معجزة عرس قانا الجليل

المعجزة في عرس قانا الجليل

 بحسب القديس يوحنا ذهبي الفم

                                                                                                  د. وداد عباس توفيق

 

عرس قانا الجليل حيث صنع رب المجد فيه معجزة تحويل الماء إلى خمر هو أحد الأعياد السيدية الصغري السبعة (الختان؛ دخول السيد المسيح الهيكل؛ دخول السيد المسيح أرض مصر؛ عرس قانا الجليل؛ التجلّي؛ خميس العهد؛ أحد توما).

كانت هذه أولى معجزاته بعد اعتماده من يوحنا المعمدان. صنعها في قانا الجليل (يو 2: 1-11). وهي تنطوي على معانٍ كثيرة وتعليم عميق عن ألوهية ربنا ومخلِّصنا يسوع المسيح وحكمة تدبيره.   

في عشرة نقاط نلخص شرح القديس يوحنا ذهبي الفم[1] لهذه المعجزة:

 

1)    كيف كانت أمه تثق في قدرته على عمل أمر عظيم كهذا؟

-         في هذه المناسبة كانت عظمته قد أُعلنت بشهادة يوحنا المعمدان وبكلام أول تلميذين تبعاه اندراوس الذي دعا أخيه سمعان قائلاً له: "قد وجدنا المسيَا" وأتي به إلى المسيح (يو 1: 37-40)، ثم فيلبس الذي وجد نثنائيل وقال له: "وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة" (يو 1: 45) وأخذه إلى الرب يسوع الذي حين رآه مقبلاً قال عنه: "هوذا إسرائيلي حقًا لا غش فيه: قال له: "قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة، رأيتك"، ففي الحال اعترف له نثنائيل قائلاً: "يا معلِّم، أنت ابن الله! أنت ملك إسرائيل" (يو 1: 48- 50).

-         وقبل كل ذلك مما اختبرته في الحمل به والظروف التي صاحبت ذلك.

-         وبعد ذلك كل ما قيل لها بشأنه ويقول القديس لوقا البشير: "وكانت أمه تحفظ جميع هذه الأمور في قلبها" (لو 2: 52).

كل ذلك جعلها واثقة من قدرته على القيام بأعمال عظيمة.

2)    قول السيد المسيح لأمه: "ما لي ولك يا امرأة؟ لم تأتِ ساعتي بعد" (يو 2: 4).

-         قد يرى البعض أن هذه العبارة ليست لائقة بأمه! ولكن الأمر ليس كذلك وإنما بحكمة تدبيره أراد أن يصحح لها مفهومها، أن الطلب كان ينبغي أن يأتي من المحتاجين إلى المساعدة وليس منها. فما يطلبه أصدقاء الشخص، رغم أنه شيء عظيم، لكنه غالبًا يسبب حرجًا للموجودين. أيضًا حين يأتي الطلب من المحتاجين سوف يشعرون بفائدة ما يتم.

-         رفض الطلب في البداية لكي لا تكون معجزاته محل تشكك بل تنال الكرامة اللائقة.

3)    عبارة "لم تأتِ ساعتي بعد" (يو 2: 3).

-         استُخدمت هذه العبارة في مواضع عديدة، كما في (يو 7: 30) حين كان يعلِّم في الهيكل "فطلبوا أن يمسكوه، ولم يُلقِ أحدٌ يدًا عليه، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد"؛ وأيضًا في (يو 8: 20) حين كان يعلِّم في الهيكل يقول البشير "ولم يمسكه أحد، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد".

-         لا تعني هذه العبارة أنه خاضع لضرورة زمنية أو أنه ينبغي أن يراعي الوقت! إذ كيف يكون ذلك وهو صانع الأزمنة وخالق الزمن والأجيال؟!

-         إنما أراد بهذا القول توضيح أنه يعمل كل الأشياء في وقتها المناسب وليس دفعة واحدة لكي لا يحدث خلط أو تشويش: فمثلاً الميلاد والقيامة والمجئ الثاني للدينونة لم يحدثوا في وقتٍ واحد، والخليقة ذاتها لم تتم دفعة واحدة، بل والرجل والمرأة كذلك، وبين دينونة الموت للبشر والقيامة فترة هائلة من الزمن، والناموس أعطيَ ولكن ليست معه النعمة .. كل من ذلك جاء في وقته الصحيح.

لم يكن المسيح إذًا خاضعًا لضرورة زمنية لأنه الذي يحدد ترتيب الزمن كخالق له.

-          فماذا تعني هذه العبارة إذًا؟ تعني أنه لم يُظهر بعد لكثيرين، ولم يكن كل التلاميذ معه بعد، ولم يكن أحد من الموجودين حتى إخوته يعرفونه كما ينبغي. إذ يقول البشير بعد أن صنع السيد المسيح الكثير من المعجزات أن "إخوته أيضًا لم يكونوا يؤمنون به" (يو 7: 5). أيضًا الذين كانوا في العرس لم يكونوا يعرفونه، لأنهم لو كانوا قد عرفوه لكانوا التجأوا إليه عندما احتاجوا.

-         الواقع أن الذين في العرس ليس فقط لم يكونوا يعرفونه، بل أيضًا لم يكونوا مدركين أن الخمر قد فرغ! (لولا العذراء مريم أم المسيح التي لاحظت ذلك وطلبت عنهم، بينما كان ينبغي أن يشعروا هم أولاً بهذا الاحتياج وليس أمه العذراء القديسة). هنا نتعلَّم أن من يدرك أنه محتاج سيكون شاكرًا حين ينال المساعدة. أما من ليس له إحساس بالاحتياج لن يكون له إحساس أيضًا بالعطية التي ينالها.

4)    لماذا بعد الرفض عاد وعمل ما أرادته أمه؟

-         أولاً لكي يبرهن لمن يعارضونه ظانين أنه خاضع للزمن أنه ليس كذلك وليس خاضعًا لأي توقيت، فقدَّم الدليل أنه صنع المعجزة رغم أنه قال أن ساعته لم تأتِ بعد، أي صنع المعجزة قبل التوقيت المحدّد لها لأنه صاحب الترتيب كله.

-         ثانيًا تكريمًا لأمه لكي لا يبدو معارضًا لها كليةً ويخزي تلك التي حملته أمام كل هؤلاء الحضور.

-         لكي لا يتشكك أحد ظنًا أنه تعوزه القدرة، إذ كانت قد أتت إليه بالخدم بالفعل لينفِّذوا ما يقوله لهم. لهذا ظلَّت إلى جواره، وفي ثقة قالت هذا للخدم.

وهذا يذكِّرنا بمثال آخر في موضوع المرأة الكنعانية (مت 15: 26)، فبعد أن قال " أنا لم أُرسَل إلاّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالة"، وبعد قوله المباشر لها والذي بدا قاسيًا (ولكنه في الحقيقة كان لإظهار عظمة إيمانها، لأنه لو كان يعلم أنها لن تقبل هذا القول وسوف يسبِّب لها ألم ما كان قد قاله): "ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب" عاد فشفى ابنتها بسبب مثابرتها وعِظم إيمانها كما أعلن عنها.

نتعلَّم من هذا أنه رغم عدم استحقاقنا لكن بمثابرتنا وإيماننا القوي يجعلنا مستحقين لنعمته.

5)    الأجران الستة الموضوعة هناك حسب تطهير اليهود.

-         اهتم القديس يوحنا البشير بذكر أن هذه الأجران موضوعة هناك "حسب تطهير اليهود"، لئلا يشك أحد أنها كانت تحوي بقيةً من خمر وصبّوا عليه الماء ليصنعوا خمرًا أدني جودة. لذلك أوضح أن عادة اليهود الاحتفاظ بهذه الأجران الستة (على عدد أيام الأسبوع بدون السبت) لكي يملأوها ماء لكل يوم، وهذا لأن المياه ضئيلة هناك والجداول والينابيع بعيدة فلابد أن تكون المياه متاحة للتطهير في أي وقت. وهذا يعني أن تلك الأجران لم تكن أبدًا لوضع الخمر فيها وإنما الماء للتطهير.

6)    ولماذا لم يصنع المعجزة قبل أن يملأ الأجران بالماء ويكون الأمر أكثر روعة؟

-         هناك فرق بين تحويل شيء لآخر وبين خلق شيء من لا شيء. وإن كان الخلق من العدم أكثر روعة لكنه قد يبدو غير جدير بالتصديق لدى كثيرين. لهذا فعل التحويل من مادة موجودة لكي تجد المعجزة قبولاً أكثر لدى الحضور.

7)    لماذا إذًا لم يصنع هو بنفسه الماء الذي أظهره بعد ذلك خمرًا؟

-         لنفس السبب. ولكي يكون الذين استقوا (جلبوا) الماء شهودًا أن ما يتم ليس وهمًا، ولكي يمكنهم الرد على من يمكن أن يتبجح وينكر المعجزة.

-         والأكثر أنه بهذا يكبح جنون أي من يقول في أي زمن أن خالق المادة هو إله آخر معارض له. لأنه لو كان كذلك ما كان يستخدم مادة تخص إله آخر مزعوم معارض له ليظهر قدرته في هذه المادة التي يزعمون أنها من خلق ذلك الإله.

إنه بذلك أظهر أنه هو الذي ينقل الماء في نباتات الكرم ويحول المطر من خلال الجذور إلى خمر.

أيضًا هو فعل هذا في لحظة بينما المعروف أن هذا يستغرق وقتًا طويلاً في النباتات.

8)    لماذا أمر أن يقدِّموا إلى رئيس المتكأ مباشرة أولاً بعد أن أحضروا الماء؟

-         إن رئيس المتكأ بعد أن ذاق الماء المتحوِّل خمرًا ظن أن العريس احتفظ بالخمر الجيدة للنهاية، لأنه لم يكن يعلم من أين هي بينما الخدام الذين استقوا الماء كانوا يعلمون. لذلك دعا العريس ليعرف السبب أنه وضع الخمر الجيدة في النهاية.

-         أولاً يظهر من كلمات رئيس المتكأ أن العرس أصبح ملتقي أناس سكارى، فقدوا الحس بالحكم على الأشياء فلا يقدرون تمييز ما إذا كان ما تذوقوه ماءً أم خمر، جيد أم ردئ. وهذا تعليم لمدى خطورة السُكر بالخمر إذ تُفقِد الإنسان التمييز.

-         لهذا السبب أمر الرب أن يقدِّموا لرئيس المتكأ أولاً لأنه واعٍ مدرك باعتبار أن من يرأس ويتولّى إدارة الولائم لابد أن يكون يقظَا تمامًا ليمكنه ترتيب الأمور بانتظام. لهذا دعاه الرب لكي يشهد بما يتم بما له من حواس واعية.

9)    لماذا لم يدعو رئيس المتكأ الخدم ليستفسر منهم وإنما دعا العريس؟

-         أولاً لأنه لم يكن يعلم من أين أتوا به.

-         ثانيًا هكذا أراد الرب يسوع أن يعطيه له أولاً لأن لو كان الخدم قد ذكروا له المعجزة ما كان يصدِّقهم أحد ولظنوا أنهم يهذون أن يشهدوا لشخص كان يبدو في ذلك الحين مجرد إنسان عادي أنه صنع معجزة كهذه. وحتى لو كانوا تأكدوا بعد أن ذاقوا ما كان ذلك كافيًا لإقناع الآخرين.

-         لهذا لم يعلنه للجميع بل لمن كان قادرًا على فهم ما صنعه ثم تأتي بعد ذلك معرفة الباقين بالأمر بلطف وبالتدريج بعد أن يكون قد صنع معجزات أخرى.

هكذا نعرف من معجزة شفاء ابن خادم الملك أنه أتي إلي السيد المسيح لأنه كان قد سمع ما فعله في قانا أي أن المعجزة صارت معلومة فيما بعد لكثيرين، فيقول البشير أن الرجل حين سمع أن يسوع قد جاء إلى الجليل انطلق إليه وسأله أن ينزل ويشفي ابنه (يو 4: 46، 47).

10)    معجزات السيد المسيح كاملة وأفضل من أي أمر طبيعي.

-         إن الخمر المتحوِّل من الماء ليس مجرد خمر وإنما أفضل خمر بشهادة الخدم والعريس ورئيس المتكأ. هكذا دائمًا حين كان يعيد عضوًا عاجزًا في جسد مريض كان يعيده في أفضل حال بل أفضل مما كان له وهو سليم.

هكذا عطايا الرب ونعمته أفضل من أي عطية بشرية أو شيء نحصل عليه بجهدنا الشخصي القاصر. فليعطنا الرب نعمته ويجعلنا مستحقين لقبولها بشكر مميِّزين قدر العطية والنعمة.



[1] St. John Chrysostom, Homilies 21-23 on the Gospel of St. John, Vol. 14 NPNF

Comments

Popular posts from this blog

القديس يوحنا المعمدان السابق الصابغ

خميس العهد - عهد جديد بدم الحمل

عيد العنصرة - البندكستي حلول الروح القدس