش الثلاثاء أكثر من تعبير دال على ألوهية السيد المسيح وكرامة والدته:

"أنت يا أم النور المكرمة والدة الإله حملت الكلمة غير المحوى ..."

"صرت عرشًا ملوكيًا للمحمول على الشاروبيم ... افرحي يا مريم العبدة والأم لأن الذي في حجرك تسبحه الملائكة والشاروبيم تسجد له باستحقاق والساروفيم بغير فتور يرفرفون بأجنحتهم قائلين هذا هو ملك المجد رافع خطية العالم كعظيم رحمته" ... وهو اللحن الذي نترنم به في القداس الإلهي ...

-         وفي ثيؤطوكية الآربعاء دليل آخر على ألوهية السيد المسيح في عبارات رائعة:

بداية في مديح على الثيؤطوكية ثم مرد كل القطع السبع لهذه الثيؤطوكية عبارة عميقة عن كرامة والدة الإله وأنه ابن الله الوحيد المتجسد:

"تطلَّع الآب من السماء فلم يجد من يُشبهك أرسل وحيده أتى وتجسَّد منك"

-         وفي القطعة السادسة من ثيؤطوكية الأربعاء تواصل الكنيسة التسبيح، تقول:

"عظيمة هي كرامة مريم أكثر من جميع القديسيي لأنها استحقت أن تقبل إليها الله الكلمة ... من تخافه الملائكة حملته مريم العذراء في بطنها ... هي أرفع من الشاروبيم وأجل من السارافيم لأنها صارت هيكلاً للواحد من الثالوث".

"تعالوا وانظروا وتعجبوا وسبحوا وهللوا بابتهاج لهذا السر الذي ظهر لنا. لأن غير المتجسد تجسد. والكلمة تجسم. وغير المبتدئ ابتدأ. وغير الزمني صار زمنيًا. غير المدرك لمسوه وغير المرئي رأوه. ابن الله الحي صار بشريًا بالحقيقة" ...

محبة الله غير المحدودة للبشر وألوهيته وطبيعة تجسده

-         في ثيؤطوكية الخميس، في القطعة الثالثة، نقول:

"أيُّ عقلٍ. أو أيُّ قولٍ أو أيُّ سمعٍ يقدر أن ينهض باللجة التي لا توصف التي لمحبتك للبشر يا الله" ... ثم نصف هذه المحبة: "الواحد وحده الكلمة. المولود قبل كل الدهور باللاهوت بغير جسد من الآب وحده. هو ذاته أيضًا وُلد جسديًا بغير تغيير ولا تحوُّل من أمه وحدها ..."

هنا واضح محبة الله للبشر والتي لا يمكن وصفها، والميلاد الأزلي لله الكلمة، والميلاد الزمني، وطبيعة هذا التجسد أنه بغير تغيير ولا تحول، وأنه من أمه فقط دون زرع بشر ... كل هذا في عبارة واحده! يا لروعة آباء الكنيسة!

-         وأيضًا في القطعة الخامسة نكرر المرد:

"محب البشر الصالح مخلص نفوسنا أتي وخلصنا. لم يزل إلهًا أتى وصار ابن بشر، لكنه هو الإله الحقيقي أتي وخلصنا"

-         وفي القطعة السادسة نقول:

"كل عجينة البشرية أعطتها بالكمال لله الخالق وكلمة الآب... هذا الذي تجسد منها بغير تغيير ولدته كإنسان ودُعي اسمه عمانوئيل" ...  أي ولد إنسانًا كاملاً بينما هو الخالق والكلمة!!

-         وفي القطعة الثامنة:

"الواحد من الثالوث المساوي للآب في الجوهر لما نظر إلى ذلنا وعبوديتنا المُرَّة طأطأ سماء السموات وأتى إلى بطن العذراء وصار إنسانًا مثلنا. ما خلا الخطية وحدها ..."

يا إلهي ما هذه الروعة!!! عقيدة الثالوث المساوي في الجوهر، وقصة عبوديتنا المرة، ونزوله من السماء إلى بطن العذراء، وتأنسه وكيف صار إنسانًا كاملاً فيما خلا الخطية وحدها ... عقيدة وكتاب مقدَّس ورد على بدع ... كل ذلك بلحن سلس جميل محبب للجميع ... 

-         وفي القطعة التاسعة من يوم الخميس نقولها صراحة:

"فلهذا يا جميع الشعوب. نمجد العذراء لأنها ولدت لنا الله ..." في إدراك تام هو الله الذي اتخذ لنفسه جسدًا ولكنه ظل إلهًا واتحد بهذا الجسد ...

المولود من العذراء هو ذاته الله المتجسد، الخالق، الواحد مع الآب

-         في ثيؤطوكية الجمعة في القطعة الثالثة، نقول:

"الكائن قبل الدهور أتى وتجسد منك. عتيق الأيام خرج من بطنك. هو أخذ جسدنا وأعطانا روحه القدوس ..."

-         وفي القطعة الخامسة:

"ثمرة بطنك أتى وخلَّص المسكونة ونقض العداوة عنا وقرَّر لنا سلامه"

-         ونفس المعنى يستمر في لبش الجمعه، نقول:

"صرتِ تابوتًا لخالق السماء والأرض. حملته في بطنك تسعة أشهر عدًا"

-         وفي ثيؤطوكية السبت أيضًا أثباتات أن المولود هو الإله مخلصنا السيد المسيح، كما في القطعة الرابعة:

"أنت هي جنس وأصل داود. ولدت لنا جسديًا مخلصنا يسوع المسيح. الوحيد من الآب قبل كل الدهور. أخلي ذاته وأخذ شكل عبد منكِ لأجل خلاصنا. السلام لك يا ممتلئة نعمة يا من ولدت المسيح الرب معك" ...

الكثير والكثير غير ذلك من العبارات في الذكصولوجيات التي دُعيت فيها مركبة شاروبيمية وعرش الله وغيرها ... في إبصاليات، ومدايح، وثيؤطوكيات وتفاسير وترانيم ملائكية يومية وتفاسير عديدة جميلة طوال شهر كيهك المبارك الذي ينتهي بفرحة ميلاد الرب ...

شفاعة العذراء القديسة مريم والدة الإله المطوبة في كل الأجيال تشملنا جميعًا

 

             



[1] Martin Luther, Luther’s Works, Weimar edition, edited by J. Pelikan, Vols. 10, 11, 51

[2] Huldrych Zwingli, Corpus Reformatorum, Vol. 1: 424

[3] John Calvin: Calvini Opera [Braunchwieg-Berlin 1863-199] Vols. 45, 35

[4] John Wesley: Letter to a Roman Catholic

[5] St. Jerome, Perpetual Virginity of Blessed Mary – Against Helvidius, p. 335-346, Vol. 6 NPNF

[6] St. Athanasius, Discourse II, Ch. 21: 70, p386, Vol. 4 NPNF

[7] St. Augustine, On Holy Virginity 4, p. 418 Vol. 3 NPNF

[8][8] John of Damascus, Exposition of the Orthodox Faith, Ch. 14, p. 85, 86, Vol. 9 NPNF

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس