الصليب والكفارة
v
الصليـب والكفارة
دكتورة وداد عباس توفيق
2024
اسم الكتاب : الصليب والكفارة
إعداد : دكتورة وداد عباس توفيق
الطبعة : الكترونية 2024
جميع الحقوق محفوظة للدكتورة وداد عباس توفيق © 2024
فهرس
على الصليب محا حكم الموت نهائيًا
بالصليب أمات الخطية ليقيمنا في بر
ثانيًا - الصليب وغضب الله العادل
أولاً - بالفعل كان صليب رب المجد هو تنفيذ لعدل الله
ثانيًا - هل عدل الله يعنى أنه غاضب على الخطية أم على الخاطئ؟
ثالثًا – هل غضب الله في العهد القديم فقط؟
ثالثًا - الطاعة وحقيقة آلام الصليب
رابعًا - الصليب ونيابة المسيح عن البشر
ثالثًا - أهمية شخص المسيح بالذات لصليب للكفَّارة
خامسًا - الصليب تجسيد لالتقاء العدل والرحمة
سادسًا - لماذا الصليب وليس وسيلة أخرى
سابعًا – عار الصليب ومجد الصليب
ذبيحة الصليب كانت ذبيحة سلام ومصالحة
شهود كثيرون، ملائكة وبشر وطبيعة
عاشرًا - الصليب رسالة فرح ورجاء
⸭
مقدِّمة
الصليب والكفّارة
الصليب قلب المسيحية ووسيلة الكفارة وموضوع كرازة الرسل وتعليمهم ... العالم لا يفهم قيمة الصليب فكما يقول القديس بولس الرسول أن الصليب كان عثرة لليهود وجهالة لليونانيين (1 كو 1: 23).
عثرة لليهود لأنهم لم يصدِّقوا كيف يمكن لميت محكوم عليه بأبشع ميتة، معلق على خشبة علامة اللعنة (تث 21: 22-23؛ غل 3: 13)، ويعتبر نجاسة في إسرائيل، كيف يمكن أن يخلِّص الشعب المختار!
وجهالة لليونانيين (أي غير اليهود والأمم ومنهم الرومان)، إذ لم يصدِّقوا كيف أن إنسان ضعيف في الظاهر مصلوب يمكن أن يحقق الخلاص للعالم!
أما لنا نحن المؤمنين فالصليب هوموضع فخرنا الذي به صُلب العالم لي وأنا للعالم (غل 6: 14).
هو سر خلاصنا فعليه أتمَّ السيد المسيح تدبير الفداء وقال بحق "قد أُكمل". على الصليب تمت مصالحة البشر مع الله بقبول ذبيحة ابنه الوحيد ...هو لنا نحن المخلصين قوة الله. هو "خلاص وحياة أبدية" كما يقول القديس أغناطيوس في الرسالة إلى أهل أفسس – الفصل 18.
وبينما العالم لا يفهم قيمة الصليب، تحرص الكنيسة على الاحتفال بالصليب مرتين: في 19 مارس، وفي 27 سبتمبر بألحان وتسابيح وذكصولوجيات وأرباع ناقوس ونعطيه السلام.
إن احتفالنا وتمجيدنا للصليب هو تمجيد للمصلوب عنا رب المجد يسوع المسيح الذي اختار خشبة الصليب كوسيلة لفدائنا. في احتفالنا نعبر عن إدراكنا لأهمية الصليب وفاعليته لخلاصنا، فبه صرنا أحرارًا. نسبحه لأنه فرحنا وثباتنا وسلاح الغلبة لنا ورجاؤنا.
⸭
أولاً - أهمية وفاعلية الصليب
رتبت الكنيسة إلى جانب الذكصولوجيات والتسابيح والأعياد صلاة نرددها كل يوم في طلبات الساعة السادسة نمجد فيها ربنا وإلهنا يسوع المسيح، إذ نقول:
"يا من في اليوم السادس وفي الساعة السادسة سُمرت على الصليب من أجل الخطية التي تجرأ عليها أبونا آدم في الفردوس، مزِّق صك خطايانا أيها المسيح إلهنا وخلِّصنا ... يا يسوع المسيح إلهنا الذي سُمرت على الصليب في الساعة السادسة وقتلت الخطية بالخشبة وأحييت الميت بموتك الذي هو الإنسان الذي خلقته بيديك والذي مات بالخطية ... نسجد لشخصك غير الفاسد أيها الصالح طالبين مغفرة خطايانا لأنك بمشيئتك سُررت أن تصعد على الصليب، لتنجي الذين خلقتهم من عبودية العدو ...".
هذه العبارة هي تلخيص لفاعلية الصليب وتدبير الفداء والكفارة:
الله هو الذي خلق الإنسان بيديه من العدم، هذا إيماننا وهذه كلمات الوحي الإلهي في الكتاب المقدس عن كيفية الخلق وفيها الرد على أي فكر حديث ونظريات عن الخلق سواء نظريات الصدفة أو النشوء والارتقاء من فصيلة آخرى أو غيرها ... هذا الإنسان أخطأ وأجرة الخطية موت، بهذا صار الإنسان ميتًا. لم يكن يمكن أن يعود الإنسان للحياة سوى بيد من خلقه الذي هو ذاته الحياة والمحيي المعطي الحياة للميت ... والوسيلة كانت الصليب، خشبة الصليب ... وقد صعد إليها بمشيئته ومسرته لكي ينجينا من العبودية ...
فماذا حقق لنا السيد المسيح بقبوله الصلب؟
أنه أباد اللعنه، أباد الموت، ومحا حكم الموت، ومحا دين الخطية، وخزى الشيطان ...
يلخص لنا القديس يوحنا ذهبي الفم فاعلية الصليب وقوته في عبارة واضحة:
[ما حدث كان دليلاً ليس فقط على الشفقة والمحبة ولكن على قوة لا يعبر عنها! ففي تلك الساعة أبيد الموت، وانحلت اللعنة، وخزى الشياطين وأشهرهم جهارًا ... وسمَّر صك خطايانا على الصليب.][1]
بالصليب أباد اللعنة
لما كان كل من علق على خشبة ملعون من الله حسب الشريعة (تث 21: 23)، جاء ابن الله وصار لعنة لأجلنا إذ قبل أن يصعد على الصليب "افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا" (غلا 3: 13). وعلى الصليب سمَّر كل اللعنات التي كان العالم مدان بها. فعل هذا بإرادته، كما نخاطبه في صلاة الساعة السادسة قائلين "لأنك بمشيئتك سُررت أن تصعد على الصليب لكي تنجي الذين خلقتهم من عبودية العدو".
ويقول القديس هيلاري أسقف بواتييه:
[تركهم يسمِّرونه على الصليب حتى يُسمِّر لعنة الصليب ويمحو كل اللعنات المدان بها العالم.][2]
بالصليب أباد الموت
بالموت داس الموت والذين في القبور أنعم عليهم بالحياة الأبدية. باجتيازه الموت على الصليب لم يعد للموت سلطان علينا، بل صار الصليب علامة انتصار. فكما يقول القديس بولس الرسول "ابتلع الموت إلى غلبة. أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟" (1كو 15: 55). الموت والهاوية لم يعد لهما سلطان.
وكما يقول القديس غريغوريوس النزينزى معلِّقًا على هذه العبارة في العظة الثانية على القيامة:
[أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟ لقد أطاح بك الصليب وقتلك واهب الحياة.][3]
القديس أغسطينوس أيضًا يقول:
[مات، لأنه كان من الملائم، لكي بموته يبيد الموت ... المسيح هو الله، ولكن ليس في تلك الطبيعة التي هو فيها لله. لأن نفس الشخص هو الله وإنسان ... مسيح واحد. اتخذ الطبيعة البشرية لكي نحن نتحول إلى الأفضل. لم يحُط من الطبيعة اللاهوتية إلى الأدنى. لأنه أخذ تلك التي ليست له، ولم يفقد تلك التي كانت له. لأنه كما هو إله وإنسان، سُرَّ أن يعيش بتلك التي له، ويموت بتلك التي لنا. لأن لم يكن فيه هو ذاته شيء يمكن أن يموت من أجله، ولا نحن لنا شيء به يمكن أن نحيا.][4]
على الصليب محا حكم الموت نهائيًا
ليس فقط أن رب المجد أباد الموت بل أيضًا بالصليب محا حكم الموت المحكوم به علينا. وهذا لا يعني أنه ألغى الحكم وإنما نفَّذه في ذاته بأن اجتاز فيه ليمنحنا الحياة. مات هو بدلاً منا جميعًا، المؤمنين به، ليحررنا من الحكم. فلأنه الحياة لم يكن يمكن أن يبقى في قبضة الموت، ولأنه الحياة كما أكد هو بنفسه لمرثا أخت لعازر قائلاً: "من آمن بي ولو مات فسيحيا" (يو 11: 25)، بذلك أعطانا أن ننال حياة أبدية.
يقول القديس هيلاري عن هذا:
[محا حكم الموت بالموت ... الغير المائت، والذي لا يمكن للموت أن يهزمه كان لابد أن يموت لكي ينال المائتين الأبدية.][5]
بالصليب أمات الخطية ليقيمنا في بر
فكما يقول القديس كيرلس الأورشليمي:
[مدَّ يديه على الصليب، لكي يحتضن أقصاء العالم؛ لأن هذه الجلجثة هي مركز الأرض (مز 22: 18) (مقتبسة في يو 19: 24). مد يديه البشريتين، وهو الذي بيديه الروحيتين أسَّس السماء؛ وثبَّتها بالمسامير، لكي بشريته التي حملت خطايا البشر، إذ تُسمَّر على الشجرة وتموت، تموت معها الخطية، ونحن نقوم ثانية في بر.][6]
بالصليب محا دين الخطية
ليس فقط أمات الخطية بل محا دين الخطية الذي علينا. فقد كنا مديونين بالموت بسبب الخطية التي تجرأ عليها أبونا آدم في الفردوس وانتقلت إلينا فصرنا خطاة بالطبيعة، وصرنا تحت حكم الموت كدين لابد من تنفيذه. وصار هناك صك بهذا الدين أي حكم الموت ولابد من سداد هذا الدين. فكان لابد أن نموت تنفيذًا لحكم العدل الإلهي. ظل هذا الحكم قائمًا إلى أن سدَّده عنا مخلِّصنا على الصليب، حيث سمَّر هذا الصك الذي ضدنا (كو 2: 14). هكذا نطلب إليه كل يوم في طلبة الساعة السادسة قائلين: "مزِّق صك خطايانا أيها المسيح إلهنا وخلصنا".
بالصليب انتصر على الشيطان
وكما يقول القديس بولس الرسول في (كو 2: 15): "إذ جرَّد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا، ظافرًا بهم فيه" بالصليب أخضع قوات الظلمة وأخزى الملوك والرؤساء ... نزع عنهم قوتهم وانتصر عليهم. غلب العالم كما قال: "ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو 16: 33). رغم مظهر الضعف على الصليب لكنه تمجد إذ حقق المصالحة بين الله والإنسان، ونزل من قبل صليبه إلى الجحيم، إلى أقسام الأرض السفلى (أف 4: 9) وأسر الشياطن وفتح باب الفردوس وأدخل آدم وكل النفوس الراقدين على رجاء ومعهم اللص اليمين الذي آمن به رغم مظهر الضعف الذي كان عليه. رد آدم إلى رئاسته، إلى مكانته الأولي، أعاد له الصورة الإلهية التي كانت قد انطمست بالخطية. هذا الذي نزل هو الذي صعد فوق جميع السماوات، لكي يملأ الكل (أف 4: 10) ...
بالصليب غلب العالم
عن هذا يقول القديس أغسطينوس في عظة على دروس من العهد الجديد:
[لقد غلب العالم كله ... لقد أخضع كل القوات، لقد أخضع ملوكًا، ليس بفخر الجندية، ولكن بعار الصليب: ليس بجنون عنف السيف، وإنما بالتعليق على خشبة، بالآلام في الجسد، بعمل الروح، رفع جسده على الصليب، وهكذا أخضع الأرواح للصليب ... أي جوهرة في تيجانهم أثمن من صليب المسيح على جباه الملوك؟ إذ تحبونه لن تخزوا أبدًا...] ؛ [ثقوا، لقد غلبت العالم" (يو 16: 33). لأن الرئيس سمح أن يجرَّب، فقط لكي يعلِّم جنوده أن يحاربوا.][7]
وبقيامته تمجد أمام صالبيه وأعدائه .. وتبدل منظر الصليب والرب منحنٍ تحت ثقله بعد اللطم والجلد والبصق والاستهزاء، المنظر الذي يمزق قلوب المؤمنين، إلى منظر يعطي فرح ورجاء وقوة. نري فيه الحب مجسمًا: إله يبذل ذاته لأجل من يؤمن به ... يبسط يديه للجميع مستهينًا بالخزي لكي يضم من يقبله ...
هذا هو الصليب .. صليب الكفارة والفداء ... صليب خلاصنا. لذلك نترنم له في أرباع الناقوس في عيد الصليب قائلين: الصليب هو سلاحنا، سلاح الغلبة .. هو رجاؤنا .. هو ثباتنا في ضيقاتنا وشدائدنا.
وعلى الرغم من كل هذه المفاهيم الواضحة، وعلى الرغم من النصرة التي حققها صليب رب المجد نرى بعض أفكار غير سليمة من الذين يرفضون فكرة العقوبة، من بينها:
فكر غير سليم عن الصليب
يقول المعترضون على فكرة العقوبة:
- كيف يصبح الصليب انتصارًا، وكيف تنتصر الحياة وهي رازحة تحت حكم عدل تصوَّره الإنسان كما يتصوَّر المحكمة الأرضية، وأي انتصار يكون للبريء وهو يذهب لمواجهة الحكم وقبوله من أجل المذنب؟ وأي فرح يمكن أن ينبع من تلك الصورة القاتمة التي يعاقب فيها البرئ؟
للأسف لا يرى هؤلاء البركات التي حققها الصليب والنصرة التي أعطاها لنا على الشيطان والخطية والموت والعالم والخلاص الذي منحنا إياه بصلبه!
الرد الوحيد هو أن هذا القول هو من فكر غريب يثبت عدم فهم عقيدة الفداء بشكل سليم ... لذلك فإن أبسط رد على هؤلاء:
كيف ترون الصليب صورة قاتمة يعاقب فيها البرئ، بينما هو الوسيلة التي اختارها الرب ليتمم بها تدبيره لفدائنا؟ كيف تتخيلون هذا بينما هو أنسب وسيلة كما ناقشنا وأكدنا من أقوال الآباء؟
الصليب بالحقيقة وبالفعل انتصار وفرح وليس حكمًا ظالمًا لأنه بالنسبة لنا نحن المؤمنون هو قوة الله للخلاص. وحاشا لله أن يصدر حكمًا ظالمًا!
لذلك أيضًا سوف يأتي في مجد تسبقه علامته الصليب المجيد ... وسوف يخزى الذين أهانوه وكما قال وهو في الطريق للصلب لجمهور الشعب والنساء الذين كانوا يتبعونه وينوحون عليه أن لا ينوحوا عليه. هذا لأنه سيتمجد بالمجد الذي كان له قبل تأسيس العالم. أما أولئك الذين رفضوه فسوف يبتدئون يقولون للجبال أن تسقط عليهم وللآكام أن تغطيهم من الخزي حين يقفون أمامه في ذلك اليوم الرهيب يوم الدينونة (لو 23: 28-30)
نعم علامة الصليب سوف تسبق مجيء المسيح الثاني في مجد كما قال بذاته:
في (مت 24: 30) عن علامات آخر الأزمنة بعد أن وصف ما سيحدث أضاف: "وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء ... ويبصرون ابن الإنسان آتيًا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير"
رأها قسطنطين الملك العلامة في جلد السماء فآمن، وبقوتها انتصر في الحروب ... اشتهت أمه الملكة هيلانة أن ترى الصليب الذي صلب عليه الرب وسعت باجتهاد حتى وجدته وكرمته ...
ثانيًا - الصليب وغضب الله العادل
هل كان الصليب تنفيذ لعدل الله؟ ... هل عدل الله يعني غضب الله على الخطية؟ ... وهل الله يغضب؟ ... ولماذا تحمَّل ابن الله هذا الغضب وهو البار الذي بلا خطية؟ ...
أولاً - بالفعل كان صليب رب المجد هو تنفيذ لعدل الله
فعدل الله يقتضي تنفيذ الحكم الإلهي الصادر ضد الخاطئ، وهو الموت، لأن "أجرة الخطية هي موت" (رو 6: 23). وأي قاضي أرضي لابد أن يضع الحكم الصادر منه موضع التنفيذ، فكيف بديان كل الأرض؟! لقد وُصف في أكثر من موضع أنه الديَّان: أبونا إبراهيم قال له هذا (تك 18: 25)؛ وأيضًا في: (مز 50: 6؛ 94: 2)؛ (أع 10: 42)؛ (2تي 4: 6)؛ (عب 12: 23)؛ (يع 5: 9) ... فهل يُسقِط حكمه ويتنازل عنه؟ ألا يعني هذا تمادي الخاطئ في الخطأ وتشجيع الآخرين على نفس السلوك؟ وهل الله الصادق يكذب أو يتراجع عن كلمته؟ وهل رحمته تعني أن يُسقِط عدله ويتغاضى عن حكمه؟ حاشا لله أن يفعل ذلك ... فالعدل والحق قاعدة كرسيه (مز 97: 2). لقد رسم شريعة الذبائح في العهد القديم كرمز ومثال تمهيدًا لفكرة الفادي، حيث يحمل الحيوان قصاص الخطية بدلاً من الخاطئ لأن "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة" (عب 9: 22). ولكن هذه الذبائح لم تكن تصلح أن ترفع الخطايا ولكن مجرد مثال، فكما يقول القديس بولس الرسول: "لأنه لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا. لذلك عند دخوله إلى العالم يقول: ’ذبيحة وقربانًا لم تُرد، ولكن هيأت لي جسدًا. بمحرقات وذبائح للخطية لم تُسر‘. ثم قلت: هأنذا أجيء في درج الكتاب مكتوب عني لأفعل مشيئتك يا الله." (عب 10: 4-7) وأيضًا: "وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدِّم مرارًا كثيرة تلك الذبائح عينها، التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية. وأما هذا فبعدما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة، جلس إلى الأبد عن يمين الله" (عب 10: 11-12)
ثانيًا - هل عدل الله يعنى أنه غاضب على الخطية أم على الخاطئ؟
الله يغضب على الخطية وليس على الخاطئ، لأنه يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون، وهو لا يشاء موت الخاطئ مثل أن يرجع ويحيا. أما على الخطية فهو يغضب ويعاقب .. وليس كما يعتقد البعض أن الله لا يغضب فهو رحوم يغفر ..فالأمثلة كثيرة في الكتاب المقدَّس على غضب الله ... يصفه موسى النبي أنه "نار آكلة، إله غيور" (تث 4: 24) ... ولكنه كان يحذِّر شعبه من غضبه فنراه يقول في (إر 4: 4) "اختتنوا للرب، وانزعوا غُرل قلوبكم ... لئلا يخرج كنار غيظي فيحرق وليس من يطفئ بسبب شر أعمالكم". وأيضًا الأمثلة كثيرة على معاقبته للخاطئ. ففي سفر إشعياء علي سبيل المثال (إش 1: 2-20) يقول الرب: "ربيت بنين ونشأتهم، أما هم فعصوا عليَّ ... ويل للأمة الخاطئة، الشعب الثقيل الإثم ... تركوا الرب، استهانوا بقدوس إسرائيل، ارتدوا إلى وراء ... لماذا لي كثرة ذبائحكم ... البخور هو مكرهة لي ... فحين تبسطون أيديكم أستر عينيَّ عنكم، وإن كثَّرتم الصلاة لا أسمع. أيديكم ملآنة دمًا ...".
ورغم ذلك فإنه بطيء الغضب لأن عدله مرتبط دائمًا برحمته.
يقول عن ذاته: "الرب إله رحيم رؤوف بطيء الغضب وعظيم القدرة، ولكنه لا يبرئ البتة ... من يقف أمام سخطه ومن يقوم في حمو غضبه" (خر 34: 6، 7، يون 4: 2). وفي (خر 22: 27) يقول: "الرب إله رحيم رؤوف بطيء الغضب ... غافر الإثم والمعصية والخطية".
ثالثًا – هل غضب الله في العهد القديم فقط؟
هل الشواهد السابقة تعني أن غضب الله كان في العهد القديم فقط، فيظهر عدله في صورة إله قاس منتقم، أما في العهد الجديد فهو إله رحوم محب؟!!!!
إن هذا مفهوم خطأ لأنه يعني القول بإلهين مختلفين، إله العهد القديم وإله العهد الجديد ... أو يعني الفصل بين صفات الله وعدم تكاملها في كل الأوقات، ففي العهد القديم كانت له صفة العدل خالية من الرحمة، وفي العهد الجديد صفة الرحمة خالية من العدل؟!!! قول خاطئ وغير منطقي. الله "هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد" (عب 13: 8) ... الله "ليس عنده تغيير ولا ظل دوران" (يع 1: 17).
نراه في العهد الجديد أيضًا إله عادل ...
نري كيف غضب السيد المسيح الابن القدوس وغار على بيت أبيه فقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام، وقال لهم: "مكتوبٌ بيتي بيت الصلاة يُدعى. وأنتم جعلتموه مغارة لصوص!" (مت 21: 12، 13؛ مر 11: 15-17) ... بل كما يقول القديس يوحنا أنه صنع سوطًا من حبال وطرد الجميع من الهيكل والغنم والبقر وكبّ دراهم الصايرفة وقلب موائدهم، وقال لباعة الحمام ارفعوا هذه من ههنا! لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة! فتذكَّر التلاميذ أنه مكتوب "غيرة بيتك أكلتني" (يو 2: 15-17) ... فإذا كان ابن الله غضب من أجل بيته وبيت أبيه، أفلا يغضب الله على الخطية. ولكن نلاحظ أن في غضبه كان يعطي تعليمًا "بيتي بيت الصلاة" ... لا تجعلوا هذا البيت بيت تجارة ... هذا هو غضب الله. فيه تحذير وتعليم وتوبيخ وتأديب من أجل خلاص البشر ...
وقد حذَّر السيد المسيح من خلال الأمثال وغيرها من هذا الغضب موضِّحًا العقاب الذي ينتظر الأشرار.
في مثل العبد الردئ يحذِّر الأشرار من الظلمة الخارجية والعذاب الأبدي (مت 24: 50، 51؛ 25: 46) ... كما يوضِّح كيف أنه سيرسل ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم ويطرحونهم في أتون النار (مت 13: 41، 42) ... وكيف سيقول للذين عن اليسار "اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعَّدة لإبليس وملائكته" (مت 25: 41). نراه أيضًا يوبِّخ الفريسيين والكتبة (مت 12، 15، 17...) وإذ لم يجد منهم استجابة للتحذير يقول الكتاب: "فنظر إليهم بغضب حزينًا على غلاظة قلوبهم" (مر 3: 5)!!!
والقديس بولس الرسول أيضًا يحذِّر قائلاً "مخيف هو الوقوع في يديّ الله الحي" (عب 10: 31)؛ "لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم" (رو 1: 18) ...
أما في سفر الرؤيا فهو ينذِّر من يسجد للوحش وصورته بأنه "سيشرب من خمر غضب الله المصبوب صِرفًا في كأس غضبه ويعذَّب بنار وكبريت" (رؤ 14: 10) ... هناك أيضًا الملائكة السبعة الذين يسكبون جامات غضب الله على الأرض (رؤ 16: 1-3).
هكذا فإن الغضب عند الله ليس كما هو عند البشر مشاعر وانفعالات قد تؤدي إلى أحكام غير محسوبة ...
الغضب عند الله هو تعبير عن رفضه للخطية والشر ولأن صفات الله متكاملة فهو قدوس كما هو عادل لذلك لا يحتمل أن يرى الخطية ولا يسمح أن تمتد، كما أنه الحكمة لذلك فأحكامه الصادرة عن رفضه للخطية ليست أحكام غير صائبة وإنما هي الحق والعدل ومعهما الرحمة أيضًا، لأنه كما تعلمنا رحيم في عدله وعادل في رحمته. هو يحب الإنسان وكطبيب يعالج وكأب يؤدب ولكن في كل ذلك يشفي ويعصب ...
الله في غضبه طويل الأناة لأن كما رأينا الهدف ليس أن يهلك ولكن أن يقود للتوبة والخلاص. فكما رأينا طول أناته في العهد القديم، هكذا نرى في العهد الجديد. فالقديس بطرس الرسول يؤكد قائلاً: "يتأني علينا، وهو لا يشاء أن يُهلك أناس بل أن يُقبل الجميع إلى التوبة" (2 بط 3: 9). والقديس بولس الرسول أيضًا يقول: "فماذا إن كان الله، وهو يريد أن يُظهر غضبه ... احتمل بأناة كثيرة آنية غضب مهيَاة للهلاك" (رو 9: 22) ... فعلى الرغم من أنها آنية هلاك، لكنه يتأنّى عليها ويحتملها لكي تتحوَّل إلى آنية رحمة لمجد الله.
فلماذا إذًا تحمل ابن الله هذا الغضب وتم تنفيذ الحكم فيه وهو البار الذي بلا خطية؟
إنه التدبير الإلهي الذي جمع العدل والرحمة معًا. فقد بذل الآب ابنه الوحيد وتركه للألم الفعلي لكي يخلِّص كل البشر ولا تهلك خليقته المحبوبة. كان لابد أن يموت الخاطئ وهذا معناه أن يفنى الإنسان الذي خلقه على صورته ومثال، فإذا بالعدل والرحمة معًا دبرا أن يرسل الآب ابنه ليأخذ طبيعة بشرية ولأنه غير محدود وبلا خطية يمكنه أن يحمل خطايا كل البشر ويفي بدلاً منه بالدين المطلوب منهم سداده وهو الموت!
إذًا موت ابن الله على الصليب كان استيفاءً للعدل الإلهي برفض الخطية، وتنفيذًا للحكم الإلهي بموت الخاطئ، وتحقيقًا للرحمة الإلهية بإنقاذ الخاطئ وموت الابن الوحيد الإنسان يسوع المسيح عن كل الخطاة من آدم إلى آخر الدهور ... فالصليب إذًا تحذير من غضب الله وعدله الذي لم يشفق على ابنه الوحيد بل بذله لأجلنا .. ومن جانب آخر هو رجاء في رحمة الله تجاه البشر ...
ثالثًا - الطاعة وحقيقة آلام الصليب
خضع ابن الله للتدبير الإلهي من أجل خلاص الإنسان. فبدأ بالطاعة:
رغم أن الرب يسوع المسيح هو ابن الله الظاهر في الجسد ومعادل لله لكنه خضع للتدبير الإلهي، فأخذ جسدًا بشريًا خاصًا به من طبيعتنا البشرية كاملة ... "لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى ذاته ... إذ وُجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه، وأطاع حتى الموت، موت الصليب" (في 2: 6-8). كان خضوعه للتدبير الإلهي من أجل خلاصنا. وقد كانت الطاعة لازمة لمحو أثر العصيان الأول الذي جلب الموت كما يعلِّمنا القديس بولس الرسول: "لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرين خطاة، هكذا أيضًا بإطاعة الواحد سيُجعل الكثيرين أبرارًا" (رو 5: 19). هو إذًا أطاع ونفذ في ذاته حكم الموت ليجعل الكثيرين (أي الذين يؤمنون به ويتبعونه) أبرارًا بعد أن كانوا خطاة بسبب معصية أبيهم آدم الأول.
آلام الصليب حقيقية
هل تألم ابن الله بالحقيقة على الصليب؟ هل كانت آلام الصليب حقيقية؟
نعم تألم بالحقيقة حتى أنه صرخ بصوت عظيم على الصليب قائلاً "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" وصرخ ثانية ثم أسلم الروح (مت 27: 46، 50؛ مر 15: 34، 37؛ لو 23: 46).
لو لم تكن الآلام حقيقية لكان صراخه تمثيلاً، وحاشا لله أن يفعل هذا!
فماذا قال الآباء عن هذه الآلام وحقيقتها؟
القديس كيرلس الأورشليمي، على سبيل المثال، يؤكد بالمنطق حقيقة الآلام، يقول:
[تألَّم يسوع بالحقيقةِ من أجلِ كلِّ البشر، لأنَّ الصليبَ لم يكن خداعًا وإلاَّ كان فداؤنا أيضًا خديعة. لم يكن موْته مجرد استعراض، وإلاَّ كان خلاصُنا أيضًا خرافةً ... كانت الآمُه إذًا حقيقية، فقد صُلِب حقيقةً، ونحن لا نخجل من ذلك: صُلِب، ونحن لا نُنكر هذا. بلى، إنَّني افتخرُ بالحديثِ عن ذلك. حتى لو أنكرت ذلك، فالجلجثة تُفحمني ... خشبةُ الصليب تُفحمني، فقد وُزِعَتْ أجزاؤه فيما بعد من هنا لكلِّ العالم.][8]
رابعًا - الصليب ونيابة المسيح عن البشر
نيابة السيد المسيح عن البشر هي عقيدة مستقرة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية استنادًا للكتاب المقدس وفكر الآباء ..
آيات صريحة كثيرة من الكتاب المقدس توضِّح نيابة السيد المسيح عن البشر، منها على سبيل المثال:
· قول السيد المسيح ذاته: "أن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم، بل ليخدِم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مت 20: 28 ؛ مر 10: 45)
· قوله عن خبز الحياة: "الخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حيات العالم" (يو 6: 51)
· قول القديس بولس الرسول: "الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين" (رو 8: 32)
· ويقول أيضًا القديس بولس الرسول: "أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب" (1 كو 15: 3) ؛ "وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام" (2 كو 5: 15) ؛ ويقول صراحة: "لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذُبح لأجلنا" (1 كو 5: 7). ومرة أخرى يؤكد: "كما أحبنا المسيح أيضًا وأسلم نفسه لأجلنا" (أف 5: 2)، "لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد" (عب 2: 9).
· القديس يوحنا الحبيب أيضًا يتكلَّم عن كفارة السيد المسيح: "فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار. وهو كفَّارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضًا" (1 يو 2: 1، 2)
فماذا يعني الذبح والبذل للموت سوى تنفيذ عقوبة الخطية؟! هل كان الله يسمح أن يموت ابنه الوحيد على الصليب مع كل آلام الصلب لمجرد أنه يحب البشر الخطاة؟ أي منطق هذا! وهل إذا كان الأمر كذلك يتنازل عن حكم الموت الصادر منه ضد الإنسان بعدل؟! وهل إذا لم يكن تنازل لأن الله صادق في كلامه وعادل، هل العقوبة لا تزال قائمة ضد الإنسان تنتظر التنفيذ؟؟؟؟؟! كلها مفاهيم غير منطقية وإلاّ لماذا جاء ابن الله في الجسد؟؟!
عن نيابة المسيح عن البشر وحمله العقوبة عنهم وبدلاً منهم، يؤكد العديد من الآباء الأولين أن موت المسيح كان نيابة عن الجميع وبدلاً منهم، وهذا هو مفهوم الفداء والكفارة. من هؤلاء الآباء على سبيل المثال:
القدِّيس أثناسيوس إذ يوضح في أكثر من موضع من كتاباته أن موت المسيح كان نيابة عنا وبدلاً منا. ففي كتابه "تجسد الكلمة" على سبيل المثال يقول:
[ولكن إذ كان لابدَّ من تسديد الدين المستحق على الجميع ... أن يموت الجميع ... لذلك جاء وسطنا، ولكي بعد إثباتات ألوهيته من أعماله، يقدِّم ذبيحته عن الجميع on behalf of all ، بأن سلَّم هيكله (هيكل جسده) للموت بدلاً من الكلin the stead of all.][9]
[لأنه كان لابد من الموت، وكان لابد أن يتم الموت نيابة عن الجميع، لكي يوفي الدين المستحق على الجميع.][10]
وأيضًا:
[بذل جسده عوضًا بدلاً من الجميع وقدَّمه للآب in the stead of all and offered it to the Father.][11]
وقول آخر واضح ورد في الرسالة إلى ديوجنيتس، يقول:
[حمل بنفسه آثامنا، وبذل ابنه فديةً عنَّا: القدوسُ من أجلِ الأثمة، الذي بلا لومٍ من أجلِ الأشرار، البارُ من أجلِ الفاسدين، غير المائت من أجل المائتين ... [12][
كل هذا يؤكد أن الصليب المقدَّس كان عن ومن أجل وبدلاً من البشر، فداءً وكفَّارة لخطايانا وخلاصًا وحياة أبدية لمن يؤمن به.
ثالثًا - أهمية شخص المسيح بالذات لصليب للكفَّارة
إنَّ القيمةَ الكفَّارية لموتِ المسيح تكمُن في شخصه ذاته: أي في طبيعته الإلهية المتَّحدة بالناسوتِ الذي أخذه ليموت عن البشر واحتفظ بكلٍ من الطبيعتيْن دون اختلاطٍ او امتزاجٍ أو تغيير. فطبيعةُ السيد المسيح الإلهية أعطت الكفَّارة قيمتها غير المحدودة حتى تكفي للوفاءِ بعقوبةِ الخطيَّة غير المحدودة، وحتى تكفي لخلاصِ العالمَ كلَّه من آدم إلى آخر الدهور ... هذا ما يؤكِّده الآباء عن قيمة شخص المسيح بالذات للفداء ...
يقول القدِّيس كيرلس الأورشليمي:
[لم يكن ذو شان هيِّن ذاك الذي مات عنَّا، لم يكن مجرَّد شاه، ولم يكن مجرَّد إنسان، بل كان أكثرَ من ملاك، كان اللهُ المتأنِّس.][13]
ويكرر:
]لا تتعجَّبوا أنَّ العالمَ كله افتُدي، لأنَّ الذي مات عنه ليس مجرد إنسان، ولكنَّه ابن الله الوحيد ... إن خطيَّة إنسان واحد، أي آدم، كان لها القوَّة أن تجلِب الموْت إلى العالم ... فكيف لا تملُك الحياةُ بالأحرى ببرِ الواحد (رو 5: 17، 18)؟ ... كثيرون صُلبوا في العالم، لكن لم ترتعب الشياطين من أيٍ منهم. لكن لما رأت الشياطين مجرد علامة صليبَ المسيح الذي صُلب لأجلنا ارتعدت. لأنَّ أولئك ماتوا من أجلِ خطاياهم الخاصة، أما المسيح فمن أجلِ خطايا آخرين.][14]
أيضًا قول للقدِّيس يوحنا ذهبي الفم:
[أنظروا كم من الأدلَّة يورِدها لإثبات ما قيل. أولاً من جدارةِ الشخص، لأنَّه ليس إنسان الذي يفعل هذه الأشياء حتى يكون أضعف من أن ينفِّذها، ولكنَّه الله كليِّ القدرة ... ثم من الناموسِ والأنبياء ... لأنَّه على هذا الأساس قال "بدمِه"، وذلك لكي يُعيد لأذهانِهم تلك الخِراف والعجول. فإنَّه إذا كانت الذبائح الغير العاقلة تُحرِّر من الخطيَّة، فبالأولى هذا الدم ... ولهذا يدعوها كفَّارة لكي يُظهِر أنَّه إذا كان المثال أو الرمز له هذه القوَّة، فبالأحرى يكون للحقيقة نفس القوَّة.][15]
هنا يوضِّح اتحاد الطبيعتين فيه – طبيعة واحدة من طبيعتين: طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة كما عبَّر عنها القديس كيرلس الكبير. وهو ما أعطي الكفَّارة فاعليتها، وأن ذبائح العهد القديم كانت مثال ورمز.
هكذا يظهر بوضوح ارتباط الصليب وشخص المصلوب بنيابة المسيح عن كل البشر ..
خامسًا - الصليب تجسيد لالتقاء العدل والرحمة
إن صفات الله غير منفصلة عن بعضها البعض فالله عادل عدل مطلق، ورحوم رحمة مطلقة. هو العدل ذاته والرحمة ذاتها ... هو المحبة والقداسة وكل الصفات الأخرى المطلقة، التي وإن شارك البشر فيها فهي عند البشر بشكل نسبي.
الإنسان الذي على صورة الله أخطأ، ولأن أجرة الخطية موت كان لابد من موت الإنسان ... حكم واجب النفاذ، لأن الله صادق وعادل في أحكامه، كما أنه قدوس لا يطيق الخطية والسماء غير طاهرة في عينيه، فكيف يسمح بالإنسان الذي خلقه على صورته أن يحيا بالخطية؟!
أذًا هذا الإنسان محكوم عليه بالإعدام، والله صادق وعادل في أحكامه ... ولكن هل يترك الله هذا الإنسان – الذي أحبه – يموت وتنتهي القصة؟! لماذا إذًا خلقه؟َ! وهل الله القادر على كل شيء لا يقدر أن ينقذ خليقته المحبوبة؟! هل يترك الشيطان ينتصر ويبيد صورته ومثاله؟! هل يترك المخلوق الذي أحبه في بؤسٍ ليعود إلى العدم الذي أوجد منه؟! أنه أمر يتعارض مع صلاح الله ... غير أن عدله يقتضي تنفيذ الحكم. أيضًا لو رجع في الحكم هذا يكون ضد عدل الله ... لذلك بشفقته دبَّر إنقاذ هذا الإنسان دون أن يتنازل عن عدله.
هكذا يقول القديس أثناسيوس الرسولي عن صدق الله ونفاذ كلمته:
[كان جنس البشر في طريقه للهلاك ... كان من البشع أولاً أن الله بعد أن يتكلَّم يكون كاذبًا – إذ بعد أن قضى أن يموت الإنسان موتًا إذا خالف الوصية، وبعد أن يخالف لا يموت، وتقع كلمة الله. إذا حدث بعد أن قال الله لابد أن نموت ولم نمُت، لكان الله غير صادق ...][16]
وعن تعارض هلاك الإنسان مع صلاح الله يقول:
[لم يكن جديرًا بصلاح الله أن خليقته تهلك ... وإذ كانت الخليقة العاقلة في طريقها للاختفاء والهلاك، فماذا كان يفعل الله في صلاحه؟ هل كان يحتمل أن يسود عليهم الفساد ويقبض عليهم الموت؟ ... فطالما خلقهم من العدم كان من الأكثر بشاعة لو تركهم للهلاك وأن يحدث هذا أمام عيون الخالق ... يكون هذا غير لائقًا وغير جديرًا بصلاح الله.][17]
من أجل هذا كما يقول القديس أثناسيوس شفقته ومحبته جعلته يتجسد:
[إن تعدياتنا استدعت شفقة الكلمة، أن يسرع الرب لمساعدتنا ويظهر وسط البشر. فنحن كنا الغرض من تجسده، ومن أجل خلاصنا تعامل بمحبة كبيرة لدرجة أن يظهر ويولد من جسد بشري.][18]
هكذا يظهر في حالة الإنسان صدق الله، عدل الله، صلاح الله، ورحمة الله.. لأن صفات الله متكاملة في جميع الأوقات.
وكما يعلِّمنا قداسة البابا شنودة الثالث، الله عادل في رحمته ورحوم في عدله ... الله محب جدًا وغفور، ولكنه أيضًا عادل وقدوس. وإن كان الله غير محدود في محبته، فهو أيضًا غير محدود في عدله وغير محدود في قداسته. وقداسة الله لا تقبل الخطية وعدله يعاقب عليها ...
هكذا كان التدبير الذي كان في فكر الله من الأزل، التدبير الذي يفوق إدراك البشر وبه يتحقق الأمران معًا العدل والرحمة. بذل ابنه الحبيب لكي لا يهلك كل من يؤمن به ... احتمل الصليب وهو البار لكي يخلِّصنا "مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا" (إش 53: 5-11). "الله بيَّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا" (رو 5: 8).
وكانت الوسيلة هي (الصليب) ... هذه الوسيلة البغيضة التي يعاقب بها أشر الخطاة اختارها الله لتكون الوسيلة التي ينقذ بها خليقته المحبوبة ...
على الصليب إذًا "الرحمة والحق التقيا، البر والسلام تلاثما" (مز 85: 10) ...
نعم فليس هناك صراع بين العدل والرحمة وليس الصليب انتصارًا للعدل على الرحمة! حاشا! فليس هناك خلافًا بين الأقانيم. وابن الله الوحيد صعد على الصليب بإرادته ومسرته ليفدينا.
سادسًا - لماذا الصليب وليس وسيلة أخرى
هل كان الصليب هو الوسيلة الوحيدة المناسبة واللازمة لتحقيق الفداء للبشر؟ وكيف وهو وسيلة عقاب وألم ولعنة؟
يجيب القدِّيس أثناسيوس على هذا التساؤل موضحًا أنَّه لم تكن هناك وسيلة أخرى أصلح لنا وأفضل من أن يتألَّم الرب عنَّا على الصليب لعدةِ أسباب:
[لم تكن هناك وسيلةٌ أخرى أصلح لنا ... كيف كان يمكن أن يصيرَ لعنةً (غل 3: 13؛ تث 21: 23)؟ ... على الصليبِ فقط يموتُ الإنسان باسطًا يديْه. هكذا كان من الملائمِ للربِ أن يتحمَّل هذا أيضًا ويبسِط يديْه، حتى بالواحدةِ يجتذب أناس العهدِ القديم، وبالأُخرى الأمم، ويوحِّد الاثنان في ذاته. وهذا ما قاله بنفسه موضِّحًا بأيةِ ميتة كان سيفدي الجميع: "وأنا إن ارتفعتُ عن الأرض أجذب إلىَّ الجميع" (يو 12: 32) ... كما أنَّ الرسول يقول: "حسبَ رئيس سلطان الهواء، الروح الذي يعمل الآن في أبناءِ المعصية" (أف 2: 2) ... من هنا كان من المناسبِ تمامًا أنَّ الربَّ يقاسي هذا الموْت لكي إذا ارتفع يُنقِّى الهواءَ من أذى الشيطان وأي أرواح أخرى، كما يقول: "رأيتُ الشيطانُ ساقطًا مثلَ البرق من السماء" ...][19]
ولماذا لم يسلِّم السيد المسيح جسده للموتِ بالطريقةِ المعتادة، سواءً بمرضٍ أو ضعفٍ؟ هذا أيضًا يناقشه القدِّيس أثناسيوس بمنطق رائع كعادته، يقول :
[وقد يقول أحدٌ لماذا طالما كان من الضروري أن يسلِّم الجسد للموتِ بدلاً من الجميع لم يسلِّمه سرًا بدلاً من الصلب؟ ... أسبابٌ كثيرة تليقُ بلاهوته ... أولاً لأنَّ الموْتَ الذي يصيب البشر يُصيبهم بسببِ ضعفِ طبيعتهم ... ولكن الربُّ ليس ضعيفًا، بل هو قوَّةُ الله، وكلمةُ الله، والحياةُ ذاتها ... كما لم يكن ملائمًا أن يمرَض الربَّ، بينما هو شفى أمراضَ كثيرين. ولا من الملائمِ أن يفقد الجسدَ قوَّته، بينما به يُعطي القوَّةَ لضعفاتِ الآخرين أيضًا. ولماذا إذًا لم يمنع الموْت كما منعَ المرض؟ لأنَّه لهذا أخذ الجسد. ولم يكن ملائمًا أن يمنع الموْت لئلا تُعاق القيامةُ أيضًا.][20]
نفس هذا الفكر الذي للآباء الأولين في هذا الصدد نجده في كتابات ومحاضرات أبينا قداسة البابا شنودة الثالث وفي أكثر من جزء من سلسلة "سنوات مع أسئلة الناس" ويتلخص في عدة نقاط:
- كان الصليب عارًا، فاختار الرب أشنع الميتات وأكثرها عارًا في ذلك الزمان. لذلك نخرج إليه حاملين عاره (عب 13: 13).
- كان الصليب في العهد القديم لعنة ، فالسيد المسيح بالصليب أراد أن يحمل كل اللعنات التي وقعت على البشرية بالناموس لكي يمنحنا بركة ولا تكون هناك فيما بعد لعنة.
- كان الصليب عثرة لليهود (1 كو 1: 18) فاختاره المسيح وحوَّله إلى قوّة.
- كان الصليب أيضًا من أكثر أنواع الموت إيلامًا، إذ تتمزَّق فيها أنسجة الجسد بطريقة مؤلمة جدًا، كما يجف الماء الموجود في الجسد لكثرة النزيف والإرهاق الجسد ... فحمل المسيح الآلام التي كانت تستحقها البشرية.
- كان الصليب ميتة يرتفع فيها من يموت عن الأرض، وهكذا قال المسيح "وأنا إن ارتفعت، أجذب إليَّ الجميع" ... هكذا كما ارتفع على الصليب ارتفع إلى المجد، وفي صعوده رفعنا عن مستوى الأرض.
- كان في موته باسطًا ذراعيه لكل البشرية، إشارة لقبوله الكل.
هكذا نجد الفكر الممتد من الكنيسة الأولى عبر الأجيال إلى يومنا هذا وإلى دهر الدهور ... يحفظه أبناء الكنيسة الأمناء. آمين.
ورغم ذلك هناك مفهوم خاطئ يقول به البعض:
كيف يصبح الصليب انتصارًا، وكيف تنتصر الحياة وهي رازحة تحت حكم عدل تصوَّره الإنسان كما يتصوَّر المحكمة الأرضية، وأي انتصار للبريء وهو يذهب لمواجهة الحكم وقبوله من أجل المذنب؟ وأي فرح ينبع من تلك الصورة القاتمة التي يعاقب فيها البرئ؟
ونجيب أن هذا يعني عدم فهم سليم للفداء. فالصليب هو الوسيلة التي اختارها الرب ليتمم بها تدبيره لفدائنا. وكان أنسب وسيلة. الصليب أيضًا ليس حكمًا ظالمًا فحاشا لله أن يصدر حكمًا ظالمًا! الصليب بالحقيقة انتصار وفرح، فهو كما عرفنا التقاء عدل الله ورحمته.
سابعًا – عار الصليب ومجد الصليب
بين جمعة الصلبوت وعيد الصليب المجيد
يا للعجب !! صليب العار والألم والخزي صار صليب المجد والفخر والفرح ... شتان بين يوم الصلبوت، والحزن يخيم على الجميع وبين فرحة الصليب والاحتفال به ... نعم فقد تحققنا أنه صليب الانتصار والغلبة والمجد ...
نعم .. على الصليب احتمل المسامير والجلد والهزء والبصق واللطم ممن أحسن إليهم ... ولكن ... كل هذا تحول إلى مجد.
على الصليب انتصر على الشيطان وغلب العالم ... على الصليب أخضع قوات الظلمة وأخزى الملوك والرؤساء ... وصفه القديس أغسطينوس في العظة الأولى من دروس في العهد الجديد أنه أثمن من كل الجواهر التي تزين تيجان الملوك ...
ويقول لنا القديس يوحنا ذهبي الفم في العظة 12 على إنجيل يوحنا: [حتى هذه الأشياء ذاتها التي تبدو مخزية، لكن يجدر أن نكرر ما قاله هو ذاته أنها "مجد". فما حدث كان دليلاً ليس فقط على الشفقة والمحبة ولكن على قوة لا يعبر عنها! ففي تلك الساعة أبيد الموت، وانحلت اللعنة، وخزى الشياطين وأشهرهم جهارًا، وسمَّر صك خطايانا على الصليب. ولكن لأن هذه الأمور تمت بشكل غير مرئي، فهناك غيرها تم بشكل مرئي ليظهر أنه كان بالحقيقة ابن الله الوحيد، رب كل الخليقة. فبينما كان الجسد المقدَّس معلٌقًا على الخشبة، الشمس أخفت شعاعها، والآرض ارتعدت واظلمت، والقبور تفتحت، والارض تزلزلت، وقام كثير من الأموات ودخلوا المدينة.]
حقًا ... لأن على الصليب تمت مصالحة البشر مع الله بقبول ذبيحة ابنه الوحيد ... وإذ تمجَّد ابن الله وتمت المصالحة نزل من قبل صليبه إلى الجحيم، إلى أقسام الأرض السُفلى وأسر الشيطان وفتح باب الفردوس وأدخل آدم وكل نفوس الراقدين على رجاء، ومعهم اللص الذي كان على يمينه وآمن به وبملكه رغم مظهر الضعف. فتح الفردوس ورد آدم إلى رئاسته ...
كان الصليب هو ذبيحة السلامة كما يقول القديس أغسيطنوس في كتابه الثالوث الكتاب الرابع الفصل 14:
[ذبيحة السلامة كان فيها هو ذاته مقدِّمًا للذبيحة، والتقدمة ذاتها في واحد].
ويقول فالجانس – أحد لاهوتيي القرن الخامس/السادس عبارة رائعة:
[هو نفسه الكاهن والذبيحة. هو نفسه الله والهيكل! الكاهن الذي بواسطته نتصالح، والذبيحة التي بها نتصالح ... الهيكل الذي نتصالح فيه، والله الذي نتصالح معه].
ثامنًا - مجد وقوة الصليب
مجد الصليب
بعد كل هذا الذي عرفناه .. هل الصليب عار أم مجد؟ رب المجد الذي رأيناه مهانًا ومسحوقًا على الصليب هو الممجد من الأزل وإلى الأبد. أدرك التلاميذ مجده حين أنبأهم عن تسليمه وموته، فطلب منه يعقوب ويوحنا ابنا زبدي لأن يجلس واحد عن يمينه وواحد عن يساره في مجده. أما هو فلم يعترض على أنه يجلس في مجده، لكنه نبَّههم إلى الكأس الذي كان مزمعًا أن يشربها، أي الصليب، أما الجلوس عن يمينه ويساره فهو للذين أعدَّ لهم.
وفي حديثه مع الآب قال له: "أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكون معي حيث أكون أنا، لينظروا مجدي الذي أعطيتني، لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم" (يو 17: 24، 25).
وعن أزلية مجده قال: "والآن مجِّدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يو 17: 5)
إن الصليب لم يُخفِ هذا المجد وإنما أظهره للجميع. الصليب كان يعتبر عارًا لأنه كان عقاب أشر الخطاة، ولكن إذ سمح الفادي أن يتألم به تحوَّل إلى مجد. هكذا فضَّل موسى النبي هذا العارعلى خزائن مصر: "حاسبًا عار المسيح غِنىً أعظم من خزائن مصر" (عب 11: 26).
وإذا كان العالم يراه عارًا إذ أغلقوا عيونهم عن الغرض الذي تحقق به، لكننا نحن نفخر أن نحمل هذا العار. هكذا في جمعة الصلبوت، كما تألم هو من أجلنا خارج الباب، نخرج نحن أيضًا إليه خارج المحلة حاملين عاره (عب 13: 12، 13).
وأيضًا نسبحه في ذلك اليوم مردِّدين:"لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين عمانوئيل إلهنا وملكنا .. لك القوة والمجد والبركة والعزة يا ربي يسوع المسيح مخلِّصي الصالح ..
هكذا نري مجد الصليب فنفخر به ونحمله ونمجده ونحتفل بتذكاره.
فماذا قال الآباء الأولين عن مجد وقوة الصليب؟[21]
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم في عظاته على الإنجيل بحسب القديس يوحنا:
[نعجب به ليس فقط بسبب المعجزات، ولكن أيضًا بسبب آلامه، لأن إذ هو سُمِّر على الصليب، وجُلِد، وتلقَّى الضربات والبصق ... من أولئك الذين صنع لهم خيرًا. فحتى من جهة هذه الأشياء التي تبدو عارًا من المناسب أن نردد عنها ذات التعبير الذي قاله هو نفسه، إذ دعا هذه الأفعال "مجدًا". فما حدث كان (دليلاً) ليس فقط على الشفقة والمحبة ولكن أيضًا على قوة لا يُنطق بها. ففي ذلك الوقت مُحيَ الموت، وانحلَّت اللعنة، وخزت الشياطين ... وسُمَّر صك خطايانا على الصليب. ولما كانت هذه العجائب جرت بطريقة غير مرئية، لكن حدثت أمور غيرها مرئية، ليظهر أنه بالحقيقة ابن الله الوحيد، رب كل الخليقة. لأنه بينما كان ذلك الجسد المقدَّس معلَّقًا على الشجرة، أخفت الشمس شعاعها، وارتعدت الأرض وأظلمت، والقبور تفتَّحت، والارض ارتجَّت، وخرج عدد لا يُحصى من الأموات ودخلوا المدينة.][22]
ويقول أيضًا في عظة أخرى على الإنجيل بحسب القديس يوحنا:
[الرسل ... كانوا سينالون هذه الهبة (هبة الروح القدس)، ولكن لم يكن قد أُعطِيَ بعد، لذلك أضاف قائلاً: "لم يكن الروح القدس قد أُعطي بعد ... لأن يسوع لم يكن قد مُجِّد بعد" (يو 7: 39) داعيًا الصليب "مجد".][23]
ويقول القديس كيرلس الأورشليمي في محاضراته:
[إن مجد الصليب قاد العميان بالجهل إلى النور، وحل كل الذين كانوا مربوطين بالخطية، وفدى عالم البشر كله.][24]
[لا تخجل أن تعترف بالصليب؛ لأن الملائكة تفخر به، قائلين، "نحن نعرف من تطلبون، يسوع المصلوب" (مت 28: 5) ... الصليب إكليل، وليس خزي.][25]
[ليتنا لا نخزى من صليب مخلِّصنا، بل نفخر به ... لأنه لم يكن مجرد إنسان الذي مات لأجلنا، ولكن ابن الله، الله صار إنسانًا. أيضًا إذا كان الخروف أيام موسى أبعد المهلك بعيدًا، أليس بالأحرى حمل الله الذي يرفع خطية العالم (يو : 29) يخلِّصنا من خطايانا؟ إذا كان أحد لا يؤمن بقوة المصلوب، فليسأل الشياطين؛ إذا كان أي أحد لا يؤمن بالكلمات، فليؤمن بما يراه. فكثيرون صُلبوا في العالم، ولكن الشياطين لم ترتعب من أي من هؤلاء؛ أما عندما رأوا حتى علامة صليب المسيح، الذي صلب لأجلنا، فإنهم يرتعدون. لأن أولئك ماتوا بسبب خطاياهم الخاصة، أما المسيح فبسبب خطايا آخرين؛ لأنه لم يفعل خطية، ولا وُجِد في فمه غش (1بط 2: 22 مقتبسة من إش 53: 9). ليس بطرس هو الذي قال هذا، لو حدث هذا كنا عندئذ نشك أنه كان متحيِّزًا لمعلِّمه، ولكنه إشعياء الذي قال هذا، الذي لم يكن بالفعل موجودًا معه في الجسد، ولكن بالروح رأي مسبقًا مجيئه بالجسد. ولكن لماذا نأتي بالنبي فقط كشاهد. فلنأخذ بيلاطس نفسه الذي أصدر الحكم عليه قائلاً: "لم أجد في هذا الإنسان عِلَّة" (لو 23: 14). ولما أسلمه غسل يديه قائلاً: "أنا بريء من دم هذا البار" (مت 27: 24). بل هناك شاهد أخرى على براءة يسوع من الخطية: اللص، أول إنسان أُدخِل إلى الفردوس، الذي وبَّخ رفيقه، قائلاً: "إننا ننال استحقاق ما فعلنا، وأما هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محله" (لو 23: 41).][26]
قوة الصليب
عن قوة الصليب أيضًا يقول القديس أغسطينوس في عظة على دروس من العهد الجديد:
[لقد غلب العالم كله ... لقد أخضع كل القوات، لقد أخضع ملوكًا، ليس بفخر الجندية، ولكن بعار الصليب: ليس بجنون عنف السيف، وإنما بالتعليق على خشبة، بالآلام في الجسد، بعمل الروح، رفع جسده على الصليب، وهكذا أخضع الأرواح للصليب ... أي جوهرة في تيجانهم أثمن من صليب المسيح على جباه الملوك؟ إذ تحبونه لن تخزوا أبدًا...]
[ثقوا، لقد غلبت العالم" (يو 16: 33). لأن الرئيس سمح أن يجرَّب، فقط لكي يعلِّم جنوده أن يحاربوا.][27]
وتظهر قوة الصليب أيضًا في مغفرته لأعدائه ومحبته لهم رغم صلبه.
في هذا يقول القديس أغسطينوس:
[على الصليب، أظهر صبره لنا جميعًا، وأعطانا مثالاً لمحبة أعدائنا، إذ وهو يراهم ثائرين حوله، وإذ كان يعرف الجنون الذي أصبحوا مخبولين به، قال في الحال لأبيه: "يا أبتاه أغفر لهم، لأنهم لا يعرفون ما يفعلون" (لو 23: 34)][28]
ذبيحة الصليب كانت ذبيحة سلام ومصالحة
حقًا ... لأن على الصليب تمت مصالحة البشر مع الله بقبول ذبيحة ابنه الوحيد وصار سلام ... وإذ تمجَّد ابن الله وتمت المصالحة نزل من قبل صليبه إلى الجحيم، إلى أقسام الأرض السُفلى وأسر الشيطان وفتح باب الفردوس وأدخل آدم وكل نفوس الراقدين على رجاء، ومعهم اللص الذي كان على يمينه وآمن به وبملكه رغم مظهر الضعف. فتح الفردوس ورد آدم إلى رئاسته.
يصف القديس أغسطينوس ذبيحة الصليب بأنها ذبيحة سلام ومصالحة:
[وهو نفس الوسيط الوحيد الحقيقي، مصالحًا لنا مع الله بذبيحة السلام، يبقي واحدًا مع ذاك الذي قدَّمها له ... ليكون هو ذاته مقدِّمًا للذبيحة والتقدمة ذاتها في واحد.][29]
وقيل أيضًا أنه هو نفسه الكاهن والذبيحة. هو نفسه الله والهيكل! الكاهن الذي بواسطته نتصالح، والذبيحة التي بها نتصالح ... الهيكل الذي نتصالح فيه، والله الذي نتصالح معه.
ويقول القديس كيرلس الأورشليمي عن المصالحة بدم الصليب:
[هذه الأشياء تحمَّلها المخلِّص، وصنع سلامًا بدم صليبه، لما في السماء وما على الأرض (كو 1: 20). لأننا كنا أعداء الله بالخطية، وعيَّن الله أن يموت الخاطئ؛ فكان لابد أن يحدث أحد أمرين: إما أن الله في صدقه يُهلك كل البشر، أو أنه بشفقته يلغي الحكم. ولكن إذا بحكمة الله يحتفظ بكلٍ منهما: صدق حكمه، وممارسة شفقته. أخذ المسيح خطايانا في جسده على الخشبة، لكي بموته نموت للخطية ونحيا للبر (1 بط 2: 24). لم يكن ذو شأن هيِّن الذي مات لأجلنا؛ ليس شاه أعجم؛ ليس مجرد إنسان؛ إنه أكثر من ملاك؛ إنه الله الذي صار إنسان.
إن آثام الخطاة لم تكن بحجم بره ذاك الذي مات لأجلهم؛ الخطية التي ارتكبت لم تكن بحجم البر الذي صنعه ذاك الذي بذل حياته عنه – الذي بذل حياته عندما أراد، وأخذها ثانية عندما أراد.][30]
من صليب الجلجثة لمجد الصليب .. من جمعة الصلبوت لأفراح الصليب .. صليب الانتصار والغلبة .. فنقول في اللحن:
[هذا الذي أصعد ذاته (الكاهن) ذبيحة مقبولة (الذبيحة) على الصليب (المذبح) عن خلاص جنسنا، فاشتمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة. فتح باب الفردوس ورد آدم إلى رئاسته مرة أخرى.]
ولهذه القوة للصليب ينصحنا الآباء أن نرشمه على ذواتنا وعلى كل شيء
يقول القديس كيرلس الأورشليمي:
[ليتنا لا نخجل من أن نعترف بالمصلوب. ليكن الصليب ختمنا نرسمه بجرأة بأصابعنا على جبهتنا، وعلى كل شيء: على الخبز الذي نأكله، والكأس الذي نشربه؛ في ذهابنا وإيابنا؛ قبل نومنا، عندما نرقد وعندما نقوم؛ ونحن في الطريق، ونحن ساكنين. عظيم هو الحافظ؛ إنه مجانًا، لأجل الفقراء، دون تعب، لأجل المرضى؛ إذ أن نعمته أيضًا من الله. إنه علامة المؤمن، ورعب الشياطين: لأنه انتصر عليهم به، إذ أشهرهم جهارًا (كو 2: 15)؛ لأنه عندما يرون الصليب يتذكرون المصلوب، أنهم يخافونه، ذاك الذي سحق رؤوس التنين (مز 74: 13).][31]
والتساؤل: كيف يمكن أن يساعد الآخرين ويقوم ثانية وهو لم يستطع أن يساعد نفسه؟
إنه القول الذي سخر به منه المجتازون، قائلين: "خلِّص نفسك! إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب!" وكذلك ورؤساء الكهنة مع الكتبة والشيوخ وهم يستهزئون منه قائلين: "خلَّص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلِّصها! إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به! ... وبذلك أيضًا كان اللصان اللذان صلبا معه يعيِّرانه" (مت 27: 39-44).
ولكن يرد القديس يوحنا ذهبي الفم على ذلك قائلاً:
[لاحظوا الآن: عندما أقول: "صُلب" يرد اليوناني قائلاً: "وكيف يكون هذا معقولاً؟ الذي لم يساعد نفسه عندما كان يخضع للصلب والمحاكمة المرة؟؟ وقت الصليب، كيف بعد هذه الأشياء يقوم ثانية ويساعد آخرين؟ ... ليس هناك سبب معقول لذلك".
حقيقي ... لأن ذلك فوق العقل، فقوة الصليب لا ينطق بها. لأنه وهو بالفعل في وسط الأمور المرعبة وفي قبضة العدو يحدث هذا، إن هذا من قوة لانهائية. لأنه كما في حالة الفتية الثلاثة، عدم دخولهم الأتون ما كان سيدهش لهذه الدرجة كما حين دخلوه وداسوا على النار ... وفي حالة يونان، كان الأمر أعظم بكثير أنه بعد أن ابتلعه الحوت لم يتأذي من الوحش، مما لو كان لم يبتلعه على الإطلاق ... هكذا أيضًا من جهة المسيح، عدم موته ما كان سيكون غير مدرك بهذه الدرجة مثلما بعد أن مات حل قيود الموت. فلا تقول إذًا: "لماذا لم يساعد نفسه على الصليب؟ لأنه كان مسرعًا لغلق الصراع مع الموت نفسه. لم ينزل من على الصليب، ليس لأنه لم يكن قادرًا، ولكن لأنه لم يكن يريد. الذي لم يعوقه طغيان الموت، كيف كانت تقدر المسامير أن تمنعه؟][32]
ويقول القديس يوحنا ذهبي أيضًا:
[إذ قال: "مكتوب، سأبيد حكمة الحكماء"، يلحقها موضِّحًا من الحقائق، قائل: "أين الحكيم؟ أين الكاتب؟" وفي نفس الوقت ينظر لكل من الأمم واليهود. فأي نوع من الفلاسفة بينكم درس المنطق، أي من أولئك الذين يعرفون الأمور اليهودية، قد خلَّصنا وأعلن الحق؟ لا أحد. لقد كان عمل الصيادين، كل العمل ... "ألم يجهل الله حكمة هذا العالم؟" إنه يوضح أيضًا السبب أن هذه الأمور تمت هكذا. يقول: "لأن في حكمة الله العالم بحكمته لم يعرف الله"، هكذا ظهر الصليب.][33]
تاسعًا - شهود الصليب
النبوات والرموز والإشارات؛ الطبيعة والظواهر التي صاحبت الصلب؛ الأحداث؛ وشهود العيان .. كل هذه شهادات لواقعة الصلب والمجد الذي صاحب الصلب. لكن لماذا نحتاج لشهود؟ التاريخ يشهد، ولكن هناك هراطقة ينكرون الصليب ويزعمون أنه خديعة. لم يكن الصليب خداعًا ولا الآلام تمثيلاً ... فلنز الرد على هذا والشهود للصليب ..
شهادة النبوات
من بين الآباء الكثيرين الذين تكلَّموا عن حقيقة الصلب وما ورد عنه في النبوات وما صاحبه من ظواهر وأحداث، القديس كيرلس الأورشليمي .. نورد اقتباسات عديدة من محاضراته:
يؤكد القديس كيرلس الأورشليمي أن كل ما حدث ورد في النبوات بالتفصيل وبدقة، إذ تكلمت عنه النبوات وأشارت إليه الرموز، فيقول:
[المسيح إذًا صُلب عنا، الذي حوكم في المساء، بينما الجو برودة، ولذلك كانت هناك نار الفحم (يو 18: 18) ... ومن الساعة السادسة كانت هناك ظلمة حتى الساعة التاسعة (مت 27: 45)؛ ولكن من الساعة التاسعة كان هناك نور ثانية. هل هذه الأمور أيضًا مكتوبة؟ فلنبحث.
زكريا النبي يقول: "ويكون في ذلك اليوم أنه لا يكون نور (زك 14: 6).
ولكن هل تسألون في أي ساعة بالتحديد اختفت الشمس؟ ... قل، أيها النبي، لليهود الوقت بالتحديد لذلك ... يجيب النبي عاموس: "ويكون في ذلك اليوم، يقول السيد الرب، أني أُغيِّب الشمس في الظهر (فقد كانت هناك ظلمة من الساعة السادسة)؛ وأُقتِّم الأرض في يوم نور" (عاموس 8: 9). "وأحوِّل أعيادكم نوحًا". فقد حدث هذا في أيام الفطير، وفي عيد الفصح. ثم يقول: "وأجعلها كمناحة الوحيد وآخرها يومًا مرًا" (عاموس 8: 10). لأنه في يوم الفطير،وفي العيد كانت نساؤهم تولول وتبكي، وأخفي الرسل أنفسهم وكانوا في مرارة. إنها نبوة عجيبة إذًا.
صُلب يسوع؛ وكان يلبس ثوبًا واحدًا فقط، ورداءً واحدًا. الثوب اقتسمه الجنود فيما بينهم، مزقوه إلى أربعة؛ أما الرداء فلم يمزَّق ... وهذا ألقى الجنود عليه قرعة ... فهل هذا إيضًا مكتوب؟ مرنمو الكنيسة يرنمون المزامير ... ويقولون: "اقتسموا ثيابي بينهم، وعلى لباسي ألقوا قرعة" (مز 22: 18؛ يو 19: 24). القرعة هي تلك التي ألقاها الجنود.
وأيضًا، عندما كان يحاكم أمام بيلاطس، كان يكتسي بالأحمر؛ لأنهم ألبسوه رداءً أرجوانيًا. فهل هذا أيضًا مكتوب؟ يقول إشعياء: "من ذا الآتي من أدوم، بثياب حمر من بصرة؟" (إش 63: 1، 2).][34]
[إذ كان إذًا في الجسد مثل الآخرين، صُلب، ولكن ليس من أجل خطايا مماثلة. لأنه لم يساق للموت بسبب شهوة، إذ كان معلِّما الفقر؛ ولا أدين بسبب رغبة ... وليس بسبب إيذاء أو ضرب متهور، لأنه أدار الخد الآخر للضارب؛ ولا بسبب ازدراء الناموس، لأنه حقق الناموس؛ وليس بسبب لعن نبي، لأنه هو ذاته أعلن عنه الأنبياء؛ وليس بسبب سلب أجور خدام لأنه خدم بدون مكافأة وبالمجان؛ وليس بسبب أخطاء بالكلام أو بالأفعال أو الأفكار: "الذي لم يفعل خطية، ولا وجد في فمه مكر، الذي إذ شتم لم يكن يشتم عوضًا، وإذ تألم لم يكن يهدد" (1 بط 2: 22، 23)، الذي جاء إلى آلامه، ليس على غير إرادته، ولكن بإرادته.][35]
الظواهر التي صاحبت الصلب
يوضح القديس كيرلس الأورشليمي قوة المصلوب من الظواهر التي حدثت، والسبب الذي لأجله احتمل كل ذلك، فيقول:
[إظلمت الشمس بسبب شمس البر (ملا 4: 2). الصخور تشققت، بسبب الصخرة الروحية. القبور تفتحت وقام الأموات بسبب ذاك الحُر بين الأموات (مز 88: 5). "أطلقت أسراك من الجب الذي ليس فيه ماء (زك 9: 11). فلا تخجلوا من المصلوب، ولكن أيضًا لتكن لك الجرأة أن تقول: أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها ... بحبره شُفينا" (إش 53: 4، 5)] [36]
إشارات للصليب
أيضًا القديس يوستنيوس الشهيد يرى إشارات للصليب في: الخشب الذي حمله إسحق، وبركة يعقوب لابني يوسف بوضع يديه على مثال الصليب، وعصا موسى الذي شق بها البحر، والحية النحاسية، ورفع موسى يديه على مثال الصليب، فيؤكد أنه ليس بصلاة موسى نال الشعب القوة، وإنما لأن من كان يحمل اسم يسوع (يشوع) كان على رأس المعركة بينما هو رافعًا يديه على مثال الصليب.[37]
ويرى أن الخشبة التي خدع بها الشيطان آدم صار هي الأداة التي هزم بها المسيح الشيطان.
شهود كثيرون، ملائكة وبشر وطبيعة
يؤكد القديس كيرلس الأورشليمي أن هناك كثيرون شهدوا بالصلب، ويعدد هؤلاء، سواء ملائكة أو بشر أو حتى الطبيعة، يقول:
[خذوا أذَا أولاً الصليب كأساس لا يمكن هدمه، وابنوا عليه كل بنود الإيمان الأخرى. لا تنكروا المصلوب؛ لأنكم إذا انكرتموه، ستجدوا الكثيرون يتهمونكم.
يهوذا الخائن سيتهمكم أولاً؛ لأن الذي خانه يعرف أنه أدين للموت من رؤساء الكهنة والشيوخ. الثلاثون من الفضة ستشهد؛ جثسيماني ستشهد، حيث حدثت الخيانة؛ ولا أتكلم بعد عن جبل الزيتون الذي كانوا معه عليه يصلون. القمر في الليل يشهد؛ النهار يشهد، والشمس التي أظلمت لأنها لم تحتمل أن تنظر جريمة المتآمرين. النار ستتهمكم، التي وقف بطرس يستدفأ بها ... بيت قيافا سيتهمكم، إذ يظهر بحالته المهجورة الحالية قوة ذاك الذين كان يحاكم هناك. نعم، قيافا نفسه سيقوم ضدكم في يوم الدينونة، الخادم سيقوم ضدكم، ذاك الذي لطم يسوع بكف يده، وأيضًا الذين قيدوه، والذين اقتادوخ. حتى هيرودس سيقوم ضدكم، وبيلاطس، كما لو كان يقول: لماذا تنكرون ذاك الذي افترى عليه اليهودأمامنا، والذي كنا نعرف أنه لم يصنع أي خطأ؟ لأنني بيلاطس غسلت يديّ. الشهود الزور سيقومون ضدكم، والجنود الذين ألبسوه الرداء الأرجواني، ووضعوا فوقه إكليل الشوك وصلبوه في الجلجثة، وألقوا قرعة على رداءه. سمعان القيرواني سيصرخ ضدكم، الذي حمل الصليب خلف يسوع.
من بين النجوم ستصرخ عليك الشمس المظلمة؛ ومن بين الأشياء التي على الأرض الخمر المختلط بالمر؛ من بين حزم القصب ومن بين الأعشاب، الزوفا؛ من بين الأشياء في البحر الإسفنج؛ ومن بين الأشجار خشبة الصليب - الجنود أيضًا الذين سمَّروه وألقوا قرعة على رداءه؛ الجندي الذي طعن جنبه بالحربة؛ النسوة اللواتي كن حاضرات؛ حجاب الهيكل الذي انشق؛ بلاط بيلاطس، المخرَّب الآن بقوة المصلوب وقتئذ؛ وهذه الجلجثة المقدسة التي تقف عاليًا فوقنا وتظهر نفسه إلى هذا اليوم، وتظهر حتى كيف بسبب المسيح انشقت الصخور وقتها؛ القبر القريب منا حيث كان يرقد، والحجر الموضوع على الباب ... الملائكة الذين كانوا حاضرين وقتها، والنسوة اللواتي سجدن له بعد قيامته؛ بطرس ويوحنا اللذين ركضا إلى القبر؛ وتوما الذي وضع يده في جنبه، وأصابعه في مكان المسامير ...
هناك اثنى عشر رسولاً شهود الصليب؛ وكل الأرض وعالم البشر المؤمنون به، ذاك المعلَّق عليه ... لقد كان هو رمز الخلاص، صليب يسوع ... إلى هذا اليوم يشفي الأمراض؛ إنه إلى هذا اليوم يطرد الشياطين، ويطيح باحتيالات العقاقير والشعوذة والسحر ...
سوف يظهر هذا ثانية مع يسوع من السماء، لأن الرمز (الصليب رمز الخلاص) سيطعن الملك: لكي الذين طعنوه يرونه (زك 12: 10)، ويعرفون بالصليب ذاك الذي خزى، فاليهود يندمون ويحزنون ... ولكي نفخر نحن، نفتخر بالصليب، نسجد للرب الذي أرسل، وصلب عنا، ونسجد أيضًا لله أبيه الذي أرسله، مع الروح القدس له المجد إلى أبد الأبد. آمين.] [38]
لم يكن الصليب خداعًا ولا الآلام تمثيلاً، هكذا يؤكد القديس كيرلس الأورشليمي:
[إذًا يسوع تألم بالفعل من أجل كل البشر، لأن الصليب لم يكن خداع، وإلاّ كان فداؤنا أيضًا خداع (انظر أغناطيوس 2). موته لم يكن مجرد استعراض (انظر أثناسيوس ضد أبوليناريوس 3)، لأنه عندئذ يكون خلاصنا خرافة. إذا كان موته مجرد تمثيلية، فحقًا ما قالوه: "نذكر أن ذلك المضل قال وهو حي، إني بعد ثلاثة أيام أقوم ثانية" (مت 27: 63). كانت آلامه إذًا حقيقة، فقد صلب بالفعل ونحن لا نخزى من ذلك، لقد صلب، ونحن لا ننكر ذلك، لا، بل نفخر بالحديث عنه، لأنه رغم أننى يجب أن أنكر ذلك الآن، لكن ها هي الجلجثة تفحمني ... خشبة الصليب تفحمني الذي وزعت منها بعد ذلك أجزاء من هنا إلى كل العالم. اعترف بالصليب لأني أعلم عن القيامة، لأنه لو كان بعد أن صلب ظل كما هو، ربما كنت لا أعترف بذلك، فربما كنت أخفي كلاهما الصلب وسيدي، ولكن الآن إذ القيامة أعقبت الصليب، فأنا لا أخزى أن أعلنه.][39]
ويؤكد رفض ادعاء الهراطقة أن الصليب خديعة، يقول:
[إذا دخلت في أي وقت في جدال وليس لديك أسس للإثبات، فليكن الإيمان ثابتًا داخلك؛ أو الأفضل أن تتعلَّم جيدًا، ثم تُسكِت اليهود من الأنبياء، واليونانيين من أساطيرهم ... ولتجعل كل الهراطقة يصمتون. فإذا قال أحد أن الصليب خديعة، ابتعد عنه ... لأنه إذا كان كذلك، وإذا كان الخلاص من الصليب، إذًا يكون الخلاص أيضًا خديعة. إذا كان الصليب وهم، فالقيامة أيضًا وهم؛ لكن إذا كان المسيح لم يقم، فنحن بعد في خطايانا (1كو 15: 17). إذا كان الصليب خداع، إذًا المجيء الثاني أيضًا خداع، وكل شيء بعد ذلك غير حقيقي.][40]
عاشرًا - الصليب رسالة فرح ورجاء
الصليب هو الهوية السمائية للمؤمن ترافقه طوال حياته على الأرض وتدخل به إلى الملكوت المُعدّ لأتباع رب المجد المصلوب لأجلنا ...
إن منظر الصليب والرب منحنٍ تحت ثقله، بعد اللطم والجلد والبصق والاستهزاء منظرٌ يمزق قلب أي مؤمن ... لكن حين نراه مرتفعًا فوق الخشبة وفي قوة يغفر لصالبيه ... يتحول المنظر من منظر حزن وأسى إلى رجاء وفرح ...
أما سر الرجاء والفرح فلأننا نرى فيه الحب مجسَّمًا ... نراه الإله المحب الذي بذل ذاته لأجلنا وبدلاً منا ... نعم:
لقد أحبنا ... حتى أنه تألم بدلاً منا ... وفي النهاية قام منتصرًا ليقيمنا في غلبة وانتصار على الخطية، وعلى الموت، وعلى العالم، وعلى قوى الشر!
لقد أحبنا ... حتى الموت، موت الصليب ... فهل هناك حب أعظم من هذا أن يبذل أحد نفسه لأجل أحبائه!
لقد أحبنا ... وسفك دمه الثمين لأجلنا ... هذا الدم الذي يطهرنا من كل خطية إن سلكنا في النور (1يو1: 7) ... فكيف نعود بعد للخطية!
لقد أحبنا ... مات لأجلنا عوضًا عنا ... فكيف لا نحبه ونصلب الأهواء والاشتياقات لنحتفظ بحبه!
لقد أحبنا ... أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحمَّلها ... مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا ... وبحبره، بجراحاته، شفينا (إش 53: 4، 5).
إذا ثبَّتنا أنظارنا عليه لن نغرق في لجة بحر هذا العالم، بل نرتفع فوقها كما سار بطرس الرسول فوق المياه بأمره وحين بدأ يتشكك كاد أن يغرق (مت 14: 28-31) ...
إذا وضعنا كل ثقتنا فيه، ستتحقق لنا المستحيلات ...
لقد جاء برسالة للعالم أعلنها في المجمع من البداية وأتمَّها بالصليب ... فقد قرأ لهم من سفر إشعياء النبوة عنه التي تقول: "أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية ..." (لو 4: 18؛ إش 61: 1) وأوضح مؤكدًا لهم أنه المقصود بهذه النبوة قائلاً: "إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم" (لو 4: 21) ...
حقًا في صليبه يجد المنكسرو القلب شفاءً وأسرى الخطية حرية ... يجد الضعيف قوة "قوتي في الضعف تكمل" (2كو 12:: 9) ... والمثقَّل بالمتاعب والأحزان يجد راحة، فقد حمل أحزاننا وتحمَّل أوجاعنا، وقد قال: "تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت 11: 28) ...
في مواجهة الأمراض يعطي شفاء فهو الطبيب الشافي ... في مواجهة الطبيعة والكوارث يعطي هدوء بسلطانه لأنه الخالق لها ... بصليبه لنا رجاء أن يرفع عن العالم الأمراض والأوبئة والكوارث وكل فعل الشرير ...
في مواجهة الهزء والسخرية والمذلة يعطي تعزية لأنه اختبر كل ذلك ... وكما ارتفع يرفع من يواجهون هذه الحروب التي يشنها الشيطان ...
في مواجهة الإحباط والفشل والمؤامرات وكل فعل الشرير يعطي نجاح وكرامة ... ويعطي سلام لأنه إله السلام ... وليس كالسلام الذي يعطيه العالم، فقد قال: "سلامًا أترك لكم. سلامي أعطيكم. ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا" (يو 14: 27) ... إنه سلام الله الذي يفوق كل عقل (في 4: 7) ... فعلى الصليب "البر والسلام تلاثما" (مز 85: 10) ...
هذا هو الصليب الذي جاء ابن الله إلى العالم من أجله، وصعد عليه بإرادته من أجل السرور الموضوع أمامه، مستهينًا بالخزي (عب 12: 2) ... السرور بالخلاص الذي حقَّقه لنا ...
هذا هو الصليب رجاؤنا الذي به نرتفع عن الأرض بكل ما فيها من متاعب إلى السماء بكل أمجادها ...
هذا هو الصليب رجاؤنا الذي يرفعنا فوق كل ألم ومعاناة وإحباطات إلى تحقُّق الوعود الإلهية ...
السلام لك أيها الصليب ... أسمي حب ... أعمق فرح ... وأقوي نصرة على الشيطان وقوات الظلمة
بركة الصليب المجيد تكون مع الجميع ...
ولربنا المجد الدائم إلى الأبد. آمين
⸭
Bibliography
المراجع
- St. John Chrysostom, Homily 12; 51, On the Gospel of St. John, Vol. 14 Nicene and Post Nicene Fathers, First Series, WM.B. Eerdmans Publishing Company, Grand Rapids, Michigan, 1996.
- --------------------------, Homily 7, On Romans, Vol. 11, 1989.
- --------------------------, Homily 4, On 1Cor.1, Vol. 12.
- St. Hilary of Poitiers, On the Trinity, Book I, Vol. 9 NPNF 2nd Series, 1989.
- St. Gregory Nazianzen, Second Oration on Easter, Vol. 7 NPNF 2nd Series, 1996.
- St. Augustine, On the Trinity, 4, Vol. 3 NPNF 1st Series, 1993.
- -----------------, Sermons 1; 30; 33, On New Testament Lessons, Vol. 6 NPNF 1st. Series, 1996.
- St. Cyril of Jerusalem, Catechetical Lectures 2-4; 28; 33, Vol. 7 NPNF.
- St. Athanasius, Incarnation of the Word, Ch. 4, 6, 8, 20, 21, 25, Vol. 4 NPNF 2nd Series, 1991.
- The Epistle of Mathetes to Diognetus, Ch. 9, Vol. 1 ANF, 1996.
- St. Justin Martyr, Dialogue 90, 91, Vol. 1 ANF, 1996.
[1] St. John Chrysostom, Homily 12 on the Gospel of St. John, p. 42, Vol. 14, NPNF
[2] St. Hilary of Poitiers, On the Trinity, Book 1: 13, p. 44, Vol. 9, NPNF
[3] St. Gregory Nazianzen, Second Oration on Easter: 22, p. 431, Vol. 7, NPNF
[4] St. Augustine, Sermon 30: 5 on New Testament Lessons
[5] St. Hilary of Poitiers, On the Trinity, Book 1: 13, p. 44, Vol. 9, NPNF
[6] St. Cyril of Jerusalem, Catechetical Lectures 13: 28, p. 89, Vol. , NPNF
[7] St. Augustine, Sermon 1: 2 on the New Testament Lessons, p. 246
[8] St. Cyril of Jerusalem, Catechetical Lectures, 13: 4, p. 83
[9] St. Athanasius, Incarnation of the Word: 20, p. 47,Vol. 4 NPNF
[10] Ibid. 20: 5, p. 47
[11] Ibid. 8, p. 40
[12] The Epistle to Diognetus, Ch. 9, p, 28, Vol.1, ANF
[13] St. Cyril of Jerusalem, Catechetical Lectures, 13: 33, p. 91
[14] Ibid. 13: 2, 3, p. 82
[15] St. John Chrysostom, Homily 7 On Romans, p. 377, Vol. 11 NPNF
[16] St. Athanasius, Incarnation of the Word, 6: 1-3, p. 39
[17] Ibid. 6: 5-9.
[18] Ibid. 4: 2-3, p. 38
[19] Ibid. 25: 1-6, p. 49-50
[20] Ibid. 21: 3-7, p. 47-48.
[21] أقوال الآباء ترجمة دكتورة وداد عباس من نسخة آباء نيقية الإنجليزية.
[22] St. John Chrysostom: Homily 12: 3 on Gospel of John, p. 42, Vol. 14
[23] Ibid. Homily 51: 2, on the Gospel of John, p. 184
[24] St. Cyril of Jerusalem, Lecture 13: 1, p. 82
[25] Ibid. Lecture 13: 22, p. 88
[26] Ibid. Lecture 13: 3, p. 82, 83
[27] St. Augustine: Sermon 1: 2 on the New Testament Lessons p. 246
[28] Ibid. Sermon 33: 5, p. 351
[29] St. Augustine, On the Trinity, 4: 14, p. 79, Vol. 3
[30] St. Cyril of Jerusalem, Lecture 13: 33, p. 91
[31] Ibid. Lecture 13: 36, p. 92
[32] St. John Chrysostom, Homily 4: 3 on 1Cor 1: 18-20, p. 17. Vol. 12 NPNF.
[33] Ibid. Homily 4: 4 on Verse 1: 20-21, p. 17.
[34] St. Cyril of Jerusalem, The prophets about the crucifixion – Lecture 13: 24 - 27, p. 89
[35] Ibid. Lecture 13: 5, p. 83
[36] Ibid. Lecture 13: 34, p. 91
[37] St. Justin Martyr, Dialogue 90, 91, p. 244, 245, Vol. 1 Ante Nicene Fathers
[38] Ibid. Lecture 13: 37 – 39, 41, p. 92
[39] Ibid. Lecture 13: 4, p. 83
[40] Ibid. Lecture 13: 37 – 39, 41, p. 92
Comments
Post a Comment